إن الدين لُبٌّ كله ليس فيه قشور، إنما القشور ما أحدثه الناس من القيم والأعراف والموازين الشكلية الكاذبة التي صارت تتحكم فيهم وتستعبدهم، وصاروا ينقادون لها كأنها شرع منزل، وإن جهد الدعاة ينبغي أن يُوَجَّهَ لِإبطال هذه العادات والتقاليد " القشرية " الجوفاء، وهاك بعضًا منها على سبيل المثال:
* فمنها: ظاهرة "التطوس" في المظاهر القشرية الكاذبة، فترى أحدهم يتزين ويتأنق في مظهره، ويفعل في نفسه ما تفعله الماشطة بعروسها، ويغلو في ذلك إلى حد الرعونة؛ نعم صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كِبْر "، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: " إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْر: بَطَرُ الحق (١)، وغَمْطُ الناس ") (٢).
ونعم صح عنه - ﷺ - أنه قال: " من كان له شعر؛ فليُكرمه " (٣)، وصح عنه - ﷺ - أنه قال: " من كان له مال، فَلْيُرَ عليه أَثَرُه " (٤)، وعن جابر ﵁ قال: (أتانا رسول الله - ﷺ - فرأى رجلًا شَعِثًا قد تفرق
_________________
(١) أي دفع الحق.
(٢) رواه مسلم رقم (٩١) في الإيمان: باب تحريم الكبر وبيانُه، وأبو دواد رقم (٤٠٩١)، والترمذي. رقم (١٩٩٩).
(٣) رواه أبو دواد رقم (٤١٦٣)، والطحاوي في " المشكل " (٤/ ٣٢١)، وحسنه الحافظ في " الفتح " (١٠/ ٣١٠).
(٤) رواه الطبراني في " الكبير " (٨/ ٣١)، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " رقم (٦٣٧٠).
[ ٤٤ ]
شعره، فقال: " أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره "؟ ورأى رجلًا عليه ثياب وَسِخَة فقال: " أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟ " (١).
لكن ينبغي أن لا يواظب على دهن شعر رأسه وتسريحه عاكفًا أمام المرآة حتى يكون مظهره شغله الشاغل فقد (نهي رسول الله - ﷺ - عن الِإرفاه) (٢)، و(نهي - ﷺ - عن الترجُّل إلا غِبًّا) (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: " كُلْ ما شئت، وألبس ما شئت، ما أخطأتْكَ اثنتان: سَرَفٌ، ومَخِيلة " (٤).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: "إياي والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين" (٥).
_________________
(١) وروى الطرف الأول منه النسائي (٨/ ١٨٣، ١٨٤) في الزينة، باب تسكين الشعر، وقال النووي ﵀: (رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم) اهـ من " المجموع " (٤/ ٣٠٦).
(٢) أخرجه النسائي (٨/ ١٨٥) في الزينة، باب الترجل، ورواه أيضًا أبو دواد بأطول منه رقم (٤١٦٠) في أول كتاب الترجل، وانظر: " مرقاة المفاتيح " (٤/ ٤٦٦)، و" شرح السنة " (١٢/ ٨٣، ٨٤)، والإرفاه هنا: الترجل كل يوم، وكثرة التدهن والتنعم، وأصله: التوسع في المشرب والمطعم، ولين العيش.
(٣) أخرجه الِإمام أحمد (٤/ ٨٦)، وأبو دواد رقم (٤١٥٩) في الترجل، والترمذي رقم (١٧٥٦) في اللباس، باب ما جاء في النهي عن الترجل إلا غبًّا، وقال: " حديث حسن صحيح " (١/ ٣٢٦)، والنسائي (٨/ ١٣٢) في الزينة، باب الترجل غبًّا، وابن حبان (١٤٨٠) وانظر: " شرح السنة " (١٢/ ٨٣)، "مرقاة المفاتيح" (٤/ ٤٦٥)، " فيض القدير " (٦/ ٣١١، ٣١٢)، (غِبًّا): بكسر المعجمة وتشديد الباء؛ أن يفعل يومًا ويترك يومًا، والمراد: كراهة المداومة عليه، وخصوصية الفعل يومًا والترك يومًا غير مراد - قاله السندي في حاشيته على النسائي.
