خامسا أحكام تتعلق بالصيام صوم المسافر: المسافر في رمضان يجوز له أن يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، سواء دخل عليه الشهر وهو في سفره أو سافر في أثنائه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) .
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: «كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (٢) . وثبت في السنن، أن من الصحابة من كان يفطر إذا فارق عامر قريته، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ.
فللمسافر أن يفطر ما دام في سفره ما لم يقصد بسفره التحايل على الفطر، فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام معاملة له بنقيض قصده، والجمهور على أن الشخص إذا قرر الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام فإنه يصوم لانقطاع أحكام السفر في حقه.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٧) في الصوم، باب: "لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضا في الصوم والإفطار". ومسلم برقم (١١١٨) في الصيام، باب: "الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر" عن أنس بن مالك ﵁.
[ ٣٢ ]
وقال بعض أهل العلم: الأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام أو الفطر لما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كانوا - يعني أصحاب رسول الله ﷺ - يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن» (١) .
ولما في سنن أبي داود عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: «يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأنا شاب فأجد بأن الصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون دينا علي، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أم أفطر؟ قال: "أي ذلك شئت يا حمزة» (٢) .
فإن شق عليه الصوم حَرُم عليه ولزمه الفطر لما في الصحيح «أن النبي ﷺ لما أفطر في سفره حين شق الصوم على الناس، قيل له: إن بعض الناس قد صام فقال النبي ﷺ: " أولئك العصاة، أولئك
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١١١٦) - ٩٦ في الصيام، باب: "جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر. . . ".
(٢) أخرجه أبو داود برقم (٢٤٠٣) . واللفظ له. وأخرجه النسائي برقم (٢٢٩٣، ٢٢٩٤) . وأخرجه مسلم برقم (١١٢١) بلفظ مختلف.
[ ٣٣ ]
العصاة» (١) .
ولما في الصحيحين عن جابر «أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصيام في السفر» (٢) .
وأما إذا تساوى الصوم والفطر بالنسبة له من حيث المشقة وعدمها، فالصوم أفضل اغتناما لشرف الزمن، ولأن صيامه مع الناس أنشط له وأسرع في براءة ذمته، ولأنه فعل النبي ﷺ في بعض أسفاره.
وذهب الإمام أحمد وجماعة من أهل العلم ﵏ إلى أن الفطر للمسافر أفضل، وإن لم يجهده الصوم أخذا بالرخصة. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣) وفي الحديث: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه " (٤) ولأنه آخر
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١١١٤) - ٩٠، ٩١. في الصيام، باب: "الصوم والفطر للمسافر" عن جابر بن عبد الله ﵁. وأخرجه البخاري بنحوه (١٩٤٨) في الصوم باب: "من أفطر في السفر ليراه الناس". عن ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٦) في الصوم، باب: "قول النبي ﷺ لمن ضلل عليه واشتد عليه الحر: "ليس من البر. . . " ومسلم برقم (١١١٥) في الصيام، باب: (الصوم والفطر في رمضان للمسافر".
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٢ / ١٠٨) عن ابن عمر ﵁. قال أحمد شاكر (٥٨٦٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٤) .
[ ٣٤ ]
الأمرين من النبي ﷺ ولما ثبت أن من الصحابة من يفطر إذا فارق عامر قريته، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ.