رابعا: خصائص شهر رمضان لما كان للصوم تلك الفضائل العظيمة والعواقب الكريمة؛ التي سبقت الإشارة إلى طرف منها، فرضه الله على عباده شهرا في السنة، وكتبه عليهم كما كتبه على الذين من قبلهم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (١) .
فجعل سبحانه صيام رمضان فريضة على كل مسلم ومسلمة، بشروطه المعتبرة، التي جاء بها الكتاب والسنة، فدل على أنه عبادة لا غنى للخلق عن التعبد بها، لما يترتب على أدائها من جليل المنافع وطيب العواقب، وما يحدثه من خير في النفوس، وقوة في الحق، وهجر للمنكر، وإعراض عن الباطل.
ومما اختص الله به شهر رمضان، ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» (٢) . رواه
_________________
(١) سورة البقرة الآية: ١٨٣.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٨) في الصوم. باب: "هل يقال رمضان أو شهر رمضان. . . . . ". واللفظ له. عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه مسلم برقم (١٠٨٠) في الصيام، باب: "فضل رمضان" بلفظ: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" عن أبي هريرة.
[ ٢٣ ]
البخاري.
وفيه أيضا عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (١) .
ولا يخفى ما في ذلك من تبشير المؤمنين بكثرة الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وما يتيسر لهم من أسباب الإعانة عليها والمضاعفة لها، وما جعله الله في رمضان من دواعي الزهد في المعاصي والإعراض عنها، وضعف كيد الشياطين وعدم تمكنهم مما يريدون.
ومن فضائل صوم رمضان، ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢) . فمن صام الشهر مؤمنا بفرضيته محتسبا لثوابه وأجره عند ربه، مجتهدا في تحري سنة نبيه ﷺ فيه فليبشر بالمغفرة.
وإذا كان ثواب الصيام يضاعف بلا اعتياد عدد معين، بل يؤتى الصائم أجره بغير حساب، فإن نفس عمل الصائم يضاعف في
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٩) في الصوم، باب: "هل يقال: رمضان أو شهر رمضان. . .؟ ". ومسلم برقم (٧٦٠) في صلاة المسافرين، باب: "الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح".
(٢) سبق تخريجه ص (٩) .
[ ٢٤ ]
رمضان، كما في حديث سلمان المرفوع وفيه: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه» (١) . فيجتمع للعبد في رمضان مضاعفة العمل ومضاعفة الجزاء عليه. ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] (٢) .
ومن فضائل رمضان، أن الملائكة تطلب من الله للصائمين ستر الذنوب ومحوها، كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال في الصوام: " وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا " (٣) رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة.
والملائكة خلق أطهار كرام؛ جديرون بأن يقبل الله دعاءهم، ويغفر لمن استغفروا له، والعباد خطاؤون محتاجون إلى التوبة والمغفرة كما في الحديث القدسي الصحيح، يقول الله تعالى:
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم (١٨٨٧) وانظر الدر المنثور للسيوطي (١ / ١٨٤) . وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد. قال أحمد بن حنبل ليس بالقوي، وقال ابن معين ضعيف.
(٢) سورة الدخان، الآية: ٥٧.
(٣) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢ / ٢٩٢) . قال أحمد شاكر (٧٩٠٤): إسناده ضعيف. لأن فيه هشام بن أبي هشام وهو ضعيف؛ بل متفق على ضعفه. قال البخاري في الصغير (١٩٤): يتكلمون فيه، وصرح بضعفه في الكبير (٤ / ٢ / ١٩٩)، وترجم له ابن سعد (٧ / ٢ / ٣٧) وضعفه. وقال أبو زرعة. ضعيف الحديث.
[ ٢٥ ]
«يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم» (١) . فإذا اجتمع للمؤمن استغفاره لنفسه واستغفار الملائكة له، فما أحراه بالفوز بأعلى المطالب وأكرم الغايات.
وهو شهر المواساة والإحسان، والله يحب المحسنين؛ وقد وعدهم بالمغفرة والجنة والفلاح.
والإحسان أعلى مراتب الإيمان، فلا تسأل عن منزلة من اتصف به في الجنة وما يلقاه من النعيم وألوان التكريم، ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] (٢) .
ويتيسر في هذا الشهر المبارك إطعام الطعام وتفطير الصوام، وذلك من أسباب مغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار، ومضاعفة الأجور، وورود حوض النبي ﷺ الذي من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. نسأل الله بمنه وجوده أن يوردنا إياه.
وإطعام الطعام من أسباب دخول الجنة دار السلام، ورمضان شهر تتوفر فيه للمسلمين أسباب الرحمة وموجبات المغفرة، ومقتضيات العتق من النار، فما أجزل العطايا من المولى الكريم
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٧٧) في البر والصلة، باب: "تحريم الظلم" عن أبي ذر ﵁.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ١٦.
[ ٢٦ ]
الغفار.
وهو شهر الذكر والدعاء وقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] (١) وقال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (٣) وقد قال تعالى في ثنايا آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٤) مما يدل على الارتباط بين الصيام والدعاء.
