قال العلامة ابن الحاج في كتاب «المدخل» (٢)
_________________
(١) انظر ما قدمناه قريبًا.
(٢) (٣/٢٥٠-٢٥١)، والكتاب لأبي عبد الله محمد بن محمد بن العبدري الفاسي (ت ٧٣٧هـ)، واسمه: «المدخل إلى تتمة الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها»، مدحه ابن حجر في «الفتح» (١٠/٣٤٠، ٣٤٣) بقوله: «وهو كتاب كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها مما ينكر، وبعضها مما يحتمل» . قال أبو عبيدة: والكتاب احتوى أحاديث موضوعة، وحكايات مكذوبة، وشطحات منكرة، وشركيات وبدع، وانظر عنه -لزامًا-: «السراج لكشف ظلمات الشرك في مدخل ابن الحاج» لعبد الكريم الحميد، و«الحاوي للفتاوي» للغماري (٣/٧-٨)، و«أحكام الجنائز» (ص ٣٣٦) لشيخنا الألباني، وكتابي «كتب حذر منها العلماء» (١/٣١١-٣١٢) . وكلام ابن الحاج تصرف فيه المؤلفان كثيرًا، فاقتضى التنويه.
[ ١٤ ]
ما ملخصه: العجب من أصحاب الميت، حيث يأتون بجماعة يذكرون أمام الجنازة، وهو من الحدث في الدين، ومخالف لسنَّة سيد المرسلين، وأصحابه والسَّلف الصَّالحين، يجب على من له قدرة على منعهم أن يمنعهم مع الزجر والأدب؛ لمخالفتهم للشريعة المطهرة، ولأنه ضد ما كانت عليه جنائز السلف الماضين؛ لأنّ جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع، حتى إن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهم؛ لكثرة حزن الجميع (١)، وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكرة فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون (٢)،
_________________
(١) أخرج وكيع في «الزهد» (٢/٤٦٠ رقم ٢٠٨) وعنه ابن أبي شيبة في «المصنف»، وأحمد في «الزهد» (٣٦٥)، وابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٢ - بتحقيقي)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/٥٠) بإسناد صحيح عن الأعمش، قال: إن كنا لنتبع الجنازة، فما ندري مَن نعزّي من حزن القوم. وانظر «الباعث» (ص ٢٧٧ - بتحقيقي) لأبي شامة المقدسي. وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٢٣) عن حوشب بن مسلم، قال: لقد= =أدركت الميت يموت في الحي، فما يعرف حميمه من غيره من شدّة جزعهم، وكثرةِ البكاء عليه، قال: ثم بقيت، حتى فقدتُ عامّة ذلك. وحوشب بن مسلم الثقفي، مولى الحجاج، كان من العُبّاد، ممن يقص، له ترجمة في «التاريخ الكبير» (٣/١٠٠)، و«ثقات ابن حبان» (٦/٢٤٣) .
(٢) أخرج وكيع (٢/٤٦٠ رقم ٢٠٨) وأحمد (٣٦٥) كلاهما في «الزهد»، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/٥٠) بسند صحيح، أن أسيد بن حضير كان يقول: ما شهدتُ جنازةً، فحدثت نفسي بشيء سوى ما هو مفعول بها، وما هي صائر إليه. وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٦) بسنده إلى صالح المري، قال: أدركت بالبصرة شبابًا وشيوخًا يشهدون الجنائز، يرجعون منها كأنهم نُشِروا من قبورهم، فيُعرف فيهم -والله- الزيادة بعد ذلك. وأخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٤، ٥٩ - بتحقيقي) عن عامر بن يساف، قال: كان يحيى بن أبي كثير إذا حضر جنازة، لم يتعشّ تلك الليلة، ولم يقدر أحد من أهله يكلمه من شدّة حزنه. وإسناده لا بأس به. وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٧/٥٩٢)، وعنه الذهبي في «السير» (٦/٢٨)، وانظر أثر حوشب في الهامش السابق.
[ ١٥ ]
حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع عنده، فيلقاه في الجنازة، فلا يزيد على السلام الشرعي شيئًا (١)؛ لشغل كل منهما بما تقدم ذكره، وبعضهم لا يقدر أن يأخذ الغِذَاء تلك الليلة لشدة ما أصابه من الجزع (٢)، كما قال الحسن البصري -﵁-: «ميت غد يشيِّع ميتَ اليوم» (٣)،
_________________
(١) أخرج ابن المبارك في «الزهد» (رقم ٢٤٥) بسنده إلى بديل، قال: كان مطرّف يلقى الرجل من خاصة إخوانه في الجنازة، فعسى أن يكون غائبًا، فما يزيد على التسليم، ثم يعرض اشتغالًا بما هو فيه. وذكره أبو شامة في «الباعث» (٢٧٧)، والسيوطي في «الأمر بالاتباع» (٢٥٥) .
