تاسعا: فضل قيام رمضان فإذا تبين أن القيام من خصال الخير، وعظيم الأجر، وجزيل الأجر وأنه من خصال التقوى، التي فرض الله سبحانه الصيام لتحقيقها وتكميلها وتحصيل عواقبها الطيبة وآثارها المباركة، ظهر لك أن الصيام والقيام في رمضان متلازمان عند أهل الإيمان، فإن القيام في رمضان من الشعائر العظيمة التي سنها رسول الله ﷺ بقوله وفعله، ورغب فيها. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) .
وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في المسجد - من جوف الليل - فصلى بصلاته ناس من أصحابه ثلاث ليال. فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله - أي امتلأ من الناس - فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» (٢) . وذلك في رمضان.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٧) في الإيمان، باب: "قيام ليلة القدر من الإيمان". ومسلم برقم (٧٥٩) في صلاة المسافرين وقصرها، باب: "الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح".
(٢) أخرجه البخاري برقم (٩٢٤) و(٢٠١٢) في الجمعة، باب: "من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعدا. ومسلم برقم (٧٦١) في صلاة المسافرين وقصرها، باب: "الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح" عن عائشة ﵂. وفي الباب عن أبي حميد الساعدي والمسور بن مخرمة وغيرهم.
[ ٥٦ ]
وفي هذا الحديث شفقة النبي ﷺ على أمته. وفيه حرص الصحابة - ﵃ - على السنة، ورغبتهم في قيام الليل. وفي الصحيحين أيضا عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) . وهذا من أدلة فضل قيام رمضان، وخاصة العشر الأواخر منه - فإحياؤها من سنة النبي ﷺ - تحريا لليلة القدر، طلبا لما فيها من عظيم الأجر.
وقيام رمضان شامل للصلاة، في أوله وآخره، والتراويح من قيام رمضان، ففي السنن وغيرها عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (٢) . فينبغي الحرص عليها، والاعتناء بها، رغبة في الخير وطلبا للأجر، فيصلي المرء مع الإمام حتى ينصرف، ليحصل له أجر قيام ليلة.
وإن أحب أن يصلي من آخر الليل، ما كتب له - فله ذلك - ليفوز
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٨) .
(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٣٧٥) . والترمذي برقم (٨٠٦) والنسائي (٣ / ٨٣، ٨٤) رقم (١٣٦٣) والنسائي (٣ / ٢٠٢، ٢٠٣) رقم (١٦٠٤) . وابن ماجه برقم (١٣٢٧) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الأرناؤوط في تحقيق جامع الأصول (٦ / ١٢٠) رقم (٤٢٢٠): إسناده صحيح.
[ ٥٧ ]
بفضائل صلاة جوف الليل، فإنها - كما سبق - مشهودة مكتوبة يسمع فيها الدعاء ويستجاب، وتُقضى المسألة ويغفر الذنب، إلى غير ذلك مما جاء في فضل القيام.
فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» (١) . فلم يقيد الصلاة بعدد، فيصلي ما شاء الله، غير أنه لا يوتر إن كان أوتر مع الإمام أول الليل، لقوله ﷺ: «لا وتران في ليلة» (٢) .
والمقصود أن أوقات شهر رمضان أوقات شريفة مباركة، ينبغي للموفق أن يغتنمها في جليل القرب، والإلحاح على الله بالطلب لخيري الدنيا والآخرة، والتوفيق من الله، فإنه هو الرحمن المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٩٩٠) في الوتر، باب: "ما جاء في الوتر". ومسلم برقم (٧٤٩) و(٧٥٣) في صلاة المسافرين وقصرها، باب: "صلاة الليل مثنى مثنى". عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٤٣٩) والترمذي برقم (٤٧٠) والشافعي (٣ / ٢٢٩، ٢٣٠) رقم (١٦٧٨): عن طلق بن علي ﵁. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقد حسنه الحافظ في الفتح (٢ / ٣٩٩) . وقال الأرناؤوط في جامع الأصول (٦ / ٦٢) رقم (٤٦٦٥): حديث صحيح.
[ ٥٨ ]