وتأييدهم لها
ننشرها مرتَّبةً حسب تأريخها وورودها (٢)
١
بسم الله الرحمن الرحيم
حمدًا لوليِّه، وصلاةً وسلامًا على نبيِّه، وعلى سائر إخوانه الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (١/١٢ رقم ١٥)، والحسن بن سفيان في «الأربعين» (رقم ٩) -وعنه السِّلفي في «الأربعين البلدانية» (رقم ٤٠) - والبغوي في «شرح السنة» (١/٢١٢-٢١٣ رقم ١٠٤)، وابن بطة العكبري في «الإبانة» (١/٣٨٧-٣٨٨ رقم ٧٧٩١)، وأبو الطاهر السلفي في «معجم السفر» (ص ٣٧٥)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ١٨)، والحكيم الترمذي وأبو نصر السجزي في «الإبانة» -كما في «الجامع الكبير» (١/٩١٨) -، وأبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي في «الحجة على تاركي سلوك طريق المَحَجّة» -كما في «أربعي النووي» (رقم ٤١) - من حديث عبد الله بن عمرو رفعه. وصححه النووي في «أربعينه»، والذهبي في «الكبائر» (ص ٢١٠-٢١١ - بتحقيقي)، وتصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه، قاله ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٣٣٨-٣٣٩)، وذكر ما خلاصته: إن الحديث ضعيف لثلاث علل فيه: الأولى: ضعف نُعيم بن حماد، ومدار الحديث عليه. الثانية: الاضطراب في رواية الحديث عنه. الثالثة: الانقطاع بين عقبة بن أوس وعبد الله بن عمرو.
(٢) هذا العنوان وما يليه من الأصل.
[ ١٤٨ ]
أما بعد؛ فإنّ الله -تعالى- يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والردّ إلى الله ردّ إلى كتابه الحكيم، والردّ إلى الرسول ردٌّ إلى سنته القويمة؛ لأنه -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- مبَيّن للناس ما نزِّل إليهم من ربِّهم.
معلوم أنَّ الأمة الإسلامية لم تنل ما نالته من علم وحكمة، ومحبَّةٍ وألفة، وثروةٍ وقوةٍ، وعزّة ومَنَعة، ومُلْكٍ كبير، وعدل عامٍ، ورحمةٍ واسعة، إلا بالعمل بما أرشدها الله إليه في كتابه وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
ثم تنكّر لها وجهُ الزَّمن، واشتعلت فيها أعاصيرُ الفتن، فذاق بعضُها بأس بعض، فبدلت من بعد عزِّها ذُلًاّ، ومن بعد قوَّتها ضعفًا، ثم ضاعت مقوّماتُها ومشخصاتها الدينية والدّنيوية، فعاد تراثُها بين الأمم العادية نهبًا مقسمًا.
[ ١٤٩ ]
لو عني علماء الأمة بتنقية الدِّين من شوائب البدع والأضاليل، التي أفسدت أمر أهله، عملًا بإرشاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (١)؛ أي: مردود. «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٢)، وأخذوا في أمور الدنيا بالأنفع الأرفع، إذ مبنى الدِّين على الاتِّباع، والدُّنيا على الاقتباس والاختراع، كما لا يخفى «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها التقطها» (٣)، «من سنَّ سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها، وأجرُ مَن عَمِلَ بها إلى يوم القيامة» (٤)، لو عملوا بذلك؛ لجدَّدوا للأُمَّة ما درس من آثار سَلَفها الصَّالح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (رقم ٢٦٩٧)، ومسلم في «صحيحه» (رقم= =١٧١٨) بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .
(٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» (رقم ٧٦٧) من حديث جابر.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٤١٦٩)، وابن عدي في «الكامل» (١/٢٣٢) أو (١/٣٧٦ - ط. دار الكتب العلمية)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» (١/٦١)، وابن حبان في «المجروحين» (١/١٠٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (رقم ٥٢)، والبيهقي في «المدخل» (رقم ٤١٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/٨٨ رقم ١١٤) من حديث أبي هريرة رفعه. وإسناده ضعيف جدًا، فيه إبراهيم بن الفضل المحزومي، متروك. وضعّفه جدًا شيخنا الألباني في «تعليقه على إصلاح المساجد» (٩٩)، «ضعيف الجامع» (٤٣٠١)، «ضعيف الترمذي» (٥٠٦)، «ضعيف ابن ماجه» (٩١٢) . وانظر: «المقاصد الحسنة» (رقم ٤١٥)، «الأسرار المرفوعة» (٢٨٤)، «كشف الخفاء» (١/٤٣٥) .
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» (رقم ١٠١٧) .
[ ١٥٠ ]
إنَّ من البدع الدينيَّة التي فشتْ، ولم يكن لها أثر في صدر الإسلام: صياح الصَّائحين أمام الجنائز بالأذكار والأناشيد، وتشويشهم بذلك على متَّبِعيها إيمانًا واحتسابًا، حتى يشغل قلب السامع وعقله بما يرى وبما يسمع، ويذهل عن عبادة التّفكّر والسَّعي للآخرة، والاستعداد للقاء الله -تعالى-، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
ألّف العالمان العاملان الجليلان: الشَّيخُ كامل القصَّاب، والشَّيخُ عز الدين القسَّام -نزيلا حيفا- هذه الرسالة النّفيسة «النقد والبيان»، في بيان الحقِّ في هذه المسألة وغيرها من المسائل، التي دعاهما الفاضل (خزيران) العكِّي إلى البحث فيها، وكشف النقاب عن وجه حقيقتها، وقد أوردا من نصوص الكتاب والسُّنَّة، وكلام بعض الفقهاء الأجلاَّء مِن علماء المذاهب الأربعة، ما يؤيِّد ما ذهبا إليه، وأضافا إلى ذلك فتويين للعلامتين (الزَّنكلوني والسبكي)، فكان قولهم سديدًا، وجوابهم صحيحًا، فجزى الله المؤلِّفَيْن الفاضلين عن دينهما خيرًا، وأكثر في الأمة من أمثالهما من العلماء المنصفين المصلحين.