إذا وصل الحاج أو المعتمر إلى ميقاته يستحب له أن يغتسل، ويتطيب بما معه من جيد الطيب، وذلك كلُّه سنة، ثم يلبس ملابس الإحرام.
فإن كان لبسُه قرب صلاة الفريضة، صلاّها، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء، ثم بعد الصلاة، ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة، ويشرع له التلفظ بما نواه، فيقول: لبيك عمرةً، أو لبيك حجًا، أو لبيك حجًا وعمرةً، فإن كان خائفًا اشترط في إحرامه.
وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية، ويرفع الرجل بها صوته، والأفضل فيها ما ثبت عن رسول الله ﷺ: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". فإن كان حاجًا أو معتمرًا عن غيره قال: لبيك حجًا أو عمرةً
[ ٦١ ]
عن فلان.
والأفضل أن خرم متمتعًا، لاسيَّما من قدم مكة مبكرًا حيث يتمتع بالحل بين العمرة والحج، والتمتع هو: أن يحرم بالعمرة، ثم يفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه. ومما يدل على أفضلية التمتع، أن النبي ﷺ أمر أصحابه ﵃ لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل.
ولا يجوز للمحرم بعد نية الإحرام سواء كان ذكرًا أو أنثى أن يفعل شيئًا من محظورات الإحرام، وهي الممنوعات بسبب الإحرام، وهي: حلق الشعر من الرأس وإزالته بأي طريقة كانت، لقوله تعالى: ﴿ولاَ تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكذا إزالته من أي موضع كان من الجسد، ويجوز له أن يحك رأسه بيده برفق، فإن سقط منه شعر بلا تعمّد فلا شيء عليه، ولو نزل بعينه شعر فتأذى منه فله إزالته ولا شيء عليه.
[ ٦٢ ]
ولا يجوز له قص الأظفار من اليدين أو الرجلين، ويجوز للمحرم عقد الإزار وربطه بخيط ونحوه؛ لعدم الدليل المقتضى للمنع، ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه وثيابه، أو في مأكوله أو مشروبه، لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا "لا تلبسوا ثوبًا مسَّه الزعفران ولا الوَرْس" رواه البخارى.
كما لا يجوز للمحرم ذكرًا كان أو أنثى لبس القفازين، المعروفين بشرابي اليدين؛ لأنهما مصنوعان على هيئة أحد الأعضاء، كما يحرم عليه المباشرة بشهوه، كاللمس بشهوة، أو التقبيل، أو النظر بشهوه، أو المباشرة فيما دون الفرج، أو الاستنماء، ويحرم عليه الجماع، وهو أشد المحظورات إثمًا، وأعظمها تأثيرًا في النسك، قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
قال ابن عباس ﵄: الرفث الجماع.
[ ٦٣ ]
وللجماع حالان، فإن كان فبل التحلل الأول، ترتب عليه خمسة أمور، الإثم، وفساد النسك، ووجوب المضي فيه، ووجوب قضائه من العام القادم، والفدية، وهى بدنة، ينحرها ويوزعها على مساكين الحرم، أو في المكان الذي وقع فيه الجماع.
وإن كان الجماع بعد التحلل الأول، أي بعد الرمي والحلق، أثم وعليه الفدية، ويفسد إحرامه، وعليه الخروج إلى الحل، ليحرم بعد أن لبس ثيابه، ويطوف طواف الإفاضة محرمًا. ولا يجوز للمحرم عقد النكاح وليًا كان أو زوجًا، أو زوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة وقد قال ﵊: "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يخْطِبُ ولا يُنْكَحُ" رواه مسلم.
كما يحرم عليه قتل صيد البر المتوحش، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، وقوله جل شأنه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] .
[ ٦٤ ]
ويحرم عليه لبس المخيط، وهو كلّ ما خيط على قدر البدن، أو على جزء منه، أو عضو من أعضائه، كالقميص، والسروال، والعمامة، والجبة، والجور بين ونحو ذلك، ويجوز له أن يلبس الخاتم والنظارة والساعة ووعاء النفقة ونحو ذلك.
والمحرم ممنوع من تغطية رأسه بملاصق، كالطاقية والعمامة وما أشبههما، أما غير المتصل وغير الملاصق، كالخيمة، والشمسية، وسقف السيارة، فلا بأس به، كما يجوز له أن يغطي رأسه. مما لا يقصد به التغطية والستر، كحمل العفش والمتاع على رأسه، إذا لم يقصد بذلك تغطية رأسه.
ويحرم على المرأة أن تغطي وجهها على أي صفة كانت، فلا يجوز لها لبس البرقع أو النقاب، لقوله ﷺ: "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" رواه البخاري.
لكن إن مرّ بها رجال أجانب، وجب عليها ستر وجهها وتغطيته، ويباح لها سدل خمارها على وجهها،
[ ٦٥ ]
وإن مسّ وجهها فلا شيء عليها.
ومن ارتكب شيئًا من هذه المحظورات بلا عذر ولا حاجة فهو آثم وعليه الفدية، وإن فعله لحاجة فعليه الفدية ولا إثم عليه، وإن كان معذورًا لجهل أو نسيان أو إكراه، أو كان نائمًا فلا إثم عليه ولا فدية، لكن متى زال عذره فعلم بالمحظور أو ذكره، أو زال إكراهه، أو استيقظ من نومه، وجب عليه التخلي عنه.
فإذا وصل الحاج إلى مكة فالغسل مستحب له قبل الدخول، ثم يقصد المسجد الحرام، ويقدم رجله اليمنى، ويقول الذكر الوارد عند دخول المسجد، ثم يبدأ بالطواف، جاعلًا البيت عن يساره، ويقطع التلبية قبل شروعه في الطواف.
ويطوف سبعة أشواط، وإن شك في العدد بنى على اليقين، ويسن له أن يضطبع في طوافه هذا وهو طوافُ القدوم من أول الطواف إلى آخره؛ بأن يجعل
[ ٦٦ ]
وسطَ ردائه داخل إبطه الأيمن، وطرفيه على كتفه الأيسر، فإذا فرغ من الطواف أعاد الرداء إلى حالته قبل الطواف.
كما يستحبُ أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وهو أن يسرع في المشي ويقارب خطاه، فإذا أتم سبعة أشواط، صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم يسعى مبتدئًا بالصفا ومنتهيًا بالمروة، يفعل ذلك سبع مرات، ويركض ركضًا شديدًا بين العلمين، حتى إذا أكمل سبعة أشراط ذهابه من الصفا شوط، ورجوعه من المروة شوط تَمَّ سَعيهُ، ثم يحلق رأسه، وهو أفضل من التقصير، وإن قصر وترك الحلق للحج فحسن، وتُقَصِّرُ المرأة من شعرها بأن تأخذ من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل، ولا تزيد على ذلك.
فإذا فعل المحرم ذلك من: الطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، فقد تمت عمرته، وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا أن يكون ساق الهدي
[ ٦٧ ]
فإنه يبقى محرمًا.
وأما من أحرم مفردًا أو قارنًا، فيسن له أن يفسخ إحرامه إلى العمرة، ويفعل ما يفعله المتمتع، إلا أن يكون قد ساق الهدي، لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك وقال: "لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم"متفق عليه.
[ ٦٨ ]