قال تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي في كتاب «طبقات الشافعية» في مقدمته المسهبة، وذكر حديث أبي هريرة في المجدد والحديث الذي فيه زيادة: (من أهل بيتي)، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: نظرت في سنة مائة فإذا هو رجل من آل رسول محمد بن إدريس الشافعي، ثم قال ابن السبكي: «ولأجل ما في هذه الرواية الثانية من الزيادة (أي: زيادة من أهل بيتي) لا أستطيع أن أتكلم في المئين بعد الثانية فإنه لم يذكر فيها أحد من آل النبي - ﵇ -، ولكن هنا دقيقة وهي أنا لم نجد بعد المائة الثانية من هو بهذه المثابة ووجدنا جميع من قيل إنه المبعوث في رأس كل مائة سنة ممن تمذهب بمذهب الشافعي فعلمنا أنه (أي: الشافعي) الإمام المبعوث الذي استقر أمر الناس على قوله، وبعث بعده في رأس كل مائة سنة من يقرر مذهبه، ولهذا يتعين عندي تقديم ابن سريج في الثالثة على الأشعري، فإن الأشعري وإن كان أيضًا شافعي المذهب إلا أن قيامه كان للذب عن أصول العقائد دون فروعها، فكان ابن سريج أولى بهذه المرتبة لاسيما ووفاة الأشعري تأخرت عن رأس القرن إلى بعد العشرين، وعندي أنه لا يبعد أن يكون كل منهما مبعوثًا، هذا في فروع الدين وهذا في أصوله وكلاهما شافعي، وأما المائة الرابعة فقد قيل: إن الشيخ أبا حامد الإسفراييني هو المبعوث فيها، وقيل: بل
[ ١١٩ ]
الأستاذ سهل الصعلوكي وكلاهما من أئمة الشافعيين، قلت: والخامس الغزالي، والسادس فخر الدين الرازي، ويحتمل أن يكون الإمام الرافعي؛ لأن وفاته تأخرت إلى بعد العشرين وستمائة، والسابع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فهذا حاصل كلام ابن السبكي بعد تجريده من التطويل، وقد قفى جلال الدين السيوطي على أثر تاج الدين بن السبكي ورجا لنفسه أن يكون هو مجدد المائة التاسعة وكلاهما حجر واسعًا من نعمة الله فاحتكراها لعلماء الشافعية ولا أعجب من أسرار السبكي في مطاوي ذلك أن يومئ إلى أن الدين عنده هو مذهب الشافعي؛ إذ يقول: «ووجدنا جميع من قيل إن المبعوث في رأس كل مائة ممن تمذهب بمذهب الشافعي، فعلمنا أنه (أي: الشافعي) الإمام المبعوث الذي استقر أمر الناس على قوله وبعث بعده في رأس كل مائة سنة من يقرر مذهبه.
وإذ يقول في منظومة له نظم فيها المجددين على حسب اختياره:
هذا على أن المصيب أمامنا أجلى دليل واضح للمهتدي
فابن السبكي ظهر في مظهر التعصب المذهبي، وأتى بدليل مصنوع بيده فكان هو واضع الدعوى وواضع الدليل، وقد غفل عن أن هذا يعطل عليه وجود مجدد في المائة الأولى.
ثم إنا نرى معظم من عدهم السبكي مجددين لا يزيد معظمهم على أن كانوا مدونين مذهب الشافعي، وليس ذلك كافيًا في وصف المجدد، وأين معنى التجديد من معنى التدوين.