لمَّا كانت شهادة الزور من أنواع الكذب ناسب أنْ نُورد بعض الآيات والأحاديث الواردة في التنفير منه والبعد عنه، وما أوعد الله به الكاذبين، ونُتْبع ذلك بلمعة في فضيلة الصدق وما أعدَّه الله للصادقين.
قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٤٩، ٥٠].
وقال ﷿: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧].
وروى الخطيب البغدادي في المتفق عن عبد الله بن جَرَاد قال: قال
[ ٣٧ ]
أبو الدرداء: يا رسول الله هل يكذب المؤمن؟ قال: "لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر مَنْ إذا حَدَّث كذب" (١).
وفي رواية أنَّ أبا الدرداء سأل النبي - ﷺ -: هل يكذب المؤمن؟ قال: "لا" ثم أَتْبعها نبي الله ﷺ حيث قال هذه الكلمة: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) [النحل: ١٠٥].
وروى ابن ماجه والنسائي عن أوسط بن إسماعيل: قال سمعت أبا بكر الصدِّيق ﵁ يخطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول ثم بكى وقال: "إيَّاكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار" (٣).
وقال ابن مسعود: قال النبي - ﷺ -: "لا يزال العبدُ يكذبُ ويتحرَّى الكذب حتى يُكتبَ عند الله كَذَّابَا" (٤).
وعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر ﵁ يقول: إيَّاكم والكذب فإنَّ الكذب مجانبٌ للِإيمان (٥).
_________________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٦/ ٢٧٢، وفيه يعلي بن الأشدق ليس بشيء، انظر: الميزان للذهبي ٤/ ٤٥٧. ولم أقف عليه في المتفق والمفترق المطبوع بدار القادري دمشق سنة ١٩٩٧ م.
(٢) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق ومذمومها ح ١٣١، وفيه نفس العلة السابقة: يعلي بن الأشدق.
(٣) رواه ابن ماجه ح ٣٨٤٩، والِإمام أحمد ١/ ٣، والحديث ليس في سنن النسائي الصغرى.
(٤) مسند أحمد ١/ ٣٩٣، وأصل الحديث في البخاري ح ٦٠٩٤، ومسلم ٤/ ٢٠١٣، ح ٢٦٠٧ وما بعده.
(٥) مسند أحمد ١/ ٥.
[ ٣٨ ]
وعن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ قال: إياكم والكذب فإنَّ الكذب يَهدي إلى النار.
وقال بعض الحكماء: الكذاب لِصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك.
وقال الِإمام أبو محمَّد علي ابن حزم الأندلسي في كتاب "الأخلاق والسِّير" ما نصه (١): (لا شيء أقبح من الكذب، وما ظَنُّكَ بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كُفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته.
والكذب متولد من الجَوْر والجُبْن والجهل؛ لأن الجبن يولِّد مهانة النفس والكذاب مَهِين النفس بعيد عن عزتها المحمودة).