من المناسب أن نبين معنى الزور في اللغة حتى يكون المطَّلع على بصيرة فيما ينظر فيه، وحتى يُعلمَ أن أصحاب المعجمات اللغوية لم يهملوا تفظيع حال شهادة الزور حتى في كلامهم على المعنى اللغوي.
جاء في "لسان العرب" للِإمام محمَّد ابن منظور الِإفريقي ما نصُّه (١): والزور: الكذب والباطل، وقيل: شهادة الباطل وقول الكذب. إلى أن قال: وفي الحديث: "المتشبِّع (٢) بما لم يُعْطَ كلابِسِ ثَوْبَيْ زور" (٣).
_________________
(١) لسان العرب ٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧.
(٢) هو الذي يدَّعي بما ليس فيه ويُحبُّ أنْ يُحمدَ بما لم يفعل، وهذا الدَّاء قد فشا بين كثير ممن زين لهم الشيطان أعمالهم، وغَرَّتهم الأماني الباطلة، وقد أخبر الله ﷿ عن هؤلاء بقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨]. ودواء هؤلاء هو الرجوع إلى الله ومحاسبة النفس، وطرح الغرور والأخذ بالعلم على وجهه الصحيح والتمسك بالعمل الصالح، والنصح والِإخلاص والتقوى في جميع ذلك كله، والله وليُّ المؤمنين. [م].
(٣) رواه البخاري ح ٥٢١٩، ومسلم ٣/ ١٦٨١ ح ٢١٣٠، من حديث أسماء بنت =
[ ١٧ ]
الزُّور: الكذب والباطل والتُّهمة، وقد تكرر ذكر شهادة الزور في الحديث، وهي من الكبائر، فمنها قوله - ﷺ -: "عَدَلَتْ شهادةُ الزور الشركَ باللهِ وإنَّما عادلته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ثم
_________________
(١) = أبي بكر ﵄، وعند مسلم ح ٢١٢٩ من رواية عائشة ﵂. وقصة الحديث: أن امرأةً قالت: يا رسول الله إنَّ لي ضَرَّة فهل على جُناح إن تشبَّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبَيْ زور". وقد نقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٩/ ٣١٨ أقوال العلماء في تفسير هذا الحديث، فمما نقله: قال الزمخشري في "الفائق": المتشبع أي المتشبه بالشبعان وليس به، واستُعيرَ للتحلي بفضيلة لم يرزقها، وشُبَّه بلابس ثوبي زور أي ذي زور، وهو الذي يتزيا بزي أهل الصلاح رياءً، وأضاف الثوبين إليه لأنهما كالملبوسين، وأراد بالتثنية أن المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالآخر، كما قيل: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا. فالِإشارة بالِإزار والرداء إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه. وقال الخطابي: الثوب مَثَلٌ، ومعماه أنه صاحب زور وكذب، كما يقال لمن وصف بالبراءة من الأدناس طاهر الثوب والمراد به نفس الرجل. ونقل الخطابي عن نعيم بن حماد قوله: كان يكون في الحي الرجل له هيئة وشارة، فإذا احتيج إلى شهادة زور لبس ثوبيه وأقبل فشهد فقُبل لنُبل هيئته وحُسن ثوبيه، فيقال: أمضاها بثوبيه يعني الشهادة، فأضيف الزور إليهما، فقيل: كلابس ثوبي زور. وأما حكم التثنية في قوله: "ثوبي زور" فللإِشارة إلى أن كذب المتحلي مثنى؛ لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ وعلى غيره بما لم يُعط، وكذلك شاهد الزور يظلم نفسه ويظلم المشهود عليه. اهـ.
[ ١٨ ]
قال بعدها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] " (١).
وقد جاء لفظ الزُّور في القرآن الكريم في أربعة مواضع، منها موضعان يتعلقان بشهادة الزور:
فالأول: قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠، ٣١].
وللمفسِّرين في قول الزور في هذه الآية وجوه، منها: أنَّه قولهم هذا حلال وهذا حرام، ومنها: أنَّه شهادة الزور، رفعوا هذا التفسير إلى النبي - ﷺ -، ومنها: أنَّه الكذب والبهتان.
والثاني: قوله تعالى في سورة الفرقان: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢].
قال بعض المفسرين: لا يشهدون شهادة الزور، وقال آخرون: لا يشهدون الشرك، وقال آخرون: هو قول الكذب، وقال بعضهم: هو الغناء.
وقال ابن جرير الطبري (٢): إنَّ أولى الأقوال بالصواب أنْ يُقال: والذين لا يشهدون شيئًا من الباطل لا شركًا ولا غناءً ولا كذبًا ولا غيره وكلّ ما لزمه اسم الزّور؛ لأنَّ الله عمَّ في وصفه إيَّاهم أنهم لا يشهدون
_________________
(١) رواه الترمذي ح ٢٢٩٩، والِإمام أحمد ٤/ ١٧٨ من حديث أيمن بن خُريم. ورواه الترمذي أيضًا ح ٢٣٠٥، وأبو داود ح ٣٥٩٩، وابن ماجه ح ٢٣٧٢، وأحمد ٤/ ٣٢١ من حديث خُريم بن فاتك الأسدي، بألفاظ متقاربة.
(٢) جامع البيان ١٩/ ٤٩.
[ ١٩ ]
الزور، فلا ينبغي أن يُخصّ من ذلك شيء إلاَّ بحجَّة يجب التسليم لها من خبر أو عقل.