طاعة الرسل يتقلَّبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث، وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها - ﷺ - من النور ما ليس لأمة غيرها، ولنبيها - ﷺ - من النور ما ليس لنبي غيره» (١).
٢ - وقول الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ والله مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (٢)، وهذا مثل آخر ضربه الله - ﷿ - للمنافقين، بمعنى: إن شئت مثِّلْهم بالمستوقد، وإن شئت بأهل الصيِّب، وهو المطر الذي يصوب: أي ينزل من السماء إلى الأرض، وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، يريد: وكصيِّبٍ ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ أي: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، ﴿وَرَعْدٌ﴾: وهو الصوت الذي يسمع من السحاب،
﴿وَبَرْقٌ﴾، وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ البرق في تلك الظلمات ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ﴾، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾: أي وقفوا متحيرين (٣).
_________________
(١) المرجع السابق، ٢/ ٤٣.
(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٩ - ٢٠.
(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل القرآن، للطبري، ١/ ٣٣٣ - ٣٦٢، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١/ ٢٣٣ - ٢٤٢، وتفسير البغوي، ١/ ٥٣ - ٥٤، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ١/ ٥٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.
[ ٩ ]
فالله تعالى شَبَّههم في كفرهم ونفاقهم بقومٍ كانوا في مفازةٍ وسوادٍ في ليلةٍ مظلمة، أصابهم فيها مطرٌ فيه ظلمات، من صفتها أن السَّاري لا يمكنه المشي فيها، وصواعق من صفتها أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هولها، وقوة صوتها المخيفة، وبرق من صفته أن يقرب من خطف أبصارهم، ويعميها من شدة توقُّده. فهذا مَثَلٌ ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر: القرآن؛ لأنه حياة القلوب، كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات: الكفر والشرك الذي حذَّر عنه القرآن، والرعد ما خوِّفوا به من الوعيد، وذكر النار، والبرق ما فيه من الهدى والبيان، والوعد، وذكر الجنة، فالمنافقون يسدُّون آذانهم عند قراءة القرآن، مخافةَ ميل القلب إليه؛ لأن الإيمان عندهم كفر، والكفر موت
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: أي يبهر قلوبهم (١).
وقال العلامة السعدي ﵀ بعد أن ذكر تفسير الآية: «فهكذا حالة المنافقين إذا سمعوا القرآن، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ونهيه، ووعيده جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، فيروعهم وعيده، وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيِّب الذي يسمع الرعد فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا ربما حصلت له السلامة،
_________________
(١) تفسير البغوي، ١/ ٥٤.
[ ١٠ ]