٤ - تكثر في العصر الحاضر البحوث والمؤلفات والمحاضرات في إثبات وجود الله وتقرير ربوبيته من غير الاستدلال بذلك على لازم ذلك ومقتضاه وهو توحيد الإلهية، وقد ترتب على ذلك: الجهل بتوحيد الإلهية، والتهاون بأمره فحبذا لو ألقيتم الضوء على أهمية توحيد الإلهية من حيث إنه أساس النجاة ومدارها ومفتاح دعوة الرسل، عليهم الصلاة والسلام، والأصل الذي يبنى عليه غيره؟
الجواب: لا ريب أن الله - سبحانه - أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان حقه على عباده ودعوتهم إلى إخلاص العبادة له - سبحانه - دون كل ما سواه، وتخصيصه بجميع عباداتهم؛ لأن أكثر أهل
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢.
(٢) سورة مريم، الآية: ٧٦.
[ ٢٩ ]
الأرض قد عرفوا أن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، وإنما وقعوا في الشرك به - سبحانه - بصرف عباداتهم أو بعضها لغيره، جهلا بذلك وتقليدا لآبائهم وأسلافهم، كما جرى لقوم نوح ومن بعدهم من الأمم. وكما جرى لأوائل هذه الأمة، فإن الرسول - ﷺ - لما دعاهم إلى توحيد الله استنكروا ذلك واستكبروا عن قبوله، وقالوا كما ذكر الله ذلك عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١) هكذا في سورة ص. وقال عنهم - سبحانه - في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] (٢) وقال عنهم - سبحانه - في سورة الزخرف،: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على علماء المسلمين وعلى دعاة الهدى أن يوضحوا للناس حقيقة توحيد الألوهية. . والفرق بينه وبين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن كثيرا من المسلمين يجهل ذلك فضلا عن غيرهم، وقد كان كفار قريش وغيرهم من العرب وغالب الأمم يعرفون أن الله خالقهم ورازقهم، ولهذا احتج عليهم - سبحانه - بذلك؛ لأنه
_________________
(١) سورة ص، الآية ٥.
(٢) سورة الصافات، الآيتان: ٣٥، ٣٦.
(٣) سورة الزخرف، الآية: ٢٣.
[ ٣٠ ]
- جل وعلا - وهو المستحق لأن يعبدوه، لكونه خالقهم، ورازقهم، والقادر عليهم من جميع الوجوه، كما قال - سبحانه -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (١) .
وقال - ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ [العنكبوت: ٦١] (٢) .
وقال - عر وجل - آمرا نبيه - ﷺ - أن يسألهم عمن يرزقهم: ﴿يَفْتَرُونَ - قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس: ٣٠ - ٣١] (٣) قال الله - سبحانه -: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] والآيات في هذا المعنى كثيرة، يحتج عليهم - سبحانه - بما أقروا به من كونه ربهم، وخالقهم، ورازقهم، وخالق السماء والأرض، ومدبر الأمر على ما أنكروه من توحيد العبادة، وبطلان عبادة الأصنام والأوثان وغيرها من كل ما يعبدون من دون الله.
وهكذا أمر - سبحانه - عباده بأن يؤمنوا بأسمائه وصفاته، وأن ينزهوه عن مشابهة الخلق، فقال - سبحانه -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية ٨٧.
(٢) سورة العنكبوت، الآية ٦١.
(٣) سورة يونس، الآية: ٣١.
[ ٣١ ]
(١) وقال في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة (٢) .
وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] (٣) وقال - ﷿ -: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] (٤) وقال - سبحانه -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد أوضح أهل العلم - ﵏ - أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة، ويوجب ذلك ويقتضيه، ولهذا احتج الله عليهم بذلك، وهكذا توحيد الأسماء والصفات يستلزم تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها لأنه - سبحانه - هو الكامل في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، وهو المنعم على عباده، فهو المستحق لأن يعبدوه ويطيعوا أوامره وينتهوا عن نواهيه.
وأما توحيد العبادة، فهو يتضمن النوعين، ويشتمل عليهما لمن حقق ذلك واستقام عليه علما وعملا.
وقد بسط أهل العلم بيان هذا المعنى في كتب العقيدة والتفسير،
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٢) سورة الحشر، الآيات: ٢٢ - ٢٤.
(٣) سورة الإخلاص كلها.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٢.
(٥) سورة الشورى، الآية: ١١.
[ ٣٢ ]
كتفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي وغيرهم، وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وكتاب التوحيد لابن خزيمة، ورد العلامة عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي وغيرهم من علماء السلف - ﵏ - في كتبهم.
وممن أجاد في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمة الله علمهما - في كتبهما.
وهكذا أئمة الدعوة الإسلامية في القرن الثاني عشر وما بعده، كالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - وأبنائه، وتلاميذه، وأتباعهم من أهل السنة.
ومن أحسن ما ألف في ذلك: "فتح المجيد" وأصله تيسير العزيز الحميد الأول للشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ - والثاني للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ - ﵀ -.
ومن أحسن ما جمع في ذلك الأجزاء الأولى من الدرر السنية التي جمعها الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم - ﵀ - فإنه جمع فيها فتاوى أئمة الدعوة من آل الشيخ وغيرهم من علماء القرن الثاني عشر وما بعده في العقيدة والأحكام فأنصح بقراءتها ومراجعتها وغيرها من كتب علماء السنة لما في ذلك من الفائدة العظيمة.
ومن ذلك مجموعة الرسائل الأولى لأئمة الدعوة من آل الشيخ وغيرهم - ﵏ - وردود المشايخ: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الله
[ ٣٣ ]
أبابطين، والشيخ سليمان بن سحمان، وغيرهم من أئمة الهدى وأنصار التوحيد لما فيها من الفائدة وإزالة الشبه الكثيرة، والرد على أهلها، ﵏ جميعا رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته وجعلنا من أتباعهم بإحسان. ومن ذلك أعداد مجلة البحوث الإسلامية التي تصدرها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لما فيها من المقالات العظيمة والفوائد الكثيرة في العقيدة والأحكام.
ومن ذلك: المجلدات الأولى من الفتاوى والمقالات الصادرة مني فيما يتعلق بالعقيدة وهي مطبوعة بحمد الله، وموجودة بين طلبة العلم. نفع الله بها.