(٢) أخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٣٨ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٦/١٧٠) - بسند لا بأس به، عن محمد بن واسع، أنه حضر جنازة، فلما رجع إلى أهله، أُتي بغدائه، فبكى، وقال: هذا يوم منغَّص علينا نهاره، وأبى أن يَطْعَم. وانظر أثر يحيى بن أبي كثير في الهامش قبل السابق.
(٣) ظفرتُ بنحوه عن أبي الدرداء. أخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» (رقم ٢٨ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٧/١٩٣ - ط. دار الفكر) - من طريق يحيى بن جابر، قال: خرج أبو الدرداء إلى جنازة، وأتى أهل الميت يبكون عليه، فقال: مساكين، موتى غدٍ يبكون على ميت اليوم. وإسناده ضعيف، يحيى بن جابر لم يدرك أبا الدرداء. وأما أثر الحسن، فقد ورد بمعناه. أخرج ابن أبي الدنيا في «القبور» -أيضًا- (رقم ٣٥) عن مالك بن دينار، قال: كنا مع الحسن في جنازة، فسمع رجلًا يقول لآخر: من هذا الميت؟ فقال الحسن: هذا أنا وأنت رحمك الله، أنتم محبوسون على آخرنا، حتى يلحق آخرنا بأوّلنا. وهو في «الموت» لابن أبي الدنيا -أيضًا- (رقم ٥٥٨ - بتجميعي)، وانظر نحوه عنه في «القبور» (رقم ١٩٨ - الملحق)، وهو عند ابن رجب في «أهوال القبور» (رقم ٥٤٤) .
[ ١٦ ]
وانظر -رحمنا الله تعالى وإياك- إلى قول عبد الله بن مسعود -﵁- لمن قال في الجنازة: استغفروا لأخيكم؛ يعني: الميت، فقال له: لا غفر الله لك (١) . فإن كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ الدال على طلب الدعاء من الحاضرين للميت، فما بالك بما يفعله أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو قراءة القرآن أو البردة (٢)،
_________________
(١) المأثور في ذلك عن ابن عمر لا ابن مسعود، وهو معزو لـ «سنن سعيد بن منصور»، وهو غير موجود في القسم المطبوع منه.
(٢) قصيدة مشهورة جدًا، ألفها محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (ت ٦٨٤هـ)، وتسمى «قصيدة الكواكب الدرية في مدح خير البرية»، اعتنى العلماء بتشطيرها ومعارضتها، والتعليق عليها، وأفردها غير واحدٍ بنقدٍ خاص، ولا سيما في الأمور التي تخص العقيدة، انظر أبياتًا منتقدة منها في «القول المفيد على كتاب التوحيد» (١/٨١-٨٢، ١٨٤-١٨٥، ٤٧٦)، و«مظاهر الانحرافات العقدية» (١/٤٢٨-٤٣٠)، وممن انتقدها بكتاب مفرد: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، له «هذا بيان المحجة في الرد= =على صاحب اللجة» مطبوع ضمن «مجموعة التوحيد» (الرسالة الثالثة عشرة، ص ٤٣٥-٥٤٢)، والشيخ عبد البديع صقر، وشيخنا محمد نسيب الرفاعي -﵀-، ولأبي الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري «نقد قصيدة البردة» مطبوع آخر «رفع الإشكال عن مسألة المحال» . وانظر عن هذه القصيدة: «المدائح النبوية» لزكي مبارك (ص ١٩٧-١٩٨)، «المدائح النبوية بين المعتدلين والغلاة» لمحمد بن سعد بن حسين (ص ٥٤-٧٤)، «كشف الظنون» (٢/١٣٣١-١٣٤٩)، «هدية العارفين» (٢/١٣٨) . وانظر عن نقدها -مجملًا- مقالة أخينا الشيخ السلفي محمد المغراوي المنشورة في مجلتنا «الأصالة» (العدد الخامس عشر/١٥/ذي القعدة/سنة ١٤١٥هـ) (ص ٧٥-٨٨) بعنوان (حول قصيدة البردة)، وكتابنا «شعر خالف الشرع»، يسر الله إتمامه بخير وعافية. وانظر عنها «الأدب في التراث الصوفي» لمحمد عبد المنعم خفاجي (ص ٢٥٣-٢٥٨) . وانظر عن بدعية التزام (البردة) و(الشقراطسية) أمام الجنائز، وفي حلق الذكر في: «عدة المريد الصادق» (ص ٥٥١) للشيخ زروق، وكتابنا «شعر خالف الشرع» .
[ ١٧ ]
فأين الحال من الحال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فيجب على من له عقل أن لا ينظر إلى أفعال أكثر أهل الوقت، ولا لعوائدهم، فالسعيد من نبذ هذه العوائد المبتدعة، وشد يده على أتباع السلف؛ فهم القوم لا يشقى من اتبعهم، ولا من أحبهم، (إن المحب لمن يحب مطيع)، ولقد أطال -﵀- في التشنيع على ما يقع من بعض الناس، من رفع الصوت بالذكر ونحوه أمام الجنائز ا. هـ» (١) .