لقد صرح الكلام النبوي أن هذا المجدد يبعثه الله ويلهمه لتجديد أمر الدين للأمة، فوجب أن يكون هذا المجدد قائمًا بعمل مثمر تجديدًا في الدين، وقد أبنت فيما مضى معنى التجديد، فيتعين أن تكون لهذا المجدد الصفات التي تؤهله لرتق ما فتق من أمر الدين في زمنه، فإذا كان الفتق قد طرأ على ناحية من نواحي علم الدين تعين أن يكون المجدد في تلك الناحية عالمًا يؤهله علمه لإدراك الحق في الغرض المقصود، وإن كان الفتق قد طرأ على الدين من ناحية وهن نفوذه ووقوف انتشاره تعين أن يكون المحدد في ذلك قادرًا على حماية البيضة، ونصر الشريعة، أي: نصر الحق من الدين؛ لئلا يدخل في المجددين من قام بنصر نحلة اعتقادية يعتقد أنها الدين وهو فيها زائغ، مثل أبي يزيد النكاري راكب الحمار، ومثل أبي عبد الله الشيعي داعية المهدي العبيدي أو لإعلان فتنة وانقلاب دولة تحت اسم الدين مثل مهدي الصومال والتعايشي.
وبذلك لا يمنع أن يكون المجدد من بعض القرون من الملوك وليس يلزم التزام كونه من صف العلماء، فإن الشيخ البرزلي في كتاب الأقضية من كتابه المسمى «الحاوي» عد أبا فارس عبد العزيز الحفصي سلطان تونس مجدد القرن التاسع فدل على أنه لا يلتزم كون المجدد من أئمة العلم، وأنا لا أوافقه على عد أبي فارس في صف المجددين ولا على اعتبار القرن التاسع من مبدأ سنة إحدى وثمانمائة، ولكن أردت الاستدلال برأيه على عدم التزام كون المجدد من صف العلماء.
ويجب أن يكون المجدد في هذا المقام عالمًا بالشريعة، وأن يكون مسترشدًا بالعلماء ليصادف الحق الذي يتطلبه الشرع.
وإذا كان الفتق الذي اعترى الدين من ناحيتين فصاعدًا تعين أن يكون المجدد كفئًا للنهوض بما يتطلبه التجديد في ذلك، مثل أبي بكر الصديق - ﵁ - في موقف ارتداد العرب.
ثم إن الأظهر أن يكون هذا المجدد واحدًا؛ لأن اضطلاعه بالتجديد وهو واحد يكون أوقع؛ لذا يكون عمله متحدًا، ويكون أنفذ إذ يسلم من تعارق الاختلاف
[ ١٢٣ ]
باختلاف الاجتهاد في وسائل المقصد، وربما اقتضى حال الزمان أن يكون المجدد متعددًا في الأقطار بأن يقوم في أقطار الإسلام مجددون دعوتهم واحدة، أو يكون رجلان فأكثر متظاهرين على عمل التجديد في موضع واحد، ولقد جوز ابن السبكي أن يكون ابن سريج وأبو الحسن الأشعري مجددين في نهاية المائة الثالثة أولهما في الفروع، وثانيهما في الأصول، ولا مانع من قيام رجلين بمهم واحد، فقد ظهر ذلك في أعظم مهم وهو الرسالة؛ إذ أرسل الله موسى وأخاه هارون إلى بني إسرائيل وفرعون وملئه، وأرسل رسولين لأهل القرية، ثم عززهما بثالث كما جاء في سورة يس.
ويشترط أن يكون المجدد قد سعى لعمل في التجديد من تعليم شائع، أو تأليف مثبوت بين الأمة، أو حمل الناس على سيرة، بحيث يكون سعيه قد أفاد المسلمين يقظة في أمر دينهم، فسار سعيه بين المسلمين، وتلقوه، وانتفعوا به من حين ظهوره إلى وقت إثماره، سواء كان حصول ذلك دفعة واحدة أم تدريجًا.
ويشترط أن يظهر المجدد في جهة تتجه إليها أنظار المسلمين، وتكون سمعتها بموضع القدوة للمسلمين، مثل أن يكون من أهل الحرمين، أو من مقر الخلافة، أو من البلاد التي تعنو إليها وجوه المسلمين، مثل مصر في بعض عصور التاريخ؛ ولذلك نجزم بأن مظهر المجددين الذين ظهروا في عصور الإسلام كان هو الشرق؛ إذ يلزم أن يكون عمله نافعًا لجميع الأمة لا لصقع خاص.
وليس يكفي للوصف بالمجدد أن يكون رجلًا بالغًا حدًا قاصيًا في الزهد أو في الصلاح أو في التقوى، ولا بالغًا الغاية في الفقه، ولا كائنًا من أهل القضاء بالعدل؛ لأن تلك صفات قاصرة عليه؛ لذلك نرى عد عمر بن عبد العزيز مجدد القرن الثاني غير متجه؛ إذ هو وإن كان بحق خليفة عدل إلا أن الإسلام قبل زمانه لم ترهقه رثاثة، وليت الذين عدوا عمر بن عبد العزيز في المجددين عللوا ذلك بأنه الذي أمر بتدوين السنة.