عن أبي أيُّوب الأنصاري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا (٣) " (٤).
وعن سلمان -﵁- قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة (٥). قال: فقال: "أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع (٦) أو بعظم" (٧).
_________________
(١) الخُبْث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة؛ يريد: ذُكران الشياطين وإناثهم. قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما. "فتح". وأصل الخبائث: المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة.
(٢) أخرجه البخاري: ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥
(٣) وليس التشريق أو التغريب عامًّا لكل البلاد، فمن الناس من يشرِّق أو يغرِّب فيستقبل القبلة أو يستدبرها، والمراد عدم استقبال القبلة أو استدبارها؛ كما هى الإشارة في أوَّل الحديث.
(٤) أخرجه البخاري: ١٤٤
(٥) التخلِّي والقعود للحاجة؛ قال الخطابي: "وأكثر الرواة يفتحون الخاء". "النهاية".
(٦) الرَّجيع: العَذرة والرَّوث، سُمي رجيعًا؛ لأنَّه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. "النهاية".
(٧) أخرجه مسلم: ٢٦٢
[ ١ / ٨٠ ]
قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء.
(ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب -﵁- وغيره، وذكر أيضًا من قال بذلك من السَّلَف) " (١).
وعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: "إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا".
قال أبو أيوب: "فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم (٢) " (٣).
وربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر -﵄- قال: "ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام" (٤).
وقول مروان الأصفر: "أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُ
_________________
(١) انظر "المحلّى" (مسألة ١٤٦).
(٢) جواب لقوله في البداية: "سمعتَ الزُّهري " إِلخ.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٩٤، ومسلم: ٢٦٤
(٤) أخرجه البخاري: ١٤٨، ومسلم: ٢٦٦
[ ١ / ٨١ ]
إِليها، فقلتُ (١): يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ" (٢).
فالجواب عن ذلك:
"١ - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم.
٢ - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط.
٣ - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح.
٤ - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث: "من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه" (٣).
ومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقًا؛ فالبول والغائط مستقبلًا لها لا يجوز بالأولى" (٤).
_________________
(١) أي: مروان الأصفر.
(٢) أخرجه أبو داود: ١١، "صحيح سنن أبي داود" (٨)، وغيره، وانظر "الإِرواء" (٦١).
(٣) أخرجه أبو داود، وغيره، وِإسناده صحيح؛ وانظر "الصحيحة" (٢٢٢).
(٤) كذا قاله لي بمعناه شيخُنا الألباني -حفظه الله-.
[ ١ / ٨٢ ]