١٧٣ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"قال في المسوى: "اتفقت الأمة على فرضية الجمعة، وأكثرهم على أنها من فروض الأعيان، واتفقوا على أنه لا جمعة في العوالي، وأنه يشترط لها الجماعة، وأن الوالي إن حضر فهو الإمام، ثم اختلفوا في الوالي، وشرط الموضع، والجماعة.
قال الشّافعي: كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلًا أحرارًا مقيمين؛ تجب
_________________
(١) (١/ ٣٥٧).
(٢) (١/ ٣٦١).
[ ١٨٥ ]
عليهم الجمعة، ولا تنعقد إلا بأربعين رجلًا كذلك، والوالي ليس بشرط.
وقال أبو حنيفة: لا جمع إلا في مصر جامع أو في فنائه، وتنعقد بأربعة، والوالي شرط.
وقال مالك: إذا كان جماعةٌ في قرية، بيوتها متصلة وفيها سوق ومسجد يُجَمع فيه؛ وجبت عليهم الجمعة.
وفي "مختصر ابن الحاجب": لا تجزئ الأربعة ونحوها، ولا بدّ من قوم تتقرى بهم القرية، ولا يشترط السلطان على الأصح.
قال في "العالمكيرية": القروي إذا دخل المصر، ونوى أن يخرج في يومه ذلك قبل دخول الوقت، أو بعد دخوله؛ لا جمعة عليه انتهى".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال شيخ الإسلامِ: "كل قوم كانوا مستوطنين، ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا، تقام فيه الجمعة، إذا كان مبنيًّا بما جرت به عادتهم: من مدر، أو خشب، أو قصب، أو جريد، أو سعف، أو غير ذلك؛ فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر، وينتقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء، والإمام أحمد علّل سقوطها عن البادية لأنّهم ينتقلون" (١).
وما قرره -﵀- هو الذي أفتى به الصحابة -﵃- والتابعون:
١ - فقد روى عبد الرزاق (٢) عن الثوري، عن زبيد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن على، قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع".
_________________
(١) "الأحكام" للعلَّامة عبد الرحمن بن قاسم (١/ ٤٤٥).
(٢) "المصنف" (٣/ ١٦٨).
[ ١٨٦ ]
٢ - وروى ابن أبي شيبة (١) عن عباد بن العوام، عن عمر بن عامر، عن حماد، عن إبراهيم، عن حذيفة، قال: "ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمع على أهل الأمصار مثل المدائن".
٣ - وروى أيضًا (٢)، عن وكيع، عن جعفر بن برقان، قال: "كتب عمر بن عبد العزيز، إلى عدي بن عدي: أيّما أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون، فأمر عليهم أميرًا يجمع بهم".
٤ - وروى عبد الرزاق (٣) عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أنه أمر أهل قبا، وأهل ذي الحليفة، وأهل القرى الصغار حوله أن لا تجمعوا وأن تشهدوا الجمعة بالمدينة".
١٧٤ - قال الْمُصَنِّف (٤):
"فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة، وإن تركا الخطبة فهي سُنةٌ فقط".
قال الفقير إلى عفو ربه: وهذا خلاف ما جرى عليه عمل السلف وما أجمع عليه التابعون من أصحاب صحابة رسول الله - ﷺ -:
١ - فقد روى ابن أبي شيبة (٥): حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد: "أن أميرًا بالبحرين اشتكى، فأمر رجلًا فصلى بالناس فلم يخطب فصلى أربعًا، قال محمد: فأصاب السنة".
٢ - وروى أيضًا (٦): حدثنا علي بن مسهر، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: "إذا لم يخطب الإمام صلى أربعًا".
_________________
(١) "المصنف" (١/ ٤٣٩).
(٢) "المصنف" (١/ ٤٤٠).
(٣) "المصنف" (٣/ ١٦٩).
(٤) (١/ ٣٦٣).
(٥) "المصنف" (١/ ٤٥٥).
