الفصل الأول
أحكام الصيام أولا: حقيقة الصيام وحكمه.
ثانيا: من حكم فرضية الصيام.
ثالثا: فضائل الصيام.
رابعا: خصائص شهر رمضان.
خامسا: أحكام تتعلق بالصيام.
سادسا: أمور يفطر بها الصائم.
سابعا: أمور لا يفطر بها الصائم.
ثامنا: فضل قيام الليل.
تاسعا: فضل قيام رمضان.
عاشرا: فضل ليلة القدر.
[ ٥ ]
أولا: - حقيقة الصيام وحكمه هو الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح، وغيرها من المفطرات - بنية العبادة فريضة أو نافلة - من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١) .
فأباح سبحانه التمتع بهذه الأمور في ليل الصيام إلى الفجر، ثم أمر بالإمساك عنها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وقد جاء في السُنة الصحيحة عن النبي ﷺ ذكر أمور أخرى يفطر بها الصائم، غير تلك المذكورات في الآية، تأتي الإشارة إليها في موضعها - إن شاء الله - وألْحق أهل العلم بها أمورا من جنسها قياسا عليها لاتفاقها في العلة.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
[ ٧ ]
وصيام رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، ودليل فرضيته قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥] (١) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (٢) ولمسلم: «وصوم رمضان وحج البيت» (٣) . وأحاديث كثيرة بمعناه في الصحيحين، وغيرهما من دواوين الإسلام.
وأجمع المسلمون على فرضيته إجماعا قطعيا معلوما بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر وجوبه فقد كفر. فإن العلم
_________________
(١) سورة البقرة، الآيات ١٨٣-١٨٥.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٨) في الإيمان، باب: "قول النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس". ومسلم برقم (١٦) . في الإيمان، باب: "بيان أركان الإسلام. ." عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) أخرجه مسلم برقم (١٦) - ٢٢.
[ ٨ ]
بفرضيته من العلم العام، الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف.
ويجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر سالم من الموانع، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) وقوله ﷺ كما في الصحيحين وغيرهما: «صوموا لرؤيته - يعني الهلال - وأفطروا لرؤيته. . .» الحديث (٢) .
تذكير: يجب على المسلم أن يصوم رمضان إيمانا واحتسابا، لا رياء ولا سمعة ولا مجاملة لأحد، ولا موافقة لأهله، أو متابعة لمجتمعه.
فإن الصائم لا ينال ثواب الصيام؛ ولا تجتمع له فوائده إلا إذا كان الحامل له إيمانه، بأن الله تعالى فرضه عليه رحمة منه به وإحسانا إليه، واحتسب الأجر على صيامه عند ربه، الذي وعد به الصائمين. كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣) وقد قال تعالى:
_________________
(١) سورة البقرة: ١٨٥.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٩) في الصوم، باب: "إذا رأيتم الهلال فصوموا". ومسلم برقم (١٠٨١) في الصيام، باب: "وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال. عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري برقم (٣٨) في الإيمان، باب: "صوم رمضان إيمانا واحتسابا". ومسلم برقم (٧٦٠) في صلاة المسافرين وقصرها، باب: "الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح" عن أبي هريرة ﵁.
[ ٩ ]
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] (١) سواء كانت صوما أو غيره، والإحسان هو المتابعة والتأسي برسول الله ﷺ.
وكذلك يتعين على الصائم - فرضا أو نافلة - أن يصون صومه عما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال والوسائل التي تبطل الصيام، أو تقدح فيه أو تنقص ثوابه، فإن المقصود بالصيام هو طاعة الله تعالى، وتعظيم حرماته، وجهاد النفس على مخالفة الهوى في طاعته، وتعويدها الصبر على محابه وعن محارمه ابتغاء وجهه.
وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشراب وسائر الشهوات فقط، بل إنما شرع ترك هذه الأمور لأنها وسيلة توصل إلى ذلك، وتعين عليه، ولقطع الشواغل عنه والصوارف إلى ضده.
ولذا صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «الصيام جنة؛ فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (٢) . لذا ينبغي للصائم أن يحفظ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١١٢.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٤) في الصوم، باب: "هل يقول: إني صائم إذا شُتم؟ "، ومسلم برقم (١١٥١) في الصيام، باب: "فضل الصيام". . عن أبي هريرة.
[ ١٠ ]
صيامه، وأن يصون لسانه من جميع الكلام إلا ما ظهرت مصلحته، وترجحت فائدته. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت» (١) .
وقد كان السلف الصالح رحمة الله عليهم إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحتفظ صومنا ولا نغتاب أحدا، وذلك لأنه صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (٢) رواه البخاري.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والظمأ» (٣) .
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري برقم (٦٠١٨) في الأدب، باب: "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يؤذ جاره". ومسلم برقم (٤٧) في الإيمان، باب: "الحث على إكرام الجار. ." عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري برقم (٦٠١٩) ومسلم برقم (٤٨) عن أبي شُريح ﵁.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٣) في الصوم، باب: (من يدع قول الزور والعمل به". عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه ابن ماجه برقم (١٦٩٠) وأحمد في المسند (٢ / ٣٧٣، ٤٤١) والبيهقي (٤ / ٢٧٠) . وصححه السيوطي في الجامع الصغير، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١١ ]
وفي ذلك التحذير الشديد، والزجر الأكيد عن أن يعرض الصائم نفسه إلى ما قد يفسد صيامه، أو ينقص ثوابه من قول الزور والعمل به، كالكذب، والبهتان، والغيبة، والنميمة، والشتم، وفاحش القول، بل كل ما لا مصلحة فيه من الكلام فينبغي اجتنابه والحذر منه في كل زمان ومكان.
وإذا شَرُف الزمان كرمضان، أو المكان كمكة، فإن السيئات قد تعظم، كما أن الحسنات تتضاعف، وربما كسب المفرط من آثامه ما يفوق حسنات صيامه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ١٢ ]