فقد روى البخاري ومسلم والِإمام أحمد (١) عن سيدنا أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر أو سُئل عن الكبائر فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين"، وقال: "ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر: قول الزور"، أو قال: "شهادة الزور".
وعن أبي بَكْرَة نُفَيْع بن الحارث (٢)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أَلا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ "، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الِإشراك بالله؟ وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس (٣) وقال: "ألاَ وقول الزور وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا: ليتهُ سَكَتَ (٤).
_________________
(١) البخاري ح ٢٦٥٣، ومسلم ١/ ٩٢، ومسند أحمد ٣/ ١٣١.
(٢) رواه البخاري ح ٢٦٥٤، ومسلم ١/ ٩١ ح ٨٧، ومسند أحمد ٥/ ٣٦.
(٣) هذا يُشْعِر باهتمامه - ﷺ - بذلك حتى جلس بعد أنْ كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظيم قُبحه. وسبب الاهتمام بشهادة الزور كونها أسهل وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر، فإنَّ الِإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يَصرِف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام به. وليس ذلك لِعِظَمه بالنسبة إلى ما ذُكر معه من الِإشراك قطعًا، بل لكون مفسدته إلى الغير، بخلاف الِإشراك فإنَّ مفسدته مقصورة عليه غالبًا. اهـ. من نيل الأوطار للِإمام الشوكاني. [م].
(٤) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/ ٢٦٣ في تعليقه على هذه الكلمة: أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه - ﷺ - والمحبة له والشفقة عليه. اهـ.
[ ٢٠ ]
وروى الِإمام ابن ماجه (١) عن سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَن تَزُولَ قَدَما شاهدِ الزور حتى يُوجب الله له النار". وفي هذا الحديث وعيدٌ شديدٌ لشاهدِ الزور حيث أوجب الله له النار قبل أن ينتقل من مكانه، ولعل ذلك مع عدم التوبة، أما لو تاب وأكذب نفسه قبل العمل بشهادته فالله يقبل التوبة عن عباده.
وروى الحاكم والديلمي (٢) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أَلاَ من زيَّن نفسه للقُضاة بشهادة الزور زيَّنه الله تعالى يوم القيامة بسِرْبال (٣) من قَطِرَان وأَلْجمه بلجام من نار".
وروى الِإمام أحمد في مسنده وابن أبي الدنيا (٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ شهدَ على مسلم شهادةً ليس لها بأهل فليتبوَّأ مقعده من النار".
وروى أبو سعيد النقَّاش في "كتاب القضاة" (٥) عن عبد الله بن جَرَاد: عن النبي - ﷺ -: "مَنْ شهدَ شهادة زور فعليه لعنةُ الله، ومَنْ حَكَمَ بين اثنين فلم يَعدِل بينهما فعليه لعنةُ الله".
_________________
(١) ح ٢٣٧٣، وفي الزوائد: في إسناده محمَّد بن الفرات متفق على ضعفه، وكذبه الِإمام أحمد.
(٢) لم أجده عند الحاكم في المستدرك ولا في مسند الفردوس للديلمي، وعزاه في كنز العمال للحافظ ابن عساكر في التاريخ عن إبراهيم بن هدبة عن أنس، ح ١٧٧٦٠.
(٣) السربال: القميص.
(٤) المسند ٢/ ٥٠٩، وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: تابعيَّة لم بسم وبقية رجاله ثقات، وابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة والنميمة ح ١٢٢.
(٥) هكذا أورده المتقي الهدي في كنز العمال ح ١٧٧٦٢، وعزاه للنقاش.
[ ٢١ ]
وروى البخاري ومسلم (١) عن أبي هريرة، عنه - ﷺ -: "مَنْ مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو شاهد زور، ومَنْ أعانَ على خصومة بغير علم كان في سَخَط الله حتى ينْزِع، وقتال المؤمن كفر وسبابه فسوق".
وعن ابن عمر قال: لعن رسول الله - ﷺ - شاهد الزور وهو يعلم (٢).
* * *
_________________
(١) الحديث ليس في البخاري ومسلم، بل أخرجه البيهقي في السنن ٦/ ٨٢، وسبب هذا الخطأ نقل المؤلف الحديث عن كنز العمال ح ١٧٧٦٣ حيث وقع فيه رمز (ق) أي الصحيحين وهو تصحيف عن (هق) أي البيهقي في السنن.
(٢) كنز العمال ح ١٧٨٠٢، وعزاه لأبي سعيد النقاش.
[ ٢٢ ]