(٦) "المصنف" (١/ ٤٥٥).
[ ١٨٧ ]
٣ - وروى أيضًا (١): حدثنا عبد الأعلى عن يونس، عن الحسن قال: "الإمام إذا لم يخطب صلى أربعًا".
٤ - وروى أيضًا (٢): حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع، قال: سمعت ابن طاوس يذكر ذلك عن أبي قال: "من خطب فليصل ركعتين، ومن لم يخطب فليصل أربعًا".
٥ - وروى أيضًا (٣): حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، قال: "كان يصلي أربعًا".
٦ - وروى أيضًا (٤): حدثنا وكيع عن سفيان عن الزبير بن عدي عن الضحاك قال: "يصلي أربعًا".
٧ - وروى أيضًا (٥): حدثنا عبد الأعلى عن برد، عن مكحول: "أنه انطلق حاجًّا فقدم تبوك في يوم الجمعة، فصلى إمامهم ركعتين ولم يخطب، فقال مكحول: قاتل الله هذا الذي نقص صلاة القوم ولم يخطب، وإنما قصرت صلاة الجمعة من أجل الخطبة".
٨ - وروى عبد الرزاق (٦) عن ابن جريج عن عطاء: "أنه كره لإمام قرية غير جامعة أن يخطب ثم يصلي أربعًا، قال: كان عطاء إذا لم يخطب الإمام يوم الجمعة صلى أربعًا".
٩ - وروى البيهقي (٧): حدثنا أبو حازم الحافظ: أنبأ أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أنبأ أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن الضبي: ثنا القاسم وهو ابن عبد الله بن مهدي أبو الطاهر بمصر: ثنا عمي -يعني:
_________________
(١) "المصنف" (١/ ٤٥٦).
(٢) "المصنف" (١/ ٤٥٦).
(٣) "المصنف" (١/ ٤٥٦).
(٤) "المصنف" (١/ ٤٥٦).
(٥) "المصنف" (١/ ٤٥٦).
(٦) "المصنف" (٣/ ١٧١).
(٧) "السنن الكبرى" (٣/ ١٩٦).
[ ١٨٨ ]
محمد بن مهدي-: ثنا يزيد -يعني ابن يونس بن يزيد الأيلي-، عن أبيه يونس، عن الزهري، قال: "بلغنا أن أول ما جمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله - ﷺ - فجمع بالمسلمين مصعب بن عمير، قال: وبلغنا أنه لا جمعة إلَّا بخطبة فمن لم يخطب صلى أربعًا".
١٧٥ - قال الْمُصَنف (١):
"ولولا حديث طارق بن شهاب -المذكور قريبًا- من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إقامتها في زمنه - ﷺ - في غير جماعة: لكان فعلها فرادى مجزئًا كغيرها من الصلوات.
وأما ما يروى من: "أربعة إلى الولاة ": فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة، ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة، حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله، وإنما هو من كلام الحسن البصري.
ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله -تعالى- عليهم في الأسبوع، وجَعَلَها شعارًا من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجمعة؛ من الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائغة، والاجتهادات الداحضة: قضى من ذلك العجب.
فقائل يقول: الخطبة كركعتين، وإن من فاتته لم تصح جمعته؛ وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله - ﷺ - من طرق متعددة يقوي بعضها بعضًا، ويشدّ بعضها من عضد بعض، أن: "من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة؛ فليضف إليها أُخرى، وقد تمت صلاته"، ولا يبلغه غير هذا الحديث من الأدلة.
وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاث مع الإمام!
وقائل يقول: بأربعة!
وقائل يقول: بسبعة!
_________________
(١) (١/ ٣٦٣).
[ ١٨٩ ]
وقائل يقول: بتسعة!
وقائل يقول: باثني عشر!
وقائل يقول: بعشرين!
وقائل يقول: بثلاثين!
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين!
وقائل يقول: بخمسين!
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بسبعين!
وقائل يقول: فيما بين ذلك!
وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد!
وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع!
وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف!
