أخرجه ابن عدي في كتابه المعدود للضعفاء وحكم على جميع طرقه بالضعف، وقال السيوطي في الدرر المنتثرة: في كل طرقه مقال، وقال ابن عبد البر: روي من وجوه كلها معلولة، وقال عن إسحاق بن راهويه: إن في أسانيده مقالًا، وقال البزار في مسنده: روي عن أنس بأسانيد واهية ا. هـ.
وقال السيوطي في الدرر عن المِزِّي (بكسر الميم، تلميذ النووي ووقع في بعض نسخ الدرر المنتثرة المزني) وهو تحريف لهذا الحديث، روي من طريق تبلغ مرتبة الحسن، وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: أسانيده كلها ضعيفة لكنها تقوى بكثرتها، وقال السيوطي في الدرر: أخرجه ابن ماجه عن كُثَيِّر بن شنظير، وكُثَيِّر مختلف فيه فالحديث حسن.
الرأي فيه من جهة سنده أنه حديث ضعيف رأينا فيه من أوهى مراتب الضعف؛ لأن رواته بين متروك وضعيف ووضاع وكذاب ومنكر ومختلف فيه؛ وإذ قد طعن الأئمة في جميع أسانيده فلا يكتسب قوة بالختلافهم في كُثَيِّر بن شنظير، فقد قال ابن عدي في كامله: كثير بن شنظير ضعيف، وقال في تهذيب الكمال عن النسائي: كثير بن شنظير ليس بالقوي، وإذا تعارض الجرح والتعديل، فالجرح مقدم كما قرره علماء الحديث والفقه والأصول، فإذا كان المجرح أكثر من المعدل أو تساويَا فتقديم الجرح متفق عليه، وإذا كان المجرح أقل من المعدل ففيه خلاف. والصحيح الذي عليه الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين تقديم الجرح، فعلى ما قررنا تسقط رواية كثير بن شنظير فلا يكون الحديث حسنًا لأجلها خلافًا
[ ٨٨ ]
للسيوطي على أن رواية كثير بن شنظير هي بواسطة حفص بن سليمان عنه وحفص ابن سليمان متروك الحديث، قاله البخاري.
وإنما قلت: إنه من أوهى مراتب الضعف لما قرره علماء أصول الحديث أن الشديد الضعف هو الذي لا يخلو طريق من طرقه عن كذاب أو متهم، وأما ما نقله السيوطي عن المزي من قوله: إنه روي عن طريق تبلغ مرتبة الحسن، فلم ندر قراره بهذه الطريق، فلعله يعني بها طريق كُثَيِّر بن شنظير، وقد علمت ما فيها، وعلى تسليم كون الخلاف في كثير بن شنظير لا يسقطه إلى درك الجرح فإن حقيقة الحديث الحسن لا تنطبق على مثله؛ إذ الحديث الحسن يشترط فيه سلامة رجال سنده من الجرح، وإنما ينزل عن مرتبة الصحيح بقلة ضبط رجاله مع عدالتهم.
وبقي لنا قول المناوي: إن كثرة طرق هذا الحديث تقويه، فهذا كلام نحتاج فيه رده إلى تطويل؛ لأن صدور أمثاله كَثِير من كلام بعض المنتقين للحديث وهو كلام لا يؤخذ على إطلاقه؛ لأن الضعيف أقسام كثيرة تنتهي في الضعف إلى الموضوع فإن الموضوع من الضعيف عند المحققين من المحدثين، فبينا أن تنظر إلى حالة الضعيف فإن كان ضعيفًا قريبًا من الحسن - أعني قد نقص منه صفة من صفات الحسن أو صفتان ليست إحداهما راجعة إلى اتهام بعض رواته - فهو مقبول في الجملة، فهذا إذا اعتضد بطرق أخرى متماثلة في الضعيف بدون طعن في أحد رواته قد يكتسب قوة ما، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعف وإنما تكسبه قوة في الضعف، فهذا مشتبه على الضعفاء في علم الحديث فيحسبون أن الضعيف من هذا النوع إذا اعتضد بمثله ارتقى إلى رتبة الحسن وهو وهم وتخليط، ألاَّ ترى أن المحدثين ذكروا في حديث: «من حفظ من أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة العلماء» أنه روي عن جماعة من الصحابة: علي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس ابن مالك وأبي هريرة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وأنه روي من طرق كثيرة، وذكروا أن الحفاظ اتفقوا على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه؛ لأن جميع طرقه ليس فيها طريق من علة قاله النووي، وقاله ابن حجر.
