مقَدّمة
اعلم يا أخي هداني الله وإيَّاك إلى طريق الخير والرشاد أنَّ شهادة الزور جريمة عظيمةُ الشر جسيمة الضرر، فكم ضاع بها مِنْ حقٍّ كان ثابتًا، ونشأت عنها مُعضلات ومشكلات تفاقم خَطبُها واشتدَّ كَربُها، وكم هدرت بسببها دماء وغَلَت من أجلها مَرَاجِلَ الشَّحناء والبغضاء، وكثيرًا ما أيقظتْ الفتنة وأعظمت المحنة وفصمتْ عُرى الوحدة، وربما أدَّت إلى تقاطع ذوي الأرحام وتهديد السلام بين الأفراد والأقوام، بل وبدَّلت الأمن خوفًا والوفاق خُلفًا، فكان من وراء ذلك كله شر عظيم وخطر
جسيم.
عرف هذا الأمم السابقة فشدَّدوا في عقوبة مرتكبها وبالغوا في التنكيل به، وحكموا بأنَّه عدو للأمة بتمامها. وقضى عليه بعض الأمم كالرومانيين بالِإعدام، وغَلَوا في شأن التزوير حتى عَدُّوا من المزورين من أخفى وصيَّة المتوفَّى أو أضاعها، بل كل امرئ فعل شيئًا يدلُّ على غِشٍّ أو خراب ذمة. وكانت عقوبتهم للأحرار بالنفي إلى مكان حصين مع مصادرتهم في أموالهم كلها، وعقوبة الرقيق هي الِإعدام (١). ثم ترقَّت
_________________
(١) هذه الجملة مأخوذة بمعناها عن رسالة "التزوير في الأوراق" لأحمد فتحي باشا زغلول العصر [م].
[ ١٥ ]
مدارك الأمم بعد ذلك فتعدَّلت العقوبات بحسب آثار الجريمة وعظيم خطرها.
جاء الإِسلام -وهو الكافل للسعادة الدنيوية والأخروية والشفاءُ لأمراض الِإنسانية- فعدَّ شهادة الزور من أعظم الكبائر وأشدَّها ضررًا، وحذَّر من مرتكبيها وجعلهم من أكبر المجرمين وأجرًا المفسدين، وعَرَّفهم سُوء منقلبهم وعاقبة بغيهم بما فيه عبرة لكل معتبر كما سيُتلى عليك.
* * *
[ ١٦ ]