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا (١٠/ ٢١٦) في اللباس: في فاتحته، ووصله ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ٢١٧) رقم (٤٩٣٠)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (١١/ ٢٧٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٢٤٣، ٢٤٤)، وأبو نعيم في " الحلية " (٣/ ١٢٥)، وفيه بقية بن الوليد مدلس، وقد عنعنه في رواية أحمد، وصرح بالتحديث عند أبي نعيم، فثبت الحديث.
[ ٤٥ ]
وبين - ﷺ - أن من علامات الحياء من الله والرغبة في الآخرة الِإعراض عن زينة الدنيا:
فعن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " استحيوا من الله تعالى حق الحياء، مَن استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلى، ومن أراد الآخرة، ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حقَّ الحياء " (١)
وندبنا إلى التواضع في المظهر، ووعدنا عليه الأجر والكرامة: فعن معاذ بن أنس ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " من ترك اللباسَ تواضعًا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّرَه من أيِّ حلل الِإيمان شاء يلبسها " (٢)
وعلَّمنا أن قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم، بأعمالهم لا بأسمالهم: فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " رُبَّ أشعثَ أغبرَ، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه " (٣)
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي - ﷺ - مَرَّ عليه رجل، فقال: " ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: " حرىٌّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يُشَفَّعَ، وإن قال أن يُسْتَمَعَ "، ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال - ﷺ -: " ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: " حرىٌّ إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يُشَفَّعَ وإن قال أن لا يُسْتَمَعَ " فقال رسول الله - ﷺ -: " هذا خير من ملء الأرض مثلَ هذا " (٤).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في " المسند "، والترمذي، وغيرهما، وانظر: " صحيح الجامع " رقم (٩٤٨).
(٢) رواه الترمذي وغيره، انظر: " صحيح الجامع " رقم (٦٠٢١).
(٣) رواه الِإمام أحمد في " مسنده "، ومسلم في " صحيحه " في البر والصلة والأدب: باب فضل الضعفاء والخاملين.
(٤) رواه البخاري رقم (٥٠٩١) في النكاح: باب الأكفاء في الدين.
[ ٤٦ ]
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يُهدي للنبي - ﷺ - الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج، فقال النبي - ﷺ -: " إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه " (١)، قال: وكان النبي - ﷺ - يحبه، وكان دميمًا (٢)، فأتاه النبي - ﷺ - يومًا، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وهو لا يبصره، فقال: " أَرْسِلني! مَنْ هذا؟ "، فالتفت فعرف النبي - ﷺ -، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي - ﷺ - حين عرفه، وجعل النبي - ﷺ - يقول: " من يشتري العبد؟ "، فقال: " يا رسول الله إذًا والله تجدني كاسدًا " (٣)، فقال النبي - ﷺ -: " لكن عند الله لست بكاسد " أو قال: " لكن عند الله أنت غالٍ " (٤). وفيه مواساة الفقراء، وعدم الالتفات إلى صور الناس لأن العبرة بالقلوب والأعمال.
وهكذا تَعَلَّم منه الأصحابُ ﵃، الذين هم أولوا الألباب: فعن عبد الله بن شقيق قال: (كان رجل من أصحاب النبي - ﷺ - عاملًا بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، وهو شَعِثُ (٥) الرأس مُشْعان (٦)، قال: ما لى أراك مُشْعَانًا وأنت أمير؟! قال: كان ينهانا عن الِإرفاه، قلنا: ما الِإرفاه؟ قال: " الترجُّل كل يوم ") (٧).
وفي طريق أخرى عن يزيد بن هارون عن الجريري عن عبد الله بن بريدة:
_________________
(١) أي أننا نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، ونحن حاضرو المدينة وُنِعدُّ له ما يحتاج إليه في باديته من البلد.
(٢) الدميم: قبيح الوجه.
(٣) كاسدًا: من الكساد، وهو العطل والبوار.
(٤) أخرجه الِإمام أحمد (٣/ ١٦١)، والبغوي (١٣/ ١٨١)، والترمذي في " الشمائل " (٢٣٩) وغيرهما، وصححه الحافظ في " الِإصابة " (١/ ٥٤٢).
(٥) أي: متفرِّق الشعر.
(٦) هو منتفش الشعر، ثائر الرأس.
