قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام.
وأيضًا؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد -﵁-: أنَّ النّبيّ - ﷺ -
قيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب
والنتن)؟ فقال: "الماء طهور لا ينجِّسه شيء" (٥).
_________________
(١) هذا مما استفدته من شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-.
(٢) "الفتاوى" (٢١/ ٣٢ - ٣٣).
(٣) وقد ذكر خمسة أقوال في المسألة، وقال في الأول: "لا ينجس".
(٤) الحِيَض: بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة -بكسر الحاء وسكون الياء: هي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض، وانظر "تحفة الأحوذي" (١/ ٢٠٤).
(٥) أخرجه أحمد وأبو داود "صحيح سنن أبي داود" (٦٠) وغيرهما، وتقدَّم. وانظر "الإرواء" (١٤).
[ ١ / ٧٢ ]
وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات.
وأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة.
ومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شاربًا للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك.
وأيضًا؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه".
وبه قال الشوكاني -﵀- في "السيل الجرَّار".
وقال شيخ الإِسلام -﵀- في "الفتاوى" (٢١/ ٦١١): " وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر".
"وسئل -﵀- عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل ترابًا؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟
فذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح.
_________________
(١) أى: الزّبل.
[ ١ / ٧٣ ]
وقال -﵀-: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع" (١).