الأول: الشفاعة إلى الله في إراحة الأمم من هول الموقف بأن يعجل حسابهم.
[ ١٧٣ ]
وتسمى بالشفاعة العظمى؛ لأنها أعم أقسام الشفاعات، وهي من خصائص محمد - ﷺ - صريح حديث البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان.
الثاني: الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا من خصائص النبي - ﷺ - كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم.
الثالث: الشفاعة في قوم استوجبوا النار فيعتقهم الله منها.
الرابع: الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار بعد أن يعذبوا على ما اقتضاه حديث أنس وأبي هريرة وحذيفة في الصحيحين.
الخامس: الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة.
وإطلاق اسم الفاعل على القسم الأخير مجاز وتسامح، وإنما هي وساطة ووسيلة لزيادة النفع، في كلام عياض ما يدل على أن هذا القسم ليس من خصائص محمد - ﷺ -؛ إذ ورد في صحيح الآثار ما ظاهره أن الأنبياء والملائكة يشفعون هذه الشفاعة وبذلك جزم عياض في إكمال مسلم.
وأما بقية الأقسام فاختصاص رسول الله - ﷺ - بالقسم الأول الذي هو الشفاعة العظمى، وبالقسم الثاني وبالقسم الثالث ثبت بصحيح الآثار التي لا معارض لها من مثلها، وأما القسم الرابع فقد ورد في بعض صحيح الآثار أن الملائكة والأنبياء يشفعون، وبه جزم عياض في الإكمال أيضًا.
ولم يجب عياض عما تضمنه حديث الموطأ والصحيحين من اختصاص رسول الله - ﷺ - بالشفاعة على الإطلاق، ورأى أن يكون الجواب على مجاراة ما جزم به عياض ﵀، أن يكون محمل حديث الموطأ والصحيحين: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي » فذكر منها: «وأعطيت الشفاعة»، إما الشفاعة العظمى، فيكون التعريف للعهد أو للكمال، وإما على جنس الشفاعة بقيد تحقق إجابة شفاعته لما ورد في حديث الصحيحين عن جابر وأنس وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فأردت أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة».
وأما حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فهو يقتضي تخصيص الشفاعة بكونها لأهل الكبائر من المسلمين، فيتعين حمل هذا الحديث على أن المراد بالشفاعة فيه القسمان الثالث والرابع، وهما اللذان يتحقق فيهما معنى الشفاعة بمعناه اللغوي الأتم؛ لأنها شفاعة تتحقق بها النجاة من أثر الجناية نجاة مستمرة بخلاف
[ ١٧٤ ]
القسم الأول فإنها شفاعة لنجاة خاصة من آلام الموقف وبخلاف الخامس؛ إذ إطلاق الشفاعة عليه مجاز كما علمته.
والتحقيق عندي في شأن هذه الشفاعات أن ما ورد من الآثار مما ظاهره إثبات شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة أنها شفاعة مجازية؛ لأنها إما دعاء؛ كقول النبيين على الصراط: اللهم سلم سلم، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في الصحيحين، وإما شهادة وتعريض بالتشفيع؛ كقول المؤمنين الناجين في شأن المؤمنين الذين أدخلوا النار: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقول الله لهم: «أخرجوا من عرفتم»، فهذا إذن من الله لهم بعد شهادتهم كما اقتضاه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم، وإما تلقي إذن من الله تعالى، كما ورد أن الله يأمر الملائكة بإخراج من لا يشرك بالله شيئًا، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيحين، وعليه فما وقع في بعض روايات حديث أبي سعيد في صحيح مسلم، فيقول الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع النبيون» هو من باب المجاز، أي: وسطت الملائكة واستجيب دعاء النبيين بالسلامة وقبلت شهادة المؤمنين لأقوامهم بالإيمان والأعمال الصالحة، وعليه فحمل حديث الموطأ والصحيحين المصرح بأنه أعطي الشفاعة ولم يعطها أحد قبله أن يكون على ظاهره، ويدل لذلك أن حديث الصحيحين المروي عن أنس وأبي هريرة وحذيفة صريح في أن القسم الرابع من الشفاعات من خصائص النبي - ﷺ - لتفصى أفضل بقية الرسل منها.
وقد أنكر بعض أقسام الشفاعة طوائف من المبتدعة في الدين وأول من أنكر الشفاعة الخوارج في عصر الصحابة، ففي صحيح مسلم عن يزيد الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس، فممرنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث الناس عن رسول الله - ﷺ - فإذا هو قد ذكر الجهنميين (أي: أهل المعاصي الذين يخرجون من النار فيسميهم أهل الجنة الجهنميين) كما ورد في حديث عمران ابن حصين وانس بن مالك قال يزيد: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون، والله يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ويقول: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ
[ ١٧٥ ]
أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد يعني قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، قلت: نعم، قال: فإن مقام محمد المحمود الذي يخرج به من يخرج، ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، وإن إنكار الشفاعة مبني على أصلهم فإنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة مستوجب الخلود في النار إلا أن يتوب، فإن كان قد تاب فالشفاعة عبث؛ لأنها تحصيل حاصل وإن كان لم يتب فالشفاعة محال؛ لأنها لا تفيد المشفوع فيه شيئًا لوجوب خلوده في النار، وأدلتهم في ذلك ظواهر من القرآن تقتضي خلود مرتكب الكبيرة والإيمان إلى أنه كافر، وتلك الأدلة عندهم أقامت لهم أصلًا قاطعًا من أصول الاعتقاد في نظرهم واستدلوا على بطلان الشفاعة بالخصوص بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ فلذلك تأولوا الآيات التي تقضي وجود الشفاعة لمنافاتها للأصل القاطع، وقد كان حديث جابر هذا من أعظم الحجج على بطلان مقالة الخوارج، ولذلك لما حدث به عصابة يزيد الفقير التي عزمت على الخروج على الناس تبعًا للخوارج علمت تلك العصابة صدق ذلك الصحابي الشيخ، قال يزيد الفقير: فرجعنا فوالله ما خرج منا غير رجل واحد.
ووافقهم المعتزلة على ذلك مع اختلاف الدليل، وذلك أن المعتزلة يقولون بخلود مرتكب الكبيرة في النار إن لم يتب، ولا يجوزون المغفرة له؛ لأن الإحسان للمسيء والإساءة للمحسن قبيح يستحيل صدوره من الله تعالى، وتأولوا ما ورد في الشفاعة بأنها شفاعة لرفع الدرجات في الجنة.
ومذهبنا معاشر أهل السنة أن الشفاعة ثابتة وسبيلنا في ذلك أنها جائزة عقلًا، وأن الصفح عن بعض عقاب المذنب ليس بقبيح وأدلتنا السمعية واضحة من الكتاب والسنة، ومحمل آيات نفي الشفاعة على الكفار بقرينة قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨]؛ لأن اصطلاح القرآن في الظلم أنه الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩] ونظائر ذلك كثيرة.
واعلم أن الشفاعة التي ينكرها هؤلاء هي الأقسام الثاني والثالث والرابع
[ ١٧٦ ]
ولم ينكروا الشفاعة للإراحة من هول الموقف ولا الشفاعة لرفع الدرجات كما حققه عياض ﵀ في الإكمال.
* * *
[ ١٧٧ ]