لعل فيما مهدته أول هذا المقال مقنعًا للفظه لا تفوته معه الدواعي الوافرة التي
[ ٥٩ ]
بعثت على ظهور هذه الأخبار بين الناس وتطايرها في الآفاق وكثرة رواتها.
وأزيد هنا ما هو أخص بغرضنا وهو أن أخبار المهدي لو كانت من الشهرة الصحيحة بالحال التي نشاهد عليه أسانيدها من عزوها إلى رواية ثمانية عشر من الصحابة بأسانيد مختلفة، وكانت تلك النسبة حقًّا وأسانيدها مقبولة لما فات جميعها أو بعضها الإمامين الجليلين البخاري ومسلم في صحيحهما المجعولين لرواية ما صح عن رسول الله - ﷺ - في جميع أنحاء العلم حتى كيفية الأكل والاضطجاع؛ إذ لا يجوز أن يفوت مثلهما في إحاطتهما وحفظهما وخبرتهما بالرجال حديث بلغ من الشهرة ذلك المبلغ لو كانت شهرة صادقة.
ومن هنا نتيقن إلى مغمز لطيف وهو أن كثرة أسانيد هذا الحديث ورواياته مما يثير لنا ريبة قوية في حرص مشيعيه على رواجه بين الناس فيكتسب بتلك الطرق المختلفة شهرة وقوة حتى يطمئن له عامة المسلمين، وهل نظن أن رسول الله - ﷺ - الذي سكت عن التعرض للخلافة من بعده مع عظم أمرها وشرف منصبها في الدين ومع ما يتوقع من الفتنة بين المسلمين عقب وفاة الرسول - ﷺ - لولا أن عصم الله هذه الأمة ببركة نبيها حتى التجأ كبراء الصحابة يوم السقيفة إلى استنباط شروط الخليفة من طريق ترسم إشارات أفعال رسول الله في حياته، مثل: وصايته بالأنصار ولم يوص بالمهاجرين، ومثل تقديمه أبا بكر للصلاة في مرضه، ومن طريق المصلحة العامة مثل قول أبي بكر: «إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش» أيترك رسول الله ذلك كله ويهتم ببيان قائم يقوم في أمته في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا.
هذا حال أمثل الروايات في شأن المهدي، وخلاصة القول فيها من جهة النظر: إنها مستبعدة مسترابة، وإننا لو سلمنا جدلا بارتفاعها على رتبة الضعف؛ فإنا لا نستثمر منها عقيدة لازمة ولا مأمورات مندوبة بله الجازمة.
أما بقية الآثار المروَّية في هذا الشأن مما هو نازل في الضعف عن مرتبة هذه الطريق وتلك، ما زادتها كثرتها إلا اضطرابًا وتناقضًا ونَدًّا على قصد صانعيها، هذا ملاك حالها ولا حاجة إلى التطويل بتشخيص ذلك تفصيلًا، فمن شاء فليرجع إليها في مظانها، فإذا تأملها تأمل الناقد البصير وجد مخيلة التحزب والعصبية واضحة فيها، ووجد معظمها يرمي إلى اليأس من نجاح أمر الأمة على أيدي خلفاء بني أمية وأنها
[ ٦٠ ]
لا نجاح لها إلا بولاة من بني هاشم وأنصارهم، ثم وجد جميعها لا يعدو خدمة ثلاثة أحزاب، فقسم يلمح إلى العلويين وهو معظمها، وقسم يلوح إلى العباسيين، وقسم بقي مطلقًا لبني هاشم، ومن هذا القسم ما يظهر أنه قصد منه الانتصار للزبيرية والقصد من ذلك الحط من الأمويين، ومن العجب أنك تجد في بعض رواياتها التجاوز إلى تعيين المقصود الأخص من منحليها، فبعضها يسمي القبائل مثل: تميم وكلب وأهل الشام وأهل العراق، وبعضها يسمي البلاد: مكة والمدينة والشام والعراق والكوفة والزوراء ودمشق وبيت المقدس وطبرية والأردن ومصر والقسطنطينية وكركة وخراسان وإصطخر والمشرق، وبعضها يسمي الأشخاص: السفياني والقحطاني والنفس الزكية والمنصور والسفاح وشعيب بن صالح التميمي، وكثير منها تصرح بأن اسم المهدي محمد واسم أبيه عبد الله، فإذا رجعت إلى ما قدمته لك في التمهيد لم يعوزك التحكم في شأنها فبصرك اليوم حديد.
وهذا المبحث على تقادم عهده وإخفاق زنده هو من المباحث التي رأى للمسلمين الإعراض عن الاشتغال بها تعضيدًا أو تزييفًا، وأعجب لتفاقم الجدال في شأنها، وشأنه أن يكون خفيفًا؛ إذ هي مسألة لا تفيدهم عملًا في دينهم ولا في دنياهم، فما كان لها من الأهمية لدى طوائفهم أن تكون شغل أُولَاهُم وأُخْرَاهُم، ولكن حين عنَّ فيها الجدال وكثر القيل والقال فحقيق بالعلم عندئذٍ إظهار سلطانه، ليحق الحق ويدع الباطل راسبًا في أشطانه.
* * *
[ ٦١ ]