ثالثا: فضائل الصيام الصوم عبادة من أجل العبادات، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركة لها آثارها العظيمة الكثيرة العاجلة والآجلة، من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب وحفظ الجوارح والحواس من الفتن والشرور، وتهذيب الأخلاق. وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعالي الدرجات ما لا يوصف.
وناهيك بعمل اختصه الله من بين سائر الأعمال فقال كما في الحديث القدسي الصحيح: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (١) رواه البخاري. فكفى بذلك تنبيها على شرفه، وعظم موقعه عند الله، مما يؤذن بعظم الأجر عليه.
فإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى نفسه الكريمة تنبيه على عظم أجر الصيام، وأنه يضاعف عليه الثواب، أعظم من سائر الأعمال، ولذلك أضيف إلى الله تعالى من غير اعتبار عدد؛ فدل على أنه عظيم كثير بلا حساب.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٤) في الصوم، باب: "هل يقول: إني صائم إذا شتم؟ ". ومسلم برقم (٢٧٠٠) - ١٦٣ في الصيام، باب: "فضل الصيام". من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٧ ]
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله ﷿: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (١) . فما ظنك بثواب عمل يجزي عليه الكريم الجواد بلا حساب: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] (٢) .
والإخلاص في الصيام أكثر من غيره؛ فإنه سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه غيره إذ بإمكان الصائم أن يأكل متخفيا عن الناس، فإذا حفظ صيامه عن المفطرات ومنقصات الأجر، دل ذلك على كمال إخلاصه لربه، وإحسانه العمل ابتغاء وجهه. ولذا يقول سبحانه في الحديث القدسي السابق: «يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» (٣) . فنبه سبحانه على وجهة اختصاصه به وبالجزاء عليه وهو الإخلاص.
والصيام جنة، يقي الصائم ما يضره من الشهوات، ويجنبه الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار، وتورثه الشقاء في
_________________
(١) سبق تخريجه صفحة (١٧) .
(٢) سورة يونس، الآية: ٥٨.
(٣) أخرجه البخاري برقم (١٩٨٤) في الصوم، باب: "فضل الصوم". ومسلم برقم (١١٥١) - ١٦٤. في الصيام، باب: "فضل الصوم". عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٨ ]
الدنيا والآخرة كما قال ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١) . ومعناه أن الصوم قامع لشهوة النكاح فيقي صاحبه عنت العزوبة ومخاطرها.
وقال ﷺ: «الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم» (٢) رواه البخاري.
وفي المسند عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الصيام جنة؛ يستجن بها العبد من النار» (٣) .
ومن فضائل الصوم، أنه من أسباب استجابة الدعاء، ولعل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٤) ما ينبه على الصلة الوثيقة بين الصيام وإجابة الدعاء.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٥٠٦٥) في النكاح، باب: "قول النبي ﷺ من استطاع. . . ". ومسلم برقم (١٤٠٠) . في النكاح، باب: "استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه. . . ". من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) سبق تخريجه ص (١٠) .
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣ / ٣٩٦) قال المنذري في الترغيب (٢ / ٨٣): رواه أحمد بإسناد حسن والبيهقي.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
[ ١٩ ]
ومن فضائل الصوم، أنه من أسباب تكفير الذنوب، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (١) .
وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة ﵁ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة؛ قال: " يكفر السنة الماضية والباقية ". وسئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: " يكفر السنة الماضية» (٢) .
ومن فضائل الصوم، أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة، لما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أي ربِّ؛ منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيشفعان» (٣) .
ومن فضائل الصوم، فرح الصائم بما يسره في العاجل
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٣٣) - ١٦) في الطهارة، باب: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة. . . . . ".
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم برقم (١١٦٢) - ١٩٧ في الصيام، باب: "استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. . . ".
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٢ / ١٧٤) والحاكم في المستدرك (١ / ٥٥٤) والبيهقي في مجمع الزوائد (٣ / ١٨١) . قال أحمد شاكر في تحقيق المسند (٦٦٢٧): إسناده صحيح.
[ ٢٠ ]
والآجل، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (١) . وهذا من الفرح المحمود لأنه فرح بفضل الله ورحمته، ولعل فرحه بفطره لأن الله منَّ عليه بالهداية إلى الصيام والإعانة عليه حتى أكمله، وبما أحله الله له من الطيبات التي يكسبها الصيام لذة وحلاوة لا توجد في غيره. ويفرح عند لقاء ربه حين يلقى الله راضيا عنه ويجد جزاءه عنده كاملا موفرا.
ومما ينبه على فضل الصيام، وطيب عاقبته في الآخرة قوله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٢) . وإنما كانت هذه الريح طيبة عند الله تعالى - مع أنها كريهة في الدنيا - لأنها ناشئة عن طاعته فهي محبوبة لديه.
ولعل في الحديث ما يشير إلى أن هذا الخلوف يفوح يوم القيامة من فم صاحبه أطيب من ريح المسك، حين يقف بين يدي ربه، مثله مثل الشهيد حين يأتي يوم القيامة، ففي الصحيح عن
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٤) في الصوم، باب: "هل يقول إني صائم إذا شتم؟ ". ومسلم برقم (١٥١١) - ١٦٤. في الصيام، باب: "فضل الصيام". عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٤) في الصوم، باب: "فضل الصوم". ومسلم برقم (١١٥١) - ١٦٢) . في الصيام، باب: "فضل الصوم". من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢١ ]
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، اللون لون دم والريح ريح مسك» (١) متفق عليه.
ومن فضائل الصيام، أن الله اختص أهله بابا من أبواب الجنة لا يدخل منه سواهم، فينادون منه يوم القيامة إكراما لهم، وإظهارا لشرفهم، كما في الصحيحين عن سهل بن سعد - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بابا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (٢) .
وانظر كيف يقابل عطش الصُّوام في الدنيا باب الريان، في يوم يكثر فيه العطشى؟ جعلنا الله ممن يشرب يوم القيامة شربة لا يظمأ بعدها أبدا بمنِّه وكرمه وجوده وفضله ورحمته، فإنه لطيف بعباده وهو أرحم الراحمين.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٧) في الوضوء، باب: "ما يقع من النجاسات في السمن والماء"، ومسلم برقم (١٨٧٦) في الإمارة، باب: "فضل الجهاد والخروج في سبيل الله". وهذا لفظ البخاري.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٦) في الصوم، باب: "الريان للصائمين". ومسلم برقم (١١٥٢) في الصيام، باب: "فضل الصيام".
[ ٢٢ ]