يحلو لبعض الناس ممن يتقنون صناعة الشبهات وضرب الأمثال أن يتصدوا لكل داع يبين حكم الشرع في قضايا الفروع سواء تكلم بها ابتداء أو جاءت إجابة لسائل يسأل، فيثيرون الاعتراضات العقلية الجدلية معرضين عن الأدلة الشرعية الجَلَدِيَّة، فيقولون مثلًا: المسلمون ينبغي أن تتجه همتهم إلى الأمور الخطيرة التي تهدد كيانهم، ولا ينبغي تضييع الوقت في الدعوة إلى هذه الشكليات، وهل تم تطبيق الِإسلام كله حتى لم يبق إلا إعفاء الناس لحاهم حتى يعود مجد الِإسلام؟ وهل زالت المنكرات الكبرى التي عمت المجتمع حتى لم يبق إلا حلق اللحية منكرًا يجب تغييره؟
وهذه شبهات فارغة ساقطة يكفي سقوطها في ردها، ولولا أنها تلبس على بعض الناس أمور دينهم لما ساغ لأحد الالتفات إليها، أو تجشم الرد عليها.
لأن هذا المنطق الكاسد والرأي الفاسد سوف ينسحب بلا قيدٍ على كثير من أحكام الشريعة التي لا توافق الأهواء، بحيث لا يبقى بعد ذلك مجال للدعوة إلى اجتناب المحارم وتعظيم الشعائر، وتصبح الشريعة ألعوبة في يد المنحرفين عن أحكامها، يُعَظِّمُ أحدُهم ما يحتقره الآخر، والعكس بالعكس، بل إن أخطار هذا المنهج العليل وتداعياته قد يمتد زحفها ليطال قضايا العقيدة والتوحيد لتصبح أيضًا من القشور، فماذا يبقى من الإسلام بعد تمييع هذا كله؟ مع أن رسول الله - ﷺ - قد حذرنا من التهاون بالمعاصي واحتقارها، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قد يئس الشيطان بأن يُعْبَدَ بأرضكم، ولكنه رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم
[ ٣٠ ]
ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله وسنةَ نبيه" (١)، وعن أنس ﵁ قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله - ﷺ - من الموبقات) (٢) قال أبو عبد ألله: يعني بذلك المهلكات.
قال الحافظ ﵀: (التعبير بالمحقرات وقع في حديث سهل بن سعد رفعه: " إياكم ومُحَقَّراتِ الذنوب فإن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعُود، وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها أهلكته " أخرجه أحمد بسند حسن، ونحوه عند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود، وعند النسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: " يا عائشة إياكِ ومحقراتِ الذنوب فإن لها من الله طالبا " وصححه ابن حبان) (٣) اهـ.
ولنضرب مثالًا لما يحتقره بعض الناس من أحكام الشرع، وقد يسخرون ممن يعيره اهتمامًا ألا وهو عدم جواز إسبال الملابس، ولنتأمل كيف فعل رسول الله - ﷺ - مع المسبل:
(عن الشريد ﵁ أن النبي - ﷺ - تبع رجلًا من ثقيف حتى
_________________
(١) رواه الِإمام أحمد (٣/ ٣٨٤)، الحاكم (١/ ٩٣)، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه البخاري (١/ ٣٢٩ - فتح) في الرقاق: باب ما يتقي من محقرات الذنوب، وصح في مسند الِإمام أحمد عن عبادة بن قُرص ﵁ أيضًا قال: " إنكم لتأتون أشياء هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله - ﷺ - من الموبقات "، فذكروا قول عبادة بن قُرْص لمحمد بن سيرين فَصَدَّقه، وقال: " أرى جَرَّ الِإزار منه " يعني من الموبقات لما جاء فيه من الوعيد الشديد، والناس يعدونه من الصغائر لفرط جهلهم وغرورهم، انظر: " الفتح الرباني " (١٧/ ٢٩١).
(٣) " فتح الباري " (١١/ ٣٢٩).
[ ٣١ ]
هرول في أثره حتى أخذ ثوبه فقال: " ارفع إزارك "، قال: فكشف الرجل عن ركبتيه، فقال: يا رسول الله إني أحنف، وتصْطكُّ ركبتاي، فقال رسول الله - ﷺ -: "كلُّ خَلْقِ الله ﷿ حَسَنٌ"، قال: ولم يُرَ ذلك الرجل إلا وإزاره إلى أنصاف ساقيه حتى مات) (١).
عن عمرو بن فلان الأنصارى ﵁ قال: (بينما هو يمشى قد أسبل إزاره، إذ لحقه رسول الله - ﷺ -، وقد أخذ بناصية نفسه، وهو يقول: " اللهم عبدُك وابنُ عبدِك وابنُ أمَتِكَ " قال عمرو: فقلت: يا رسول الله إني رجل حَمِشُ الساقين، فقال: " يا عمرو إن الله ﷿ قد أَحْسَنَ كلَّ شيٍء خَلَقَهُ يا عمرو "، وضرب رسول الله - ﷺ - بأربع أصابع من كفه اليمنى تحت ركبة عمرو فقال: " يا عمرو هذا موضع الِإزار "، ثم رفعها، ثم وضعها تحت الثانية، فقال: " يا عمرو هذا موضع الِإزار ") (٢).
