الشفاعة توسط سيد أو حبيب أو ذي نفوذ لدى من يملك عقوبة أو حقًا بأن يعدل عن الأخذ به، وقد كانت عند العرب في الغالب من شعار الود، وفي الحديث: «قالوا هذا جدير بأن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع»، وفي شفاعة الحبيب قال الشاعر:
فلا تحرمني نائلًا من شفاعة فإني امرؤ وسط القباب غريب
وقد تطلق الشفاعة مجازًا وتسامحًا على الوساطة في الخير ورفع الدرجة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، وقول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء»، وقول دعبل الخزاعي:
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه يصونك عن مكروهها وهو يخلق
[ ١٧١ ]
ومن الشواهد لذلك نكتة تاريخية قل من يتفطن لها وهو ما وقع في ظهير الخليفة القادر بالله الذي أصدره للسلطان يمين الدولة محمود الغزنوي بولاية خراسان فقد جاء فيه: وليناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفراييني.
والمراد بالشفاعة الثابتة لرسول الله شفاعته يوم القيامة للناس عند الله تعالى لدفع ما يلاقونه من العذاب؛ وإذ قد أراد الله تعالى إكمال الفضائل لرسوله محمد - ﷺ - كان من جملة ما أعطاه أن أعطاه فضيلة الشفاعة وسماها بالمقام المحمود فقال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، تكميلًا لفضائله في الآخرة على حسب ما له من السؤود عند الله تعالى، فقد أعطى أهل السيادة الدنيوية الزائلة، خصلة الشفاعة الزائلة، وأعطى صاحب السيادة الحقة الدائمة الشفاعة الصادقة في دار الخلود، وخصه بها كما خصه بفضائل لم يشاركه فيها أحد، فقد روى مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة قال رسول الله - ﷺ -: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون فيهتمون لذلك فيلهمون فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يُريحنا من مكاننا، ثم ذكر أنهم يأتون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى (فكل يعتذر) وأن عيسى يقول: ائتوا محمدًا عبدًا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني فأستأذن على ربي فيأذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، قل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا».
- ووصف مثل مما وصف في المرة الأولى «ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة- قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة- فأقول ما بقي في
[ ١٧٢ ]
النار إلا ما حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود»، وزاد مسلم عن حذيفة: «ويقوم محمد فيؤذن له فيضرب الصراط ويمر الناس على الصراط فيمر الأول كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار».
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قيل: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله - ﷺ -: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبله» وفي صحيح مسلم عن أنس قال رسول الله - ﷺ -: «انا اول الناس يشفع في الجنة».
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - ﷺ -: «إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة» يريد بشفاعة محمد؛ لأن التعريف للعهد.
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل بأسانيدهم عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، قال الترمذي: هو حديث صحيح غريب.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن مقام محمد المحمود هو الذي يخرج الله به من يخرج من النار.
فشفاعة رسول الله - ﷺ - يوم القيامة أمر ثابت على الجملة بأدلة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وثبوتها للنبي - ﷺ - بأدلة من القرآن، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وبما ثبت في الصحيح ورويناه آنفًا.