وآخر قال: أن يكون فيه جامع وحمّام!
وآخر قال: أن يكون فيه كذا وكذا!
وآخر قال: إنها لا تجب إلا مع الإمام الأعظم، فإن لم يوجد، أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه؛ لم تجب الجمعة ولم تشرع.
ونحو هذه الأقوال، التي ليس عليها آثارة من علم، ولا يوجد في كتاب الله -تعالى- ولا في سنة رسول الله - ﷺ - حرف واحد يدل على ما ادَّعَوْه من كون هذه الأمور المذكورة شروطًا لصحة الجمعة أنْ فرضًا من فرائضها، أو ركنًا من أركانها".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال حافظ عصره الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵏-: "هو حديث ساقط لا يحتج به لأنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن وهو ضعيف، قال البيهقي: هذا حديث لا يحتج به ثم لو صح فليس حجة، ويقال:
[ ١٩٠ ]
اشتراط الأربعين العقلاء الحاضرين الذكور الأحرار تحكم بالرأي بلا دليل وإسقاط للجمعة عمن دون الأربعين، وقد ثبت وجوب الجمعة بعموم الآية والأحاديث والإجماع على كل أحد فمن أراد إخراج أحد عن وجوبها فعليه الدليل، واتفق المسلمون على اشتراط الجماعة لها.
واختلفوا في العدد المشترط لها، وذكر الأقوال، ثم قال: "ونص أحمد على أنها تنعقد بثلاثة، اثنان يستمعان وواحد يخطب، اختاره شيخ الإسلام"، وقال الشيخ سليمان: "وهذا القول أقوى وهو كما قال شرعًا ولغة وعرفًا لقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ وهذا صيغة جمع، أقل الجمع ثلاثة، وفي الحديث: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم" فأمرهم بالإمامة وهو عام في إمامة الصلوات كلها الجمعة والجماعة، ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة، ولا دليل على إسقاطها عنهم، وإسقاطها عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح" (١).
١٧٦ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"إلا في مشروعيّة الخطبتين قبلَها: لأن رسول الله - ﷺ - سن في الجمعة خطبتين يجلس بينهما، وما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا وخطب فيها.
إنّما دعوى الوجوب إن كانت بمجرد فعله المستمر: فهذا لا يناسب ما تقرر في الأصول، ولا يوافق تصرفات الفحول، وسائر أهل المذهب المنقول، وأمّا الأمر بالسعي إلى ذكر الله: فغايته أن السعي واجب، وإذا كان هذا الأمر مجملًا فبيانه واجب، فما كان متضمنًا لبيان نفس السعي إلى الذكر: يكون واجبًا، فأين وجوب الخطبة؟
فإن قيل: إنّه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى؛ فيقال:
_________________
(١) "الإحكام" للعلامة عبد الرحمن بن قاسم (١/ ٤٤٣).
(٢) (١/ ٣٦٧).
[ ١٩١ ]
ليس السعي لمجرد الخطبة، بل وإليها وإلى الصلاة، ومعظم ما وجب السعي لأجله هو الصلاة فلا تتم هذه الأولوية".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الألباني -﵀-: "قلت: في هذا الكلام شيء من التناقض، والبعد عن الصواب لا بد من بيانة فأقول: ذكر في أول البحث: "أن الله أمر بالسعي إلى ذكر الله والخطبة هي من ذكر الله"، إذا لم تكن هي المرادة بالذكر.
قلت: فإذا كان كذلك، فقد ثبت الأمر بها في كتاب الله، فأغنى ذلك عن وروده في السنّة، وثبوت الأمر بالسعي إليها يتضمن الأمر بها من باب أولى؛ لأن السعي وسيلة إليها فإذا وجبت الوسيلة، وجب المتوسل إليه بالأحرى.
وهذا الدليل مما استدل به المصنف نفسه على وجوب صلاة العيدين، فقد صح أن النَّبي - ﷺ - أمر بالخروج إلى صلاة العيد، فقال المؤلف (): "والأمر بالخروج يستلزم الأمر بالصلاة لمن لا عذر له بفحوى الخطاب، لأن الخروج وسيلة إليها، ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه".