وتأمل هذا الموقف من أمير المؤمنين عمر ﵁، وهو في سياق مصيبة الموت الذي هو أعظم حادث مما يمر على الجبلة:
عن ابن مسعود ﵁ قال: دخل شاب على عمر -يعني بعد ما طُعِن- فجعل الشاب يثني عليه، قال: فرآه عمر يجر إزاره، قال: فقال له: " يا ابن أخي! ارفع إزارك فإنه أتقى لربك، وأنقى لثوبك "، قال: فكان
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٤/ ٣٩٠)، والحميدى (٨١٠)، والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢/ ٢٨٧)، والطبراني في " الكبير " (٧/ ٣٧٧، ٣٧٨)، وقال في " المجمع ": (رجال أحمد رجال الصحيح) اهـ (٥/ ١٢٤).
(٢) رواه الِإمام أحمد (٤/ ٢٠٠)، وحسَّنه الحافظ في " الإصابة " (٤/ ٧٠٤)، وروى نحوه الطبراني في " الكبير " (٨/ ٢٧٧) من حديث أبي أمامة ﵁، قال في " المجمع " (٥/ ١٢٤): (رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات) اهـ.
[ ٣٢ ]
عبد الله يقول: " يا عجبًا لعمر! إن رأى حق الله عليه، فلم يمنعه ما هو فيه أن تكلم به " (١).
وفي رواية: (فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردُّوا علَّى الغلام)، فذكره.
وروى ابن أبي شيبة أن رجلًا من المجوس جاء إلى النبي - ﷺ - وقد حلق لحيته، وأطال شاربه، فقال له النبي - ﷺ -: "ما هذا؟ "، قال: هذا ديننا، قال رسول الله - ﷺ -: " لكن في ديننا أن نحفي الشوارب، وأن نعفي اللحية ".
وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن يحيى بن كثير قال:
أتى رجل من العجم المسجد، وقد وفر شاربه وجز لحيته، فقال له رسول الله - ﷺ -: " ما حملك على هذا؟ " فقال: " إن ربي أمرني بهذا " فقال رسول الله - ﷺ - " إن الله أمرني أن أوفر لحيتي، وأحفي شاربي "، ولما كتب رسول الله - ﷺ - كتابه إلى كسرى يدعوه إلى الِإسلام، وبعث به عبد الله بن حذافة، دفعه عبد الله إلى عظيم البحرين، ودفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - أن يمزقوا كل ممزق، وبعد أن شق كتاب رسول الله - ﷺ - كتب " إلى باذان " عامِلِه على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جَلَدين فيأتيان به، فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه، وكان كاتبًا حاسبًا مع رجل من الفرس، فجاءا حتى قدما المدينة على رسول الله - ﷺ -، ولما دخلا عليه - ﷺ -، وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما كره رسول الله - ﷺ - النظر إليهما، وقال: (" ويلكما من أمركما بهذا؟ " قالا: أمَرَنا بهذا رَبُّنا) -يعنيان كسرى- فقال رسول الله - ﷺ -: " ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وَقَصِّ شاربي " (٢)، وقال لهما رسول الله - ﷺ -: " إنَّ رَبِّي قتل رَبكما الليلةَ "، سلط عليه ابنه شيرويه فقتله، فرجعا حتى
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه " (٨/ ٢٠١، ٢٠٢)، وانظر: "سنن البيهقى" (١/ ٢٨٠).
(٢) (رواه ابن جرير الطبري (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧) عن يزيد بن أبي حبيب مرسلًا، وحسنه الألباني)، كما في " فقه السيرة " للغزالي هامش ص (٣٨٩).
[ ٣٣ ]
قدما على باذان) الحديث.
فقدِّر -يا أخي حفظك الله- أنك بحضرة رسول الله - ﷺ -، وأنه أمرك بشيء مما يسميه القوم " قشورًا "، أكنت تتجاسر أن تتقدم بين يديه، أو ترفع صوتك معترضًا عليه؟ إنك حتمًا وبمقتضى إيمانك ورضاك بالله ربًّا، وبالِإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا ستقول له: " نعم وكرامة، وسمعًا وطاعة يا من أفديه بأبي وأمي "، فكذلك فافعل مع سنته الشريفة بعد وفاته، فهذا واجبك مع سنته إذ لم تدرك صحبته - ﷺ -.
قال العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله تعالى- في سياق رده على من ادَّعى أن الِإسلام لا يهتم بكل المظاهر الشكلية ومنها اللحية: (.. ومع أنها دعوى عارية عن الدليل؛ فإنها منقوضة أيضًا بأحاديث كثيرة
أقول: هذا الزعم باطل قطعًا، لا يشك في ذلك أي منصف متجرد من اتباع الهوى بعد أن يقف على الأحاديث الآتية، وكلها صحيحة:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: " لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال ".
٢ - عن عائشة ﵂ أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت، فتمعَّط شعرها، فأرادوا أن يَصِلوها، فسألوا النبي - ﷺ -، فقال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة ".
٣ - عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: " لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيراتِ خلق الله ".
٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأى رسول الله - ﷺ - عَلَيَّ ثوبين معصفرين، فقال: " إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ".
أخرج هذه الأحاديث الشيخان في " صحيحيهما "، إلا الأخير منها فتفرد
[ ٣٤ ]
به مسلم .. .
وفي الباب أحاديث كثيرة جدًا، وهي مادة كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم " لشيخ الِإسلام ابن تيمية، فليراجعه من شاء.
فهذه نصوص صريحة تبين أن الِإسلام اهتم بالمظاهر الشكلية اهتمامًا بالغًا إلى درجة أنه لعن المخالف فيها، فكيف يسوغ مع هذا أن يقال: " إن كل المظاهر لا يهتم بها الِإسلام "؟) (١) اهـ.