٧٨ - قال الْمُصَنِّف (١):
"يجب بخروج المَنِيِّ بشهوة، ولو بتفكُّر وقد دلّت على ذلك الأدلّة الصّحيحة كأحاديث: "الماء من الماء"، وأحاديث: "في المني الغُسل"، وصدْق اسم الجنابة على من كان كذلك؛ وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، والاطِّهار استيعاب جميع البدن بالغُسلِ، كذا في "المُسوّى".
ولا أَعلم في ذلك خلافًا، وإنَّما وقع الخلاف المشهور بين الصّحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وكذلك بين من بعدهم: هل يجب الغُسل بالتقاء الْخِتَانَيْن من دون خروج مَنيٍّ، أَمْ لا يجِبُ إلَّا بخروج الْمَنِيّ؟ ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: استقرّ الإجماع على وجوب الغُسل مِنِ التقاء الخِتَانَين؛ في زمَن الصّحابة، ومن نُقل عنه عدمُ الوجوب رجع إلى القول بالوجوب.
_________________
(١) (١/ ١٨٣).
[ ٨٥ ]
٧٩ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وجلستُ عند محتضر، فرأَيتُ أَن الملائكَةَ الْمُوكَلَة بالقبض؛ لها نِكَايَةٌ عجيبةٌ في المحتضرين، ففهمت أَنَّه لا بدّ من تغيير الحالة لِتَنَبُّه النَّفْس لمخالفِها".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: ما كان ينبغي للمؤَلف -﵀- نقلُ مثلِ هذا الكلام أَوْ ذِكْرُه؛ فإنَّ طريقتَه أَخذُ العلم بدليله، وهذا الكلام ضَرْبٌ من الدّعاوى بالظَّن والْخَرْص!!
٨٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وبالإسلام" وجهه: ما أخرجه أَحمدُ، والتِّرمذيُّ، والنّسائيُّ، وأَبو داود، وابنُ حِبّانَ، وابنُ خُزَيمةَ -﵏-، عن قَيس بن عاصم -﵁ -: أَنَّه أَسْلَمَ؛ فأَمّرَه النّبيُّ - ﷺ - أَنْ يغتَسل بماءٍ وَسِدْر.
وصحّحه ابن السكن -﵀-.
وأخرج أحمد، وعبد الرَّزاق، والبيهقيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان -﵏- من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أنّ ثمامة - رضي الله تعالى عنه - أسلم، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "اذهبوا به إلى حائط بني فلانٍ، فَمُرُوهُ أن يغتسل".
وأصله في "الصحيحين"، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، بل فيهما أنّه اغتسل.
قال في "الحجَّة": قال لآخر: "ألق عنك شعر الكفر"؛ وسرّه أن يتمثل عنده الخروج من شيء، أصرح ما يكون، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه -﵏ -.
_________________
(١) (١/ ١٨٨).
(٢) (١/ ١٨٨).
[ ٨٦ ]
وذهب الشَّافعي -﵀- إلى عدم الوجوب.
والحقُّ الأَوَّلُ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: والّذي يَظهر لي -مع عدم وجود آثار عن الصّحابة فيما أعلم- ترجيح القولِ الثَّاني؛ لأَوجهٍ:
الأوّل: أَن أَمرَه - ﷺ - لقيس بن عاصم للاستحباب، لا للوجوب، بدليل أَنه - ﷺ - قَرَنَ السِّدر معَ الماء، وهو لا يجب بالاتفاق، ولا يقال: إنّ هذه دلالة اقتران، فلا تصرَّف عن الوجوب؛ لأَنّ دلالة الاقتران إنَّما تكون في أَمرين منفصلين؛ قد عُطف أَحدُهما على الآخر، وأَمّا في مسأَلتنا هذه؛ فلا يُتَصوّر أَن يغتسل بالسّدر وحده، بل لا بدّ من أَن يَخلطَه بالماء.
الثَّاني: أَمَّا حديث ثُمامَة الحنفيِّ؛ فاللفظ الثابت في "الصَّحيحين": "أَنّه ذهب بنفْسه واغتسل"، ثمّ أَشهر إسلامَه، وليس فيه: "أنّه أُمرَ بالغُسْل"، فزيادة أَمرِه بالغُسْل شاذّة.
