"وكذلك ما يتغيَّر في آنية الأدم (الجلد) والنحاس ونحوه؛ يُعْفَى عن ذلك كلِّه، ولا يخرج به الماء عن إِطلاقه".
"وأيضًا؛ ما تغيَّر بالسمك ونحوه من دوابِّ البحر، لأنه لا يمكن التحرُّز منه" (٥).
ويظلُّ كلُّ ذاك طَهورًا ما دام اسم الماء المطلق يتناوله.
ومن الأدلَّة على ذلك:
ما روته أمُّ عطيَّة -﵂- قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين تُوفِّيت ابنته، فقال: "اغْسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إِنْ
_________________
(١) بمعنى الذَّنوب: الدلو الملأى ماء. "النهاية". وفي "فقه اللغة" للثعالبي: "لا يُقال للدلو: سَجْل؛ إِلا ما دام فيها ماء قلَّ أو كثر، ولا يُقال لها: ذَنوب؛ إِلا إِذا كانت ملأى".
(٢) أخرجه عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد المسند" (١/ ٧٦)؛ كما في "الإِرواء" (١٣)، وانظر "تمام المنة" (ص ٤٦).
(٣) أي: المتغيِّر الطَّعم واللون.
(٤) ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀- اتفاق العلماء على ذلك في "الفتاوى" (٢١/ ٣٦).
(٥) انظر كتاب "المغني" (أحكام الماء المطلق والمتغيِّر).
[ ١ / ١٤ ]
رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر (١)، واجعَلْنَ في الآخرةِ كافورًا (٢)، فإذا فرغْتُنَّ؛ فآذِنَّني"، فلما فرغْنا؛ آذنَّاه، فأعطانا حَِقْوه (٣)، فقال: "أشعِرْنها (٤) إِيَّاه"؛ تعني: إِزاره (٥).
وفي حديث أمِّ هانئ: "أنَّ النّبيَّ - ﷺ - اغتسل وميمونة من إناء واحد؛ في قصعة فيها أثر العجين" (٦).
قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- (مسألة ١٤٧) من "المحلى": "وكلُّ ماءٍ خالَطه شيء طاهر مباح، فظهر فيه لونه وريحُه وطعمُه؛ إِلاَّ أنه لم يُزِلْ عنه اسم الماء؛ فالوضوء به جائز، والغُسل به للجنابة جائز.
برهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧)، وهذا ماء، سواء كان الواقع فيه مِسكًا أو عسلًا أو زعفرانًا أو غير ذلك".
وأما دليل الوضوء في آنية النحاس والجلد ونحوها:
فلحديث عبد الله بن زيد -﵁- قال: "أتى رسول الله -ﷺ-،
_________________
(١) السِّدر: شجر النَّبِق.
(٢) الكافور: من أخلاط الطيب، وفي "الصحاح": من الطيب. "لسان العرب".
(٣) بفتح المهملة -ويجوز كسرها، وهي لغة هذيل- بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإِزار. "فتح" -بحذف يسير-.
(٤) أي: اجْعلْنه شعارها؛ أي: الثوب الذي يلي جسدها.
(٥) أخرجه البخاري: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩، وغيرهما.
(٦) أخرجه النسائي "صحيح سنن النسائي" (٢٣٤)، وابن ماجه "صحيح سنن ابن ماجه" (٣٠٣)، وغيرهما، وانظر "المشكاة" (٤٨٥)، و"الإِرواء" (٢٧١).
(٧) النساء: ٤٣، والمائدة: ٦
[ ١ / ١٥ ]
فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ مِن صُفر (١)، فتوضَّأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرَّتين مرَّتين، ومسحَ برأسه، فأقبَلَ به وأدْبَرَ، وغَسل رِجليه" (٢).
وحديث ابن عباس -﵄- قال: "بِتُّ ذات ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النّبيُّ - ﷺ - يصلِّي متطوِّعًا من الليل، فقام النّبيُّ - ﷺ - إِلى القربة فتوضأ، فقام فصلَّى، فقُمْتُ لمَّا رأيتُه صنَعَ ذلك، فتوضَّأتُ من القِربة، ثمَّ قُمتُ إِلى شقِّه الأيسر، فأخَذ بيدي من وراء ظهره إِلى الشقِّ الأيمن" (٣).
وكذلك حديث أنس بن مالك -﵁- قال: "كان النّبي - ﷺ - إِذا خَرَجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوَة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به" (٥).