كلُّ مسلمٍ يتوق إلى الحج، ويشتاق إلى مكة ومشاعرها، والباعثُ له على الشوق إليها، هو الفهم والتحقق بأن البيت الذي يقصدُه هو الذي جَعَله الله تعالى مثابةً للعالمين، وأمنًا للخائفين، ومأوى للمذنبين والمقصّرين، يطلبون عنده العفو والمغفرة من رب العالمين، فهو يجذبُ قلوب المسلمين، يتعاقبون عليه من جميع البلدان، ويفدون إليه من كل مكان، أمر ﷾ خليله إبراهيم ﵊ بتطهيره للعابدين، وشرفه بإضافته إلى نفسه فقال وهو أصدق القائلين: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكفاه ذلك شرفًا وفخرًا.
فقاصدُ البيتِ العتيق قاصدٌ إلى الله تعالى، والوصولِ إليه تعالى بالعمل بالطاعات، والإقبال عليه في شتى الحالات، والتجردِ عن سائر المخلوقات،
[ ١٥ ]
والتوبة من كل الذنوب والسيئات، وهجر جميع المخالفات.
والمسلمُ كلّما ذكر ذنبه، جدد توبته، فهو دائم الأسف على ذنوبه، كثير الندم على تفريطه.
وحجُّ بيت الله الحرام من أعظم الأعمال التي تمحو الذنوب والسيئات، وتغسل الآثام الناتجة عن التقصير وكثرة الهفوات.
لكن ذلك لن يحصل ولن يتم إلا بأداء الحج على الوجه الصحيح، والنهج السليم الذي رسمه لنا رسول الله ﷺ، باقتفاء أثره، والاقتداء به في سائر أعماله، ومنها حجّه لبيت الله العتيق.
وقد قال ﵊ وهو يؤدي مناسك حجه، وينتقل من عمل إلى آخر: " لتأخذوا عني مناسككم "رواه مسلم.
فهو إن تابع رسوله ﵊ في كل أعماله، وتجنّب ما يسخط الله ﷻ، والتزم
[ ١٦ ]
بآداب الحج، فلم يؤذِ أحداٌ ولم يضيق عليه، وكفّ جوارحه عن العبث، وحفظها من أن تمتد إلى محرم، أو تكون سببًا في إيذاء أخيه الحاج، فَيرْجَى أن يكون من المقبولين، وأن يُكْتَبَ له الأجر العظيم.
وقد تضافرت النصوص الشرعية، التي بيّنت فضل الحج، وأظهرت مكانة هذه الشعيرة، وما يناله الحاج من الأجر الجزيل، والثواب الكبير عند الله تعالى.
قال جل وعز: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨] .
قال الطبري في تفسيره، قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي: منافع من العمل الذي يرضي الله تعالى، ومن التجارة، وذلك أن الله تعالى عمّ لهم
[ ١٧ ]
منافع جميع ما يشهد له الموسم، ولم يخصص من ذلك شيئًا من منافعهم.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ، أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهادُ في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌ مبرور".
وقال ﵊: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " متفق عليه.
ومعنى قوله: " ليس له