الثالث: إنّ الّذين أَسلموا في عهده - ﷺ - أَفواج، ولو أَنّ كلّ واحد منهم أُمر بأَنْ يغْتَسِل لَنُقِل إلَينا نقلًا بَيّنًا يرفع الخلاف.
فإنَّ قيل: فما الجواب على حديث: الْمُحرِمُ الّذي وَقَصَتْه راحلتُه، فأَمَره - ﷺ - أَنْ يُغَسل بماء وسِدر، وقوله - ﷺ - للاتي يَغْسِلنَ ابْنَتَه: "اغْسِلْنَها بماء وسدر"؟
قيل: الجواب من وجهين:
أَمَّا الوجْه الأوَّل: أَن أَمرَه - ﷺ - بِغُسل المَيّت؛ واجب بالإجماع.
وأَمَّا الوجه الثَّاني: فإنَّه لا يُعرف أَن النَّبيَّ - ﷺ - -أَو واحدًا من الصّحابة- اغتسل بماء وسدر -لا في غُسل واجب، ولا مستحبّ-؛ فدلّ هذا على أَنّ أَمرَه قيسَ بنَ عاصم: "أَن يغْتَسل بماء وسدر" للنّظافة على وجه الاستحباب، والله أَعلم.
[ ٨٧ ]
٨١ - قال الْمُصَنِّف (١):
"مع المضمضة والاستنشاق: فقد ثبتا في الغُسل من فعله - ﷺ -.
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وذلك بما أخرجه البُخاريّ (٢)، ومسلم (٣) من حديث ميمونة قالت: "صبَبت للنّبيّ - ﷺ - غسلًا، فأَفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثمّ غَسَل فرجَه، ثمّ قال بيده الأرَضَ فمسَحها بالتراب، ثُمَّ غَسّلها، ثمّ تمضمض واستنشق، ثمّ غسَل وجه، وأَفاض على رأسه، ثمّ تنحّى، فغَسَل قدميه، ثمّ أَتى بمنديل فلم ينفض بها".
٨٢ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"ووجه الوجوب: ما قدّمْناه في الوضوء".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: لا يوجد دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغُسْل؛ لأَنّ فرضَه المجزئ هو إفاضةُ الماء على الرأْس والبَدَن، والوضوء قَبله لا يجب، وهما جزء منه.
٨٣ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"وقد روى ابن أَبي شَيبة -﵀- عن ابن عمر - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا أَنَّه قال -لما سُئل عن الوضوء بعد الغُسْل-: "وأَيّ وُضوء أَعمُ من الغُسْل؟! ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: وأَيضًا رواه عبد الرّزاق (٦): أَخبرنا معمر عن الزُّهْري عن سالم به، وإسناده صحيح.
_________________
(١) (١/ ١٨٩).
(٢) (٢٥٩).
(٣) (٣١٧).
(٤) (١/ ١٨٩).
(٥) (١/ ١٩١).
(٦) "المصنف" (١/ ٢٧٠).
[ ٨٨ ]
٨٤ - قال الْمُصَنِّف (١):
"وروى عن حذيفة - ﵁ - أَنّه قال: "أَمَا يكفي أَحدُكم أَن يغتسل من قرْنِه إلى قدمِه حتَّى يتوضأَ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: أَخرجه ابن أَبي شيبة (٢): حدَّثنا عباد بن العوام، عن حجّاج، عن طلحةَ، عن إبراهيم، عن حذيفة، وهذا إسنادٌ ضعيف، فيه علّتان:
الأُولى: الانقطاع بين إبراهيم النّخعي وحذيفة، فإبراهيم لم يسمَعْ شيئًا
من الصّحابة.
الثَّانية: ضعف حجّاج بن أَرطأَةَ.
٨٥ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ويُشْرَعُ -أَي: الغُسْلُ- لصلاة الجُمُعَة لحديث: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل"، وهو في "الصَّحيحين"، وغيرهما من حديث ابن عمر - ﵁ -.
وقد تلقت الأمّة هذا الحديث بالقبول، ورواه عن نافعٌ -﵀- نحو ثلاث مئة نفس.