قلت: فلماذا لا يقال مثل هذا في الأمر بالسعي على ما بينا؛ وكأن المؤلف -﵀- تنبه لهذا المعنى الذي أوردنا في كتابه "الروضة" ولذلك أورد هو على نفسه سؤالًا يشعر بذلك فقال (): "فإن قيل: إنه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى، فيقال: ليس السّعي لمجرد الخطبة، بل إليها وإلى الصلاة، ومعظم ما وجب السعي لأجله هو الصلاة، فلا تتم هذه الأولوية".
قلت: وهذا مع كونه مخالفًا لما مال إليه في أول المسألة من أن الخطبة هي المرادة بذكر الله، فإنه لا ينفي أنها مرادة به، ولو بدرجة دون درجة الصلاة، وعليه فالأمر بالسعي إلى الذكر لا يزال شاملًا للخطبة، وإذا كان الأمر كذلك فيرد ما ذكره أنه إذا وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى، ويضعف الجواب الذي ذكره -إن شاء الله تعالى- على أن هناك طريقة أخرى لإثبات وجوب الخطبة: وهي استحضار أن فعل النبي - ﷺ - لا
[ ١٩٢ ]
سيما الذي استمر عليه إذا كان صدر بيانًا لأمر قرآني أو نبوي، فهو دليل على وجوب هذا الفعل، وهذا النوع من الاستدلال مقرر في علم الأصول معروف عند العلماء الفحول، ومنهم المؤلف نفسه -رحمه الله تعالى-، فقد استدل بهذا الدليل ذاته على وجوب مسألة أُخرى تتعلق ببعض صفات الخطبة لا الخطبة نفسها! فقال بعد أن ذكر أنّ النبي - ﷺ - كان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام إلخ ما يأتي في آخر المسألة التالية (٥٧):
"وظاهر محافظته على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك، لأن فعله - ﷺ - بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال - ﷺ -: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
قلت: أفلا يدل هذا الدليل بعينه على وجوب الخطبة نفسها؟ بلى، بل هو به أولى وأحرى، كما لا يخفى على أولي النهي" (١).
١٧٧ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وهذا النزاع في نفس الوجوب، وأما في كون الخطبة شرطًا للصلاة؛ فعدم وجود دليل يدل عليه لا يخفى على عارف؛ فإن شأن الشرطية أن يؤثر عدمها في عدم المشروط، فهل من دليل يدل على أن عدم الخطبة يؤثر في عدم الصلاة؟ ".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذه أحد أكبر عيوب مذهب أهل الظّاهر، فإنّهم أرادوا نبذ التقليد فوقعوا في أمر أعظم منه: وهو إهدار أقوال الصحابة وفهمهم لهذا الدين الذين تلقوه من نبيهم - ﷺ -.
ولذلك تجد أئمة الإسلام الذين عنوا بتحقيق العلم كابن المنذر، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، وأمثالهم، قد وفقوا لما لم يوفق له أهل الرأي وأهل الطاهر، والله المستعان.
_________________
(١) "الأجوبة النافعة" (٥٢).
(٢) (١/ ٣٦٨).
[ ١٩٣ ]
١٧٨ - قال المصنف (١):
"وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله، أو قراءة شيء من القرآن: فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتّفقا مثل ذلك في خطبته - ﷺ - لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم".
قال الفقير إلى عفو ربه: دلت السنة الصحيحة على بطلان الخطبة التي ليس فيها حمد وثناء على الله وتشهد، وذلك فيما رواه الإمام أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، وقال: "حديث حسن صحيح غريب" -من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - "الخطبة التي ليس فيها شهادة- وفي رواية: تشهد- كاليد الجذماء".
ومن المقطوع به في خطبه - ﷺ - أنه كان يسبق الشهادة بالحمد والثناء على الله، ولذا أوجب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "حمد الله والثناء عليه والشهادتين والموعظة في الخطبة" (٥).
