_________________
(١) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٥/ ١٦٧٥.
(٢) موطأ الإمام مالك، ٢/ ١٠٠٢.
(٣) انظر: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك،٤/ ٥٥٣،والحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ -،لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، ص٢٧.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار بسنده، ٢٧/ ٤٣٤، برقم ٤١٧٧٩.
[ ٧٠ ]
الفتن على القلوب كالحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلب أُشربها نُكت فيه نكتٌ سوداءٌ، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضّرهُ فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مربادًّا كالكُوز مجخيًّا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه» (١).
الفتنة أصلها في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، والاختبار، ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، فقيل: فُتن الرجل إذا وقع في الفتنة وتحوّل من حال حسنة إلى سيئة.
وقوله - ﷺ -: «تُعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عُودًا عُودًا» والمعنى أن الفتن تلصق بعرض القلوب: أي بجانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر فيه شدة التصاقها به، وتُعاد وتُكرر شيئًا بعد شيء، فأي قلب أُشربها فدخلت فيه دخولًا تامًا وألزمها وحلّت منه محلّ الشراب نقط فيه نقطة سوداء، ولا يزال هذا القلب يشرب الفتن كلما عُرضت عليه كما يشرب الإسفنج الماء حتى يسودّ وينتكس، فيكون كالكُوز المائل المنكوس، «والكوز هو ما اتَّسع رأسه من أواني الشرب إذا كانت بِعُرى وآذان، فإن لم يكن لها عُرى فهي أكواب» (٢).
فإذا انتكس القلب وصار مكبوبًا منكوسًا عرض له اشتباه المعروف عليه بالمنكر، وربما استحكم عليه المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا والباطل حقًا،
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا،١/ ١٢٨،برقم ١٤٤.
(٢) مشارق الأنوار، للقاضي عياض، ١/ ٣٤٩.
[ ٧١ ]
وبذلك يحكم هواه على ما جاء به الرسول - ﷺ -، وينقاد له ويتبعه.
والقلب الآخر: قلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتن أنكرها، وردّها فازداد نوره، وإشراقه، وقوته؛ ولقوة هذا القلب وشدّته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل شُبِّه بالحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، فهذا القلب لا تلصق به الفتن ولا تؤثر فيه، بخلاف القلب الأسود المربادّ «والمربادّ: هو الذي بين البياض والسواد والغبرة، مثل لون الرمادة» (١)، فهذا القلب قد اسودَّ، وقُلِبَ، ونُكِسَ حتى لا يعلق به خير ولا حكمة، فَشُبِّهَ بالكوز المنحرف الذي لا يثبت فيه الماء، فإنه قد دخل قلبه بكل معصية تعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن، وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز فإذا انكبّ انصبّ ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك (٢).
قال الإمام ابن القيم ﵀: «والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات، وفتن الغي والضلال، وفتن المعاصي، والبدع: فتن الظلم والجهل، فالأولى: توجب فساد القصد والإرادة، والثانية: توجب فساد العلم والاعتقاد» (٣)،وقال ﵀: «وقد قسم الصحابة - ﵃ - القلوب إلى أربعة كما صح عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قوله (٤):
_________________
(١) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض، ١/ ٢٧٩.
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٥٣٠ - ٥٣١، وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن القيم، ١/ ١٦.
(٣) المرجع السابق، ١/ ١٧.
(٤) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ١٧.
[ ٧٢ ]