ورواه من الصّحابة غير ابن عمر؛ - ﵁ - نحو أربعة وعشرين صحابيًّا.
وقد ذهب إلى وجوبه جماعة.
قال النووي -﵀-: حُكي وجوبُه عن طائفة من السّلف -﵏-، حَكُوه عن بعض الصّحابة - ﵃ -، وبه قال
_________________
(١) (١/ ١٩١).
(٢) "المصنف" (١/ ١٣٥).
(٣) (١/ ١٩٢).
[ ٨٩ ]
أهل الظّاهر، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمّار - ﵁، ومالك، وحكاه الخطابي، عن الحسن البصري، وحكاه ابن حزم عن جمع من الصّحابة - ﵃ - ومن بعدهم.
وذهب الجمهور إلى أنّه مستحب، واستدلُّوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم بلفظ: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت؛ غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّامٍ" وبحديث سَمُرة - ﵁ -، أن النَّبيَّ - ﷺ - قال:
"من توضأ للجمعة؛ فيها ونِعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل": أخرجه أحمد، وأبو داود، والنَّسائيُّ، والترمذي -﵏-.
وفيه مقال مشهور، وهو عدم سماع الحسن -﵀- من سمرة -﵀-؛ وغير ذلك من الأحاديث، قالوا: وهي صارفة للأمر إلى الندب.
ولكنّه إذا كان ما ذكره صالحًا لصرف الأمر؛ فهو لا يصلح لِصرفِ مثل قوله - ﷺ -:
"حقّ على كلّ مسلم أن يغتسل في كلّ سبعة أيامٍ يومًا؛ يغسل فيه رأسه وجسده"؛ وهو في "الصَّحيحين" وغيرهما من حديث أَبي هريرة - ﵁ - ".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: المتأَمّل للنُّصوص يرَى أَن سبب أَمره - ﷺ - بالغُسل ليوم الجُمُعة: ما رواه البُخاريّ (١) عن عائشة، قالت: "كان النّاس ينتابون الجُمُعةَ من منازلِهم والعَوَالي، فيأْتُون في الغُبَار، فيصيبُهُمُ الغُبَارُ والعَرَق، فيخرجُ منْهُمُ العَرق، فأَتى رسولَ الله - ﷺ - إنسان منهم وهو عندي، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: "لو أَنّكم تَطَهَّرتم ليومِكم هذا"، وفي رواية: "لَوِ اغْتَسَلْتُم".
_________________
(١) (٩٠٢).
[ ٩٠ ]
ثمّ إنَّه - ﷺ - عَزَمَ عليهم، فقال -فيما رواه الشيخان- (١):
"غُسْل الجُمُعَةِ واجب على كلِّ مُحتَلِم".
فكان لأَهل العلم -نحوَ هذه النُّصوص- ثلاثة مسالك:
المسلك الأَوّل: الوجوب مطلَقًا؛ أَخذًا بظاهر حديث أَبي سعيد وابن عبَّاس.
المسلك الثَّاني: الاستحباب مطلَقًا؛ أَخذًا بظاهر حديث عائشة، وحديث الحسن، عن سمُرة.
المسلك الثالث: التفصيلُ في ذلك، وهذا الّذي أَفتى به ابنُ عبَّاس، فقد روى أَبو داود (٢) عنه -بسند حسن-، عن عكرمة: "أَن أُناسًا من أَهل العراق جاؤوا، فقالوا: يا ابن عبَّاس! أَترى الغُسلَ يومَ الجُمُعةِ واجبًا؟ قال: لا؛ ولكنّه أَطهرُ وخيرٌ لِمَنِ اغْتَسل، ومَن لم يغتسل؛ فليس عليه بواجب، وسأَخبرُكُم كيف بَدْءُ الغُسْل:
كان النَّاس مجهودين؛ يلبسون الصّوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضَيِّقًا مقارب السّقف، إنّما هو عِرّيش، فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حارٍّ، وعرِق النّاسُ في ذلك الصوف حتَّى ثارت منهم رياحٌ؛ آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلمَّا وجد رسول الله - ﷺ - تلك الرِّيحَ؛ قال: "أَيها النَّاس! إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، ولْيَمَسَّ أَحدُكم أَفضلَ ما يجد من دُهنه وطيبِه"، قال ابن عبَّاس، ثمّ جاء الله بالخير، ولبسوا غيرَ الصّوف، وَكُفُوا العَملَ، ووسِّع مسجدُهم، وذهب بعضُ الّذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العَرَق".