وفي شهر رمضان ليلة القدر التي قال الله في شأنها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٥) قال أهل العلم معنى ذلك: أن العمل فيها خير وأفضل من العمل في ألف شهر وهي ما يقارب ثلاثا وثمانين سنة خالية منها، وكفى بذلك تنويها بفضلها وشرفها، وعظم شأن العمل فيها لمن وفق لقيامها نسأل الله تعالى أن يوفقنا على الدوام لذلك بمنِّه وجوده.
وجاء في الصحيح عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا
_________________
(١) سورة الجمعة، الآية: ١٠.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
(٥) سورة القدر، الآية: ٣.
[ ٢٧ ]
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) . وهذا من فضائل قيامها، وكفى به ربحا وفوزا.
ومن خصائصه، فضل الصدقة فيه عنها في غيره، ففي الترمذي عن النبي ﷺ «سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: " صدقة في رمضان» (٢) .
وثبت في الصحيحين عن ابن عباس - ﵄ - قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن. وكان جبرائيل يلقاه كل ليلة من شهر رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة» . ورواه أحمد، وزاد: «ولا يسأل شيئا إلا أعطاه» (٣) . والجود: سعة العطاء بالصدقة وغيرها.
وفي زيادة جوده ﷺ في رمضان اغتنام لشرف الزمان، ومضاعفة العمل فيه والأجر عليه، فقد روي عنه ﷺ كما في
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٣٧) في الإيمان، باب: "تطوع قيام رمضان من الإيمان". ومسلم برقم (٧٥٩) في صلاة المسافرين، باب: "الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح". من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٦٦٣) والبيهقي (٤ / ٣٠٦) وانظر: إرواء الغليل للألباني (٣ / ٣٥٣) .
(٣) أخرجه البخاري برقم (٦) في بدء الوحي، باب: "٥". ومسلم برقم (٢٣٠٨) في الفضائل، باب: "كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير".
[ ٢٨ ]
حديث سلمان أنه قال في رمضان: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه» (١) . ولأن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا والوقاية من النار، ففي الحديث الصحيح: «الصوم جنة» (٢) . أي: وقاية من النار. وفي الصحيح أيضا قال ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (٣) .
ومن خصائص رمضان، أن العمرة فيه تعدل حجة، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (٤) . وفي رواية: «حجة معي» .
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٥) .
(٢) سبق تخريجه ص (١٠) .
(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري برقم (١٤١٧) . في الزكاة، باب: "اتقوا النار ولو بشق تمرة. . . . ". ومسلم برقم (١٠١٦) - ٦٨. في الزكاة، باب: "الحث على الصدقة".
(٤) أخرجه البخاري برقم (١٧٨٢) في الحج، باب: "عمرة في رمضان". ومسلم برقم (١٢٥٦) في الحج، باب: "فضل العمرة في رمضان". من حديث ابن عباس ﵁. وقوله "حجة معي". أخرجها البخاري برقم (١٨٦٣) ومسلم. برقم (١٢٥٦) - ٢٢٢. وقد روي الحديث أيضا عن جابر ﵁ أخرجه البخاري معلقا (١٨٦٣) . ووصله الإمام أحمد (٣ / ٣٥٣، ٣٦١، ٣٩٧) وابن ماجه برقم (٢٩٩٥) ورجاله ثقات.
[ ٢٩ ]
ومن خصائصه، أنه شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) فللقرآن فيه شأن في إصلاح القلوب والهداية للتي هي أقوم لمن تلاه وتدبره وسأل الله به، وكم جاء عن النبي ﷺ من بيان لفضل تلاوة القرآن لقوله ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٢) . وقوله ﷺ: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأهله يوم القيامة» (٣) . وقوله ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما» (٤) وقوله ﷺ: «خيركم من تعلم القران وعلّمه» (٥) . وكلها أحاديث صحيحة،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم برقم (٧٩٨) - ٢٤٤ في صلاة المسافرين وقصرها، باب: "فضل الماهر بالقرآن والذي ينتفع به". من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه مسلم برقم (٨٠٤) - ٢٥٢. في صلاة المسافرين وقصرها، باب: "فضل قراءة القرآن وسورة البقرة". عن أبي أمامة الباهلي ﵁.
(٤) أخرجه مسلم برقم (٨١٧) في صلاة المسافرين وقصرها، باب: "فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه". عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) أخرجه البخاري برقم (٥٠٢٧) في فضائل القرآن، باب: "خيركم من تعلم القرآن". قال الحافظ في الفتح (٨ / ٦٩٣): ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره. جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي، ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عنى ﷾ بقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، [فصلت: ٣٣] . والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها: تعليم القرآن، وهو أشرف الجميع، وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام، كما قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا [الأنعام: ١٥٧] . فإن قيل: فيلزم على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه؟ . قلنا: لا، لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس، لأنهم كانوا أهل اللسان، فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك، لا من كان قارئا أو مقرئا محضا لا يفهم شيئا من معاني ما يقرَؤهُ أو يقرئه.
[ ٣٠ ]
متضمنة لأعظم البشارات لتالي القرآن عن تفكر وتدبر، فكيف إذا كان في رمضان؟
جعلنا الله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
[ ٣١ ]