وهاهنا توجيه كنت جعلته دستورًا في كيفية الاعتضاد بكثرة طرق الأخبار إذا تعددت طرقها وقررته في دروس الأصوليين؛ وذلك أن الحديث الصحيح يغلب
[ ٨٩ ]
الظن بصدق نسبته إلى رسول الله نظرًا لحسن الظن برواته، وفيه احتمال مرجوح جدًّا بأن يكون مكذوبًا عن رسول الله - ﷺ -.
والحديث الحسن دونه فيه الظن يصدق نسبته، وفيه احتمال مرجوح بأن يكون مكذوبًا، والحديث الضعيف يستوي من ظن احتمال بعدم صدق نسبته إلى رسول الله - ﷺ - وظن احتمال صدق نسبته إليه.
فإذا كثرت طرق الحديث وطرق الحسن فقد تأيد ظن الصدق بظنون مثله راجحة، فيصير الصحيح قريبًا من المتواتر، ويصير الحسن قريبًا من الصحيح، بخلاف الضعيف، فإن تكررت طرقه الضعيفة يؤيد احتماليه معًا فيبقى كما هو لا يكتسب قوة بتكرر الطرق.
أما من جهة معناه فهو يؤدي معنى غير منضبط يحتاج إلى التأويل وذلك لا يناسب الفصاحة النبوية؛ لأن التعريف في لفظه «العلم» المضاف إليه «طلب» لا يخلو أن يكون للعهد أو الاستغراق، ولا يجوز أن يكون للعهد إذ ليس في الشريعة علم معهود يتطرق إليه الذهن عند تعريفه بلام العهد، فتعين أن محمل التعريف للاستغراق، وهو إما استغراق حقيقي أو عرفي ولا يجوز أن يكون استغراقًا حقيقيًّا؛ لأنه يقتضي مطالبة كل مسلم بطلب جميع العلوم وهذا من التكليف بما لا يطاق وهو منفي عن دين الإسلام بحكم قوله تعالى:﴾ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فبقي أن يكون استغراقًا عرفيًّا أي كل علم من العلوم الشرعية، وهذا ظاهره باطل إذ لا يجب على كل مسلم أن يطلب جميع العلوم الشرعية بل تحصيلها فرض كفاية يتوزعه طائفة من الأمة كما اقتضته آية: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وإذا كان ظاهره غير مراد قطعًا لزم تأويله ولا دليل على تأويل معين، فيصير من المجمل الباقي على إجماله وذلك لا يليق بمقام التشريع أن يخاطب المسلمون بشيء واجب عليهم غير معين مقداره.
وقد تأوله بعض العلماء بأن المراد به علم ما لا يسع المكلف جهله من صلاته وطهارته وصيامه ونحو ذلك بأن يحصل ما يمكنه تحصيله، ويسأل عما لا يمكنه تحصيله عند نزوله به، ولا يخفى أنه تأويل بعيد؛ إذ تحصيل قواعد الدين والسؤال عن جزئياتها عند نزولها لا يسمى طلب العلم في متعارف اللغة.
يدل لذلك ما وقع في جامع العتبية في سماع القرينين أشهب وابن نافع سؤال.
[ ٩٠ ]
مالك عن طلب العلم: أفريضة هو؟ فقال: لا والله ما كل الناس كان عالمًا وإن من الناس من أمره أن لا يطلبه، ثم قال من الغد قد سئلت: أطلب العلم فريضة؟ فقلت: أما على كل الناس فلا. اهـ.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل قوله: إن من الناس من أمره أن لا يطلبه، يريد من الناس من هو قليل الفهم لا تتأدى له المعاني على وجوهها، وإذا سمع الشرح تأوله على خلاف معناه، ومن كان بهذه الصفة فالحق أن يترك الاشتغال بطلب العلم ويشتغل بما سواه من ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة، وفي قوله من الغد: أما على كل الناس فلا يدل على انه فريضة على بعضهم فهو عنده فريضة على من كان فيه موضع للأمانة ا. هـ كلام ابن رشد. أقول: كلام الإمام من الغد بيان لقوله قبله: «ما كان الناس كان عالمًا»، وكلامه كله مؤذِن بأن المراد بطلب العلم تحصيل المسائل وفهمها وتنزيلها؛ وذلك لا يلاقي تفسير من فسر العلم بمعرفة قواعد الإسلام والسؤال عن جزئياتها.
تنبيه: قال السندي في شرح سنن ابن ماجه عن السخاوي: ألحق بعض المصنفين آخر هذا الحديث «ومسلمة» وليس لها ذكر في شيء من طرقه ا. هـ.