وروى مسلم (٣) من قصَّة معاتبة عُمَرَ لِعُثمانَ - ﵄ - وقولِه
_________________
(١) البخاري (٨٧٩)، مسلم (٨٤٦).
(٢) (٣٥٣).
(٣) (٨٤٥).
[ ٩١ ]
له: "والوضوء أَيضًا، وقد علمت أَن رسول الله - ﷺ - كان يأمُر بالغُسل".
قال الإمام الشَّافعي -فيما نقله عنه الترمذيّ: "ومِمّا يدل على أَن أَمرَ النّبي - ﷺ - بالغُسل يوم الجُمُعَة؛ أَنه على الاختيار لا على الوجوب: حديث عمر؛ حيث قال لعثمان: "والوضوء أَيضًا وقد علمت أَن رسول الله - ﷺ - أَمَرَ بالغُسل يومَ الجُمُعة"، فلو علما أَنَّ أَمرَه على الوجوب، لا على الاختيار؛ لم يتْرُك عمر عُثمانَ حتَّى يردَّه ويقول له: ارجعْ فاغتَسل، ولمَّا خفي على عثمان ذلك مع علمه، ولكن دل في هذا الحديث أَن الغُسل يوم الجمُعُة فيه فضل من غير وجوب يجب على المرء في ذلك" (١).
وفيه نُكتة عزيزة: وهو أَنَّ غُسلَ يومِ الجُمُعة مستحبٌّ بإجماع الصّحابة -بقَيْدِه-، وهذا هو اختيار أَبي العباس؛ حيث أَفتى بالاستحباب ما لم يكن به عَرَق، أَو ريحٌ تؤذي غيرَه فيجب، وفي هذا جمع بين النُّصوص، وأَخذٌ بفقه السَّلف.
وأَمَّا ما رواه مسلم (٢) عن أَبي هريرة مرفوعًا: "حقٌّ لله على كلِّ مسلم أَن يغتسل في كل سبعة أَيّام، يَغسل رأسَه وجسده".
فقد قال أَبو العبّاس: "وهذا في أَحدِ قولَي العُلماء هو غُسلٌ راتب مسنون، للنّظافة في كل أُسبوع، وإنْ لم يشهدِ الجُمُعةَ؛ بحيث يفعَلُه مَن لا جمُعَة عليه" (٣).
٨٦ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"وللعيدَين: فقد روى من فعله - ﷺ - من حديث الفاكه بن سعد - ﵁ -: أنه - ﷺ - كان يغتسل يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النّحر؛ أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبزّار، والبغوي -﵀-.
_________________
(١) "السنن" (٤٩٧).
(٢) (١٩٦٣).
(٣) "الفتاوى" (٢١/ ٣٠٧).
(٤) (١/ ١٩٤).
[ ٩٢ ]
وأخرج نحوه ابن ماجه -﵀- من حديث ابن عباس - ﵁ -.
وأخرجه البزّار -﵀- من حديث أبي رافع - ﵁ -.
وفي أسانيدها ضعف، ولكنّه يقوّي بعضها بعضًا، ويقوي ذلك آثار عنْ الصّحابة - ﵃ - جيدة".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: صحّ عن ابن عمر أَنَّه: "كان يغتسل يوم الفطر قبل أَنْ يغدوَ إلى المُصلّى"، رواه مالك (١) عن نافع، عن ابن عمر.
وكذا صحّ عن عليّ: أَنّه سأَلَه رجل عن الغُسل؟ فقال: اغتسل كلِّ يوم إنْ شئت، فقال: لا؛ الغُسل الّذي هو الغُسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النّحر، ويوم الفطر" (٢).
٨٧ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ولِمَنْ غَسّل ميتًا؛ وجهه: ما أخرجه أحمد، وأهل "السنن" -﵏- من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "من غسَّل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"، وقد روي من طرف، وأُعِلَّ بالوقف، وبأن في إسناده صالحًا -مولى التوأمة -﵀-.