(٧) رواه النسائي، وصححه الألباني في " الصحيحة " (٥٠٣).
[ ٤٧ ]
(أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - رَحَل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فَقَدِمَ عليه وهو يَمُدُّ ناقةً له، فقال: إني لم آتك زائرًا، وإنما أتيتُك لحديثٍ بَلَغَني عن رسول الله - ﷺ - رَجَوْتُ أن يكون عندك فيه علمٌ، فرآه شَعِثًا، فقال: " ما لي أراك شَعِثًا وأنت أمير البلد؟ "، قال: " إن رسول الله - ﷺ - كان ينهانا عن كثير من الِإرفاه "، ورآه حافيًا، فقال: " ما لي أراك حافيًا؟ " قال: " إن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن نحتفي أحيانًا ") (١).
وهذا ربعي بن عامر يرسله سعد ﵁ قبل القادسية رسولًا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مَجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: " ضع سلاحك "، فقال: " إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت "، فقال رستم: " ائذنوا له "، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: " ما جاء بكم؟ "، فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جور الأديان إلى عدل الِإسلام) (٢)، فسلام الله على تلك النفوس التي أعاد الِإسلام صياغتها، فتخلت عن القشور الكاذبة، وأمعنت في التحلى بمعالي الأمور (٣).
وعن ابن شهاب قال: "خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام
_________________
(١) أخرجه الِإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه الألباني في " الصحيحة " (٢/ ٤).
(٢) " البداية والنهاية " (٧/ ٣٩).
(٣) وما حديث "مصعب الخير"، وعمر بن عبد العزيز منا ببعيد، انظر: "مصعب بن عمير الداعية المجاهد" للأستاذ محمد حسن يريغش، و" البداية والنهاية " (٩/ ١٩٢ - ٢١٢).
[ ٤٨ ]
ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ﵁، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك "، فقال عمر: " أَوَّه لو يقل ذا غيُرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد - ﷺ -!،
إنا كنا أذلَّ قوم فَأعزَّنا الله بالِإسلام، فمهما نطلب العِزَّ بغير ما أعزنا الله به؛ أذلنا الله ".
وفي رواية: (يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنوِد وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه، فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام؛ فلن نبتغي العز بغيره) (١).
ْودخل أعرابي رَثُّ الهيئة بالي العباءة على أحد الخلفاء، فاقتحمته عينهُ، فعرف الأعرابي ذلك في وجهه، فقال: " يا أمير المؤمنين؟ إن العباءة لا تكلمك، ولكن يكلمك مَن فيها، فأدناه، فإذا به مِدْرَهُ (٢) فصاحة في القول وبلاغة، فجعله من خاصته ".
وقال الشافعي ﵀:
عَلَيَّ ثيابٌ لو يُباعُ جميعُها بفِلْسٍ لكان الفِلْسُ منهن أكثرا
وفيهن نفسٌ لو تُقاسُ بمثلها نفوسُ الورى (٣) كانت أَعَزَّ وأكبرا
وما ضرَّ نَصْلَ السيفِ إِخْلاقُ غِمْدِه (٤) إذا كان عَضْبًا (٥) حيث وجَّهْتَهُ فَرَى (٦)
_________________
(١) رواه الحاكم (١/ ٦١، ٦٢)، وقال: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في " الصحيحة " رقم (٥١): " وهو كما قالا ".
(٢) المِدْرَهُ: السيد الشريف، والمُقْدِمُ عند الخصومة والقتال.
(٣) الورى: الخَلْق.
(٤) إخْلاقُ غِمْده: يقال خَلَق الجلدُ إذا بَلِىَ، والغِمْد: جَفْن السيف وغلافه.
(٥) العَضْبُ: السيف، يقال: عَضُب السيف: إذا صار قاطعًا حادًّا.
(٦) فَرَى: شَقَّ، وفَتَّت.
