هذا وإني أرى أن للاختلاف بيننا في قبول هذا الحديث مرجعًا نرجع إليه، وهو أصل الاختلاف في أصل عام يجري في هذا الحديث وأمثاله ألا وهو أصل تغليب جانب التهمة والحذر في قبول الرواة، أو جانب حسن الظن والتسامح، وهما مقامان معلومان من قديم لأئمة الحديثة وبها كان التفاوت في مراتب ضبط المحدثين وتمحيصهم ونقدهم.
فقد كان عمر بن الخطاب يقول: «المسلمون عدول بعضهم على بعض»، ثم لما حدثت شهادة الزور قال عمر: «لا يؤمَّر أحد في الإسلام بغير العدول».
ونشأ عن ذلك اختلافهم في هل الأصل في الناس هو الجرح أو العدالة؟ ومذهب المحققين، وفي مقدمتهم مالك بن أنس أن الأصل في الناس هو الجرْحُ فلذلك قال: لا يقبل مجهول الباطن وإن كان مستور الظاهر، وعلى هذا القول درج جمهور أهل التحقيق والضبط، ومن الناس من قال: الأصل في الناس العدالة وقبلوا مستور الظاهر وإن جهل باطنه، وإلى هذا ذهب الأقل منهم أبو حنيفة وابن فورك وسليم الرازي من الشافعية، ولكن إذا ظهر موجب الجرح بطل الخلاف، وفي الناس متساهلون يظنون الخير ويتلقون الأخبار عن كل مسلم إلى أن بلغ الحال ببعضهم أن عد تمحيص الرواة من قبيل الغيبة فأنكروه على ابن معين، فقال قائلهم:
ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والإله شهيد
فإن كان حقًّا قوله فهو غيبة وإن كان زورًا فالعقاب شديد
وطريقة إمامنا مالك ونظرائِه أئمة النقد هي الطريقة المثلى وعليها كانت سننه في تهذيب كتاب الموطأ عامًا فعامًا، وقد قال ابن أبي حاتم: قلت ليحيى بن معين: لماذا مالك قلَّ حديثه؟ فقال: لكثرة تمييزه، وقد كان يأتي في ذلك بتشديد عمر ابن الخطاب في قبول الرواية عن رسول الله - ﵁ - كما وقع في حديث أبي موسى الأشعري معه في كتاب الاستئذان في الموطأ وصحيح البخاري، وأن عمر قال لأبي موسى: (أما إني لا أتهمك؛ ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على الحديث
[ ٨٢ ]
عن رسول الله - ﷺ -، وروينا عن ابن عباس أنه قال: (إنَّا كنَّا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)، وروى مسلم عن ابن سيرين أنه قال: (إن هذا الحديث أو هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)، وروى أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد أن أبا هريرة قال: إن هذا العلم (يعني: الحديث) دين فانظروا عمن تأخذونه، ومثله مروي عن مالك في التمهيد، وفي المدارك لعياض.
وروينا عن عبد الله بن المبارك: (أن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)، وقال عبد الرحمن بن مهدي: (خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث).
وعلى هذه الطريقة جرى الأئمة المشهود لهم بتمام الضبط مثل أصحاب مالك؛ كعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومن أصحابهم؛ كالإمامين البخاري ومسلم.
وأنا أرى التحري أولى بالمسلمين فقد طفحت عليهم الروايات، فكانت منها دَوَاهٍ وطامَّات.
فإذا كنا متفقين في طريقنا من تغليب جانب التحري فالمراجعة سهلة، ولو لاح الخلاف في أول وهلة، وإن كان كلٌّ ينحو إلى منهج من ذينك المنهجين، فالاختلاف في الفروع تبع للخلاف في الأصول فلنتمسكه بوثاق الود، ولا نهتم باختلاف الأفهام والعقول.