ولكنه قد حسّنه التِّرمذيُّ -﵀-، وصحّحه ابن القطان -﵀-، وابن حزم.
وقد رُوي من غير طريق.
قال الحافظ ابن حجر -﵀-: هو -لكثرة طرقه- أسوأ أحواله أن يكون حسنًا فإنكار النووي -﵀- على التِّرمذيِّ -﵀- تحسينَهُ مُعْتَرضٌ.
_________________
(١) "الموطأ" (١/ ١٧٧).
(٢) "السنن الكبرى" للبيهقي (٣/ ٢٧٨)، والشّافعيّ في "المسند" (١/ ١١٨) وفي "الأم" (١/ ٣٨٥) وابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ٢٥٦ / ٢١١٢). من طريق: شعبة، عن عمرو بن مرَّة، سمعتُ زاذان يقول: عن عليّ .. فذكره. وإسناده حسن.
(٣) (١/ ١٩٦).
[ ٩٣ ]
وقال الذهبي -﵀-: هو أقوى من عدّة أحاديث احتجّ بها الفقهاء -﵏-.
وذكر الماوردي -﵀- أن بعض أصحاب الحديث -﵏- خرَّج لهذا الحديث مئة وعشرين طريقًا.
وقد روي نحوه عن عليّ - ﵁ - عند أحمد، وأبي داود، والنَّسائي، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزَّار، والبيهقيّ -﵏-، وعن حذيفة - ﵁ - عند البيهقي -﵀-.
قال ابن أبي حاتم -والدَّارقطنيُّ، رحمهما الله-: لا يثبت.
وعن عائشة - ﵂ - من فعله - ﷺ - عند أحمد، وأبي داود، -رحمهما الله-.
وقد ذهب إلى الوجوب: عليّ، وأَبو هريرة - ﵄ - والإمامية".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: أَمَّا أَثر عليّ؛ فقد رواه البيهقي (١): أَخبرنا أَبو عبد الله الحافظُ، وأَبو بكرٍ بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أَبو العبّاس محمد بن يعقوب: ثنا محمّد بن إسحاق: ثنا عليّ بن معبد: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن عليّ أَنه قال: "مَن غَسّل ميتًا؛ فليغتَسلْ"، قال البيهقيّ: وروي عن عليّ من قوله وليس بالقوي.
وأَمَّا أَثر أَبو هريرة؛ فقد رواه البيهقي (٢)، وفي "المعرفة" (٣) من طرق، عن إسحاقَ مولى زائدَةَ، عن أَبي هريرة:
"مَنْ غَسّل ميتًا؛ فليغتسل، ومن حَمَلَه فليتوضأْ".
_________________
(١) "السنن الكبرى" (١/ ٣٠٥).
(٢) "السنن الكبرى" (١/ ٣٠١).
(٣) "معرفة السنن والآثار" (٢/ ١٣٤).
[ ٩٤ ]
قال البيهقي: "وقال في غير هذه الرّواية: وإنَّما لم يَقْوَ عندي أن يرويَ عن سهيل، عن أَبي صالح، عن أَبي هريرة، ويُدخل بعضُ الحفَّاظ بين أَبي صالح وبين أَبي هريرة إسحاقَ مولى زائدة، فدل أَن أَبا صالح لم يسْمَعْه من أَبي هريرة، وليست معرفتي بإسحاق مولى زائدة مثل معرفتي بأبي صالح، ولعلّه أَنْ يكون ثقة ، قال أَبو داود: سمعت أَحمد بن حنبل وسئل عن الغُسل مِن غَسْل المَيت؟ فقال: يجزئُه الوضوء، أَدخل أَبو صالح بينه وبين أَبي هريرة في هذا -يعني: إسحاق مولى زائدة-، قال: وحديث مصعب ضعيف، وهو مع جهالته مختلف في إسناده، فقيل عنه هكذا،
وقيل: عنه، عن أَبي سعيد.
وقيل: عن يَحْيَى بن أَبي كثير، عن إسحاق، عن أبي هريرة.
وقيل: عن يَحْيَى بن أَبي إسحاق، عن أَبي هريرة.