ودليل الموعظة ما رواه مسلم (٦) من حديث جابر بن سمرة قال: "كان للنبي - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس" وفيه دليل أيضًا: أنهما خطبتان يفصل بينهما بجلوس.
١٧٩ - قال الْمصَنِّف (٧):
"ووقتها وقت الطهر: لكونها بدلًا عنه، وقد ورد ما يدلّ على أنها تجزئ قبل الزوال كما في حديث أنس: أنه كان - ﷺ - يصلي الجمعة، ثم يرجعون إلى القائلة يقيلون، وهو في "الصحيح".
_________________
(١) "المسند" (١/ ٣٦٨).
(٢) (٢/ ٣٠٢).
(٣) "السنن" (٤٨٤١).
(٤) "السنن" (١١٠٦).
(٥) "الإحكام" (١/ ٤٤٨).
(٦) (٨٦٢).
(٧) (١/ ٣٦٩).
[ ١٩٤ ]
ومثله من حديث سهل بن سعد في "الصحيحين".
وثبت في "الصحيح" من حديث جابر: أن النبي - ﷺ - كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيُريحونها حين تزول الشمس.
وهذا فيه التصريح بأنهم صفوها قبل زوال الشمس، وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وهو الحق".
قال الفقير إلى عفو ربه: وبه جاءت الآثار الثابتة عن الصحابة:
١ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره" رواه ابن أبي شيبة (١) وإسناده صحيح.
٢ - عن عبد الله بن سلمة قال: "صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: "خشيت عليكم الحر" رواه ابن أبي شيبة (٢) بإسناد صحيح.
٣ - عن سعيد بن سويد قال: "صلى بنا معاوية الجمعة ضحى" رواه ابن أبي شيبة (٣) بإسناد حسن.
٤ - عن بلال العبسي: "أن عمار بن ياسر صلى بالناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزل"، ابن أبي شيبة (٤) بإسناد صحيح.
١٨٠ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"أقول: وحاصل ما يستفاد من الأدلة: أنَّ الكلام منهي عنه حال
_________________
(١) "المصنف" (١/ ٢٠٦).
(٢) "المصنف" (١/ ٢٠٧).
(٣) "المصنف" (١/ ٢٠٧).
(٤) (٢/ ٢٠٦).
(٥) (١/ ٣٧١).
[ ١٩٥ ]
الخطبة نهيًا عامًّا، وقد خصص هذا النهي بما يقع من الكلام في صلاة التحية، من قراءة وتسبيح وتشهد ودعاء، والأحاديث المخصصة لمثل ما ذكر صحيحة، فلا محيص لمن دخل المسجد حال الخطبة من صلاة ركعتي التحية، وإن أراد القيام بهذه السنة المؤكدة".
قال الفقير إلى عفو ربه: بل هو لازم له، لا خيار له في ذلك لحديث سليك الغطفاني.
١٨١ - قال الْمُصَنِّف (١):
"قال في "المسوى شرح الموطأ": "الأصح أن هذه الساعات ساعات لطيفة بعد الزوال، لا الساعات التي يدور عليها حساب الليل والنهار".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذا خلاف الظاهر من الحديث.
١٨٢ - قال الْمصَنِّف (٢):
"ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها: لحديث: "من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة؛ فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته".
فهذا -وإن كان فيه مقال- غايته الإعلال بالإرسال، فقد ثبت رفعه من طريق جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، فإنه روي عنه من ثلاث عشرة طريقًا، ومن ثلاث طرق، عن ابن عمر، وبعضها يؤيد بعضًا، فهي لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره.
وقد أخرجه الحاكم من ثلاث طرق عن أبي هريرة، وقال فيها: "على شرط الشيخين" (٣).
قال الفقير إلى عفو ربه: وبه أفتى عدد من الصحابة:
_________________
(١) (١/ ٣٧٤).
(٢) (١/ ٣٧٦).
(٣) (١/ ٣٧٦).
[ ١٩٦ ]
١ - فقد روى عبد الرزاق (١)، عن معمر عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة، صلَّى إليها أخرى، وإن وجدهم جلوسًا صلى أربعًا".
٢ - وروى ابن أَبي شيبة (٢)، قال: حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن أَنس، قال: "إن أَدركهم جلوسًا صلى أَربعًا".
٣ - وروى عبد الرزاق (٣)، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: "من أدرك الركعة فقد أدرك الجمعة، ومن لم يدرك الركعة فليصل أربعًا".
١٨٣ - قال الْمصنف (٤):
"فالعجب من أن يؤثر على هذا كله قول عمر بن الخطاب".
قال الفقير إلى عفو ربِّه: يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة (٥) من طريق هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثت عن عمر بن الخطاب أنه قال: "إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين، فإن لم يدرك الخطبة فليصل أربعًا".
ورواه من طريق آخر (٦) فقال: حدثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن عمر بن الخطاب، قال: "كانت الجمعة أربعًا، فجعلت ركعتين من أجل الخطبة، فمن فاتته الخطبة فليصل أربعًا"، رواه أيضًا من هذا الطريق عبد الرزاق (٧).
_________________
(١) "المصنف" (٣/ ٢٣٥).
(٢) "المصنف" (٢/ ١٣٠).
(٣) "المصنف" (٣/ ٢٣٥).
(٤) "المصنف" (١/ ٣٧٦).
(٥) "المصنف" (٢/ ١٢٨).
(٦) "المصنف" (٢/ ١٢٨).
(٧) (٣/ ٣٧).
[ ١٩٧ ]
وكلا الطريقين منقطع لا يثبت عن عمر - ﵁ -، فالعجب من حَمْل المصنف على عمر - ﵁ - ومن يعظمون أقوال الصحابة -رضوان الله عليهم-، فهو -﵀- جانب الصواب من وجهين:
الأول: وقوعه في التقليد المذموم حيث قلد غيره في نسبة هذا القول إلى عمر - ﵁ -، وأنت كما ترى؛ فإنه لم يصح عنه.
الثاني: أن الشوكاني -شيخَه- أخطأ في مسائل عديدة ولم نر شدّته عليه، كما هو حاله مع صحابة رسول الله - ﷺ - والله يغفر له.
١٨٤ - قال الْمصَنِّف (١):
"وهي في يوم العيد رخصة: لحديث زيد بن أرقم، أن النبي - ﷺ - صلى العيد في يوم جمعة، ثم رخص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يجمع فليجمع"؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم، وصححه علي بن المديني.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة؛ وإنا مجمعون"؛ وقد أُعل بالإرسال، وفي إسناده أيضًا بقية بن الوليد.
وفي الباب أحاديث عن ابن عباس، وابن الزبير وغيرهما.
وظاهر أحاديث الترخيص يشمل من صلى العيد ومن لم يصل".
قال الفقير إلى عفو ربه: لكن لا بدّ من صلاة الظهر إن لم يصل الجمعة عملًا بالأصل.
_________________
(١) (١/ ٣٧٨).
[ ١٩٨ ]
١٨٥ - قال الْمصَنف (١):
"وأما قوله - ﷺ -: "ونحن مجمعون": فغاية ما فيه أنّه أخبرهم بأنه سيأخذ بالعزيمة، وأخْذه بها لا يدل على أن لا رخصة في حقه، وحق من تقوم بهم الجمعة؛ وقد تركها ابن الزبير في أيام خلافته -كما تقدم- ولم ينكر عليه الصحابة ذلك".
قال الفقير إلى عفو ربه: تبين من قوله -﵀-: "ولم ينكر عليه الصحابة ذلك أن هذا المنهج في تقرير المسائل والأحكام لا غنى للعالم المحقق عنه، خلافًا لما تقدم عن المصنف -﵀- قبل أسطر!!
* * *