خلق الله تعالى النفوس لعبادته، فإذا عرفت ذلك اجتهدت في أداء ما خُلقت له، وواظبت عليه، واستزادت منه. وارتاحت لعمله، ولكن من طبيعة هذه النفوس الفتور والملل، والخمول والكسل، والشيطان يعمل جاهدًا لتثبيطها، ويحرص على غوايتها وتضليلها، فتضعف عن أداء الواجبات، وتسأم من القيام بأعمال الطاعات.
والله تعالى لطيف بعباده، ورحيم بهم، يشرع لهم من العبادات ما يقوي عزائمهم، ومن المواسم ما يُنشّطُ نفوسهم، ويشحذُ عزائمهم وهممهم، فجعل لهم مواسمَ للعبادة وفضّلها، وخصّ بعض البلاد والأمكنة بفضائل ومزايا، فاختار من بقاع الأرض مكة، والمدينة، وجعل لهما خصائص امتازتا بها عن غيرهما من الأماكن.
ومن أعظم الخصائص التي انفردت بها مكةُ عما
[ ٢٣ ]
سواها، أن جعل الله تعالى فيها الكعبة مهوى أفئدةِ المسلمين، وقبلة المصلين، وفرضَ على عباده إحياء البيت الحرام بالحج، يجتمعون كل عام في مكة والمشاعر، لأداء هذه الفريضة.
وليس الحج من الشعائر الخاصة بهذه الأمة، بل يرجع تاريخ الحج إلى عهد نبي الله وخليله إبراهيم ﵇، فهو أول من بنى البيت على التحقيق، وأول من طاف به مع ولده إسماعيل ﵉، وهما اللذان سألا ربهما أن يريهما أعمال الحج ومناسكه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧- ١٢٨] .
فالله تعالى قد تعبّد ذرية إسماعيل بهذه المناسك، وبقيت في العرب إلى ظهور الإسلام.
[ ٢٤ ]
وحجُّ بيت الله الحرام هو الركن الخامسُ من أركان الإسلام، وهو فرضُ عين على كل مكلّف مستطيع. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
فهذه الآية نصٌّ في إثبات الفرضية، حيث جاء التعبير القرآني بصيغة الإيجاب والإلزام ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾، ومن تأمّل في الآية، وجد أنها أكدت تلك الفرضية، حيث قال جل شأنه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
فقد جعل مقابل الفرض الكفر، فدل هذا على أنَّ المسلمَ لا يترك هذا الواجب وهو قادرٌ عليه، وقد تظافرت النصوص الدالةُ على فرضية الحج، وكثرت حتى بلغت مبلغَ التواتر الذي يفيد اليقين، والعلم القطعيّ الجازم بثبوت هذه الفريضة.
فمنها الآية السابقة، وكذا قوله جل وعزّ:
[ ٢٥ ]
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ . [البقرة: ١٩٦] .
وقوله تعالى مخاطبًا خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨] .
روى الطبري بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: لما فَرَغَ إبراهيم من بناء البيت العتيق، قيل له: أَذِّنْ في الناس بالحج، قال: ربّ وما يبلغُ صوتي؟ قال: أَذِّنْ وعليَّ البلاغ، فقامَ إبراهيم خليل الله على الحجر، فنادى: يا أيها الناس، كُتِبَ عليكم الحج، فحجوا، فأسْمَعَ مَن في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابَه من آمن، ممن سَبَقَ في علمِ اللهِ أن يحجَّ إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "بُنيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
[ ٢٦ ]
محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصيامِ رمان، وحجِّ بيت الله الحرام".
وإنما يجب الحج مرةً واحدةً في عمر المسلم، إذا كان مستطيعًا قادرًا عليه، وهذا من رحمة الله وتيسيره على عباده.
وخطب رسول الله ﷺ في أصحابه يومًا فقال: "يا أيها الناس قد فُرِضَ عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: أكُلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: لو قلتُ: نعم لوجبت ولا ما استطعتم، الحج مرة فمن زاد فهو تطوّع، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هَلَك من كان قبلكم بكثرة سؤالهِم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" رواه مسلم.
ويجبُ على المستطيع أن يبادر إلى أداء الحج، قبل أن يعرضَ له شيءٌ يحول بينه وبين القيامِ بهذه الفريضة، فقد
[ ٢٧ ]
روى أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له".
وفي هذا حثٌّ على الإسراع في الذهاب إلى الحج خشية أن يطرأ له طارئ، أو يموت قبل أدائه.
فإذا أخّر الشخص الحجَّ بعد توفر كافة الشروط فيه، وكان مستطيعًا قادرًا يملك من المالى والنفقة ما يوصله إلى مكة وسائر المشاعر ويعيدُه إلى بلده، ففرّط في الذهاب أو سوَّف وتكاسل فإنه على خطر عظيم، وهو عاصي لله تعالى؛ إذ لم يلبّ نداء ربه، ولم يمتثل أمر رسوله ﵊.
وقد حذّر ﵊ من ذلك أشدّ التحذير، وبيّن عقوبة المتهاون في أداء الحج بعد استطاعته، فعن أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يمنعه من الحج حاجة، أو مرضٌ حابس، أو سلطان جائر، فليمت إن شاء
[ ٢٨ ]
يهوديًا وإن شاء نصرانيًا ". رواه الدارمي والدارقطني.
وعن عمر ﵁ قال: "لقد هممتُ أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كلَّ من كانت له جِدَةٌ ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين ". رواه البيهقى.
وقال علي ﵁: "من ملك زادًا وراحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ رواه الترمذي.
فأوضح هنا أن فعل المتخلّف عن الحج بلا عذر أشبه بفعل اليهود والنصارى، فإن نص الآية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فأفادت أن ترك الحج ليس من شأن المسلم.
فدل ذلك كلّه على عِظَمِ ذنبِ المتهاون، المعرض عن أداء هذا الركن الواجب عليه، وأنه بتأجيله له،
[ ٢٩ ]
وتهاونه به، مد وضَعَ نفسَه على شفا الهاويه، فإنه لا يأمن أن يوسوس له الشيطان، فينقلبُ ذلك التهاون إلى استباحة ترك فريضةٍ من فرائض الله، وركنٍ من أركان الإسلام، أو عدم المبالاة بها.
فعلى كل مسلمٍ بالغ مستطيع للحج أن يبادرَ إلى أداء الفريضة الواجبة عليه، قبل أن يعرض له أمر يمنعه من الحج: من مرض أو حاجة أو نحوهما، لاسيما وأن الحجَّ في هذا الزمان أصبح سهلًا ميسرًا، فالطرق مُسهّلة، والمشاعرُ مهيئة لأداء هذه الشعيرة العظيمة، فقد وفرت حكومة هذه البلاد- جزاها الله خيرًا- كلّ ما يحتاجه الحاج، وقدّمت وتقدّم سائر الخدمات والتسهيلات لضيوف الرحمن. تقبل الله من الجميع حجهم، وغفر لنا ولهم
[ ٣٠ ]