وقيل: عن يَحْيَى، عن رجل من بني ليث، عن أَبي إسحاق، عن أَبي هريرة.
وقيل: عن معمر عن أَبي إسحاق، عن أَبيه، عن حذيفة.
وكل ذلك ضعيف.
وروي عن محمد بن عمر، وعن أَبي سلمة، عن أَبي هريرة مرفوعًا، وروي عنه بإسناده موقوفًا، والموقوف أصحُّ.
ورواه زُهير بن محمد، وليس بالقوي عن العلاء، عن أَبي هريرة مرفوعًا.
ورواه عمرو بن عمير، عن أَبي هريرة مرفوعًا، وعمرو بن عمير غير مشهور.
ورواه صالح مولى التوأَمة، عن أَبي هريرة مرفوعًا، وصالح مولى التوأَمة اختلط في آخر عمُرِه، وسقط عن حدّ الاحتجاج بروايته، وإنَّما يصحُّ هذا الحديث عن أَبي هريرة موقوفًا" (١).
_________________
(١) "معرفة السنن والآثار" (٢/ ١٣٣ - ١٣٥).
[ ٩٥ ]
وقد روي عن ابن عباس في غَسْل الميت، قال: "يكفي منه الوضوء"، أَخرجه مُسدد (١): حدَّثنا يَحْيَى عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس به.
وكذلك عن ابن عمر، قال: "كنَّا نَغسل الميت، فمنّا مَن يغتسلُ، ومنّا من لا يغتسل" (٢)، قال: حدَّثنا ابن صاعد: ثنا محمّد بن عبد الله المخرميّ: ثنا أَبو هشام المغيرة بن سلمة المخزومي: ثنا وهيب: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به.
- قال الحافظ: "إسناده صحيح" (٣).
أَمَّا استحباب الوضوء من غَسْل الميت؛ فمتوَجِّه؛ لثُبوت الأَثر عن ابن عبَّاس.
٨٨ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"وللإحرام؛ لحديث زيد بن ثابت - ﵁ -: أنّه رأى النَّبيّ - ﷺ - تجرَّد لإهلاله واغتسل؛ أخرجه التِّرمذيُّ، والدَّارقطنيُّ، والبيهقيّ، والطبرانيّ، -وحسّنه التِّرمذيُّ-، وضعَّفه العُقيلي -﵏-.
ولعل وجه التضعيف كونُ عبد الله بن يعقوب المدني في إسناده.
قال ابن الملقن في "شرح المنهاج": لعلّ التِّرمذيَّ -﵀- حسَّنه لأنَّه عرف عبد الله بن يعقوب؛ أي: عرف حاله.
وفي الباب عن عائشة - ﵂ - عند أحمد -﵀-، وعن أسماء - ﵂ -، عند مسلم -﵀-.
وقد ذهب إلى استحباب غُسل الإحرام الجمهور".
_________________
(١) "المطالب العالية" لابن حجر (١/ ٣١٩). [وإسناده ضعيف].
(٢) أَخرجه الدّارقطنيّ في (٢/ ٧٢).
(٣) "التلخيص" (١/ ٢٣٩).
(٤) (١/ ١٩٧).
[ ٩٦ ]
قال الفقير إلى عفو ربِّه: ثبت عند الدّارقطنيّ (١) والحاكم (٢) عن ابن عمر، قال: "إن مِنَ السُّنة أَن يغتسل إذا أراد أَن يحرم، وإذا أراد أَن يدخل مكّة"، قال الدّارقطنيّ: حدَّثنا إبراهيم بن حمّاد: ثنا أَبو موسى: ثنا سهل بن يوسف: ثنا حميد عن بكر، عن ابن عمر به.
وقد أَمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - أَسماء بنتَ عُميس حينما ولدت محمّدًا بذي الحليفة، قال: "اغتسلي واستثفرِي بثوب وأَحرمي" (٣).
ومِنَ المعلوم أَن هذا الغُسل إنَّما هو للإحرام؛ لأَنَّها ممنوعة من الصَّلاة والطّواف حتَّى تطهُرَ، دل على ذلك قولُه - ﷺ -: "وأحرمي".
* * *