[ ٤٩ ]
يقول الشاعر المخضرم العباس بن مرداس (*) في هذا المعنى:
تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثوابِهِ أسَدٌ مزيرُ (١)
ويُعْجِبُكَ الطَّرِيرُ (٢) فتبْتَلِيهِ فيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيْرُ
فَمَا عِظَمُ الرِّجَالِ لَهُمْ بِفَخْرٍ ولكِنْ فَخْرُهُمْ كَرَمٌ وخيرُ
بُغَاثُ (٣) الطَّيْرِ أكْثَرُها فِرَاخًا وأُمُّ الصَّقْر مِقْلاتٌ (٤) نَزُورُ (٥)
ْضِعَافُ الطَّيْرِ أطْوَلُها جُسومًا ولَمْ تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقُورُ
لَقَدْ عَظُمَ البَعيرُ بغَيْرِ لُبٍّ فَلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البَعِيْرُ
يُصَرِّفُهُ الصَّغِيْرُ بكُلِّ وَجْهٍ ويَحْبِسُهُ عَلى الخَسْفِ (٦) الجَريرُ (٧)
_________________
(١) (*) أمه الخنساء الشاعرة، أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم قبيل فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم " الأعلام " (٣/ ٢٦٧).
(٢) العاقل الحازم، يقال: مَزُرَ الرجل مَزارةً: اشتد قلبه وقوى، مزر التمر: استحكم، فهو مزير.
(٣) ذو المنظر والرُّواء والهيئة الحسنة.
(٤) ما لا يصيد منه.
(٥) التي لا يعيش لها ولد، أو التي تضع واحدًا ثم لا تحمل.
(٦) من النَّزر، وهو القليل.
(٧) الذل.
(٨) الحبل.
[ ٥٠ ]
وتَضْرِبُهُ الوَليْدَةُ بِالهَرَاوي (١) فَلا غِيَرٌ لَدَيْهِْ ولَا نَكيرُ
فإِنْ أكُ في شِرارِكُمُ قَليلًا فإِنِّي في خِيارِكُمُ كَثيرُ (٢)
(كان الِإمام النووي ﵀ إذا رآه الرائي ظنه شيخًا من فقراء سكان القرى، فلا يأبه له، ولا يخيل إليه أنه شيء يُذكر، فإذا سمعه يُدَرِّس أو يقرر أو يحدِّث فغر فاه، وحملق بعينيه عجبًا من هذه الأحمال أن تنكشف عن جوهر نفيس، وعبقرية نادرة في العلم والزهد والتقوى، ولا عجب فالتراب مكمن الذهب، ولكن الناس في كل زمان ومكان يغرهم حسن الهيئة، وجمال الهندام، فإذا رأَوْا مَن هذه صفته؛ وقَّروه، وعظموه قبل أن يعرفوا ما وراء هذه البزة، وقد يكون فيها نخاع ضامر، وفكر بائر، وقلب حائر.
تَرَوْنَ بلوغَ المجدِ أن ثيابَكم يلوحُ عليها حسنُها وبَصيصُها
وليس العُلَى دَرَّاعة ورداءها ولا جبة موشية وقميصها (٣»
ليس الجمالُ بمئزرٍ فاعلم وإن رُدِّيتَ بُرْدا
إن الجمال معادنٌ ومحاسنٌ أورثن مجدا
فما بال القوم قد ابتغوا العزة في رباط العنق، وكيِّ الملابس، وأهدروا أموالهم في مظاهر قشرية جوفاء، وإذا ندبت أحدهم إلى الاعتدال انطلق كالصاروخ يسرد لك ما أسعفه من الحجج والمعاذير، في حين أنه بمجرد رؤيته من يتمسك بالسنة وبهدي النبي - ﷺ - مثلًا في ارتداء القميص (٤)،
_________________
(١) جمع هراوة، وهي العصا.
(٢) نقلًا من " المظهرية الجوفاء " ص (٤٠ - ٤١).
(٣) " الإمام النووي " لعبد الغني الدقر ص (٧).
(٤) وقد صح عن أم سلمة ﵂ قالت: " كان أحب الثياب إلى رسول الله - ﷺ - القميص "، رواه الترمذي، وأبو داود، والحاكم، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٤/ ١٩٧).
[ ٥١ ]
والعمامة، والتزام التسوك أو غير ذلك إذا به يشمئز، ويقول: " هذه شكليات وهذه قشور، لا ينبغي الاشتغال بها " فإذا كانت قشورًا لماذا شغلت نفسك بها؟ وهذا الملتزم بالهدي الظاهر لم يوجبها عليك فضلًا عن أن يحثك عليها، ولو فعل فقد أحسن.