١١٥ - قال الْمصَنِّف (٢):
"وأما أذان المرأة لنفسها، أو لمن يحضر عندها من النساء، مع عدم رفع الصوت رفعًا بالغًا فلا مانع من ذلك، بل الطاهر أن النساء ممن يدخل في الخطاب بالأذان".
قال الفقير إلى عفو ربه: ولم يسمع في أيام النبوة ولا في الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم أنه وقع التأذين المشروع -الذي هو إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة- من امرأة قط، هذا ما قرره -﵀- قبل أسطر، فإذا كان الأذان عبادة شرعية، مبناها على التوقيف فكيف يقال إنه يشرع للمرأة أن تؤذن بين النساء؟
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ١٩٥ - ١٩٦).
(٢) (١/ ٢٤٤).
[ ١٢٨ ]
ومما ورد في هذا الباب من آثار:
١ - ابن عمر، قال: "ليس على النساء أذان ولا إقامة" أخرجه البيهقي (١): أخبرنا أبو زكريا المزكى، وأبو بكر بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا بحر بن نصر قال: قرئ على ابن وهب، أخبرك عبد الله بن عمير عن نافع عن ابن عمر به، وهذا سند صحيح.
وأما ما رواه البيهقي (٢) عن عائشة: "أنّها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقوم وسطهن" ففي إسناده: الليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
فإن صح فإنه يحمل على أنها كانت تأمر من يؤذن من الرجال على ما جاء في أبي داود (٣) عن أم ورقة -وهو حسن إن شاء الله-.
١١٦ - قال الْمُصَنف (٤):
"لأن ما هو مرفوع في ذلك لم يصح، وما هو موقوف على صحابي أو تابعي لا تقوم به الحجة".
قلت: - تقدم التنبيه على خطأ المؤلف في هذا.
١١٧ - قال الْمُصَنِّف (٥):
"وقد ورد حديث يدل على اشتراط كون المؤذن متوضئًا أخرجه الترمذي بلفظ: "لا يؤذن إلا متوضئ" وقد أعل بالانقطاع والإرسال".
قال الفقير إلى عفو ربه: فقد أخرجه الترمذي (٦): حدثنا علي بن
_________________
(١) "السنن الكبرى" (١/ ٤٠٨).
(٢) "السنن الكبرى" (١/ ٤٠٨).
(٣) "السنن" (٥٩١).
(٤) (١/ ٢٤٥).
(٥) (١/ ٢٤٥).
(٦) "السنن" (٢٠٠).
[ ١٢٩ ]
حجر: حدثنا الوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن أبي هريرة مرفوعًا.
أما وجه الانقطاع: فبين الزهري وبين أبي هريرة، قال الترمذي: "والزهري لم يسمع من أبي هريرة"، أما وجه إرساله:
فقد رواه البيهقي (١) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - به.
ثم قال: "هكذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، والصحيح رواية يونس بن يزيد الأيلي وغيره عن الزهري قال: قال أبو هريرة: "لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ".
ثم رواه من طريق: الحارث بن عتبة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: "حق وسُنة مسنونة: أن لا يؤذن إلّا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم".
ثم قال "عبد الجبار بن وائل عن أبيه مرسل".
١١٨ - قال الْمصَنِّف (٢):
"ويشهد له حديث: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهر" أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذا على طريقة الاستدلال بالمجمل.
١١٩ - قال الْمصَنِّف (٣):
"وألفاظ الأذان قد ثبتت في أحاديث كثيرة، وفي بعضها اختلاف بزيادة ونقص، وقد تقرر أن العمل على الزيادة التي لا تنافي المزيد، فما ثبت من
_________________
(١) "السنن الكبرى" (١/ ٣٩٧).
(٢) (١/ ٢٤٥).
(٣) (١/ ٢٤٦).
[ ١٣٠ ]
وجه صحيح مما فيه زيادة تعين قَبُوله، كتربيع الأذان وترجيع الشهادتين، ولا تطرح الزيادة إذا كانت أدلة الأصل أقوى منها؛ لأته لا تَعارُض حتى يصار إلى الترجيح، كما وقع لكثير من أهل العلم في هذا الباب وغيره من الأبواب، بل الجمع ممكن بضم الزيادة إلى الأصل، وهو مقدّم على الترجيح، وقد وقع الإجماع على قبول الزيادة التي لم تكن منافية كما تقرر في الأصول، وأدلة إفراد الإقامة أقوى من أدلة تشفيعها، ولكن التشفيع مشتمل على زيادة خارجة من مخرج صالح للاعتبار، فكان العمل على أدلة التشفيع متعينًا".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال شيخ الإسلام -﵀-: "واختلاف التنوع على وجوه: منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حق مشروع، كما في القراءات اثتي اختلف فيها الصحابة حتى زجرهم رسول الله - ﷺ - عن الاختلاف وقال: "كلاكما محسن".
ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك ممّا قد شرع جميعه، وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعه أفضل" (١).
١٢٠ - قال الْمُصَنِّف (٢):
"وقد اختار بعض العلماء الجمع عند الحيعلتين بين المتابعة للمؤذن والحوقلة وهو جمع حسن وإن لم يكن متعيّنًا".
قال الفقير إلى عفو ربه: قال الصنعاني -﵀-: "وقيل: يجمع السامع بين الحيعلة والحوقلة عملًا بالحديثين، والأول أولى؛ لأنه تخصيص للحديث العام أو تقييد لمطلقه، ولأن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة من السامع بالحوقلة، فإنه لما دعي إلى ما فيه الفوز والفلاح والنجاة وإصابة
_________________
(١) "اقتضاء الصراط" (١/ ١٢٨).
(٢) (١/ ٢٤٨).
[ ١٣١ ]
الخير، ناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به، إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته، ولأن ألفاظ الأذان ذكر الله، فناسب أن يجيب بها، إذ هو ذكر له -تعالى-، وأما الحيعلة فإنما هي دعاء إلى الصلاة، والذي يدعو إليها هو المؤذن، وأما السامع فإنما عليه الامتثال والإقبال على ما دعي إليه، وإجابته في ذكر الله لا فيما عداه، والعمل بالحديثين كما ذكرنا هو الطريقة المعروفة في حمل المطلق على المقيّد، أو تقديم الخاص على العام، فهو أولى بالاتباع" (١).
مسألة:
وهل تشرع المتابعة في الإقامة؟ من نظر إلى مطلق الأذان استحب ذلك ومن التزم فهم السلف للنصوص وما جرى عليه عملهم وقف على إجابة الأذان دون الإقامة.
وممن قال بمشروعية متابعته في الإقامة الإمامان: ابن باز والألباني، انظر "الثمر المستطاب" (٢).
١٢١ - قال الْمُصَنِّف (٣):
"ثم الظاهر أن النساء كالرجال؛ لأنهن شقائقهم، والأمر لهم أمر لهن، ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن، فإنّ الوارد في ذلك في أسانيده متروكون، لا يحل الاحتجاج بهم، فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال".
قال الفقير إلى عفو ربه: هذه العبادة خاصة بالرجال كما عرفت.
_________________
(١) "سبل السلام" (٢/ ٦٥).
(٢) (١/ ٢١٦).
(٣) (١/ ٢٥١).
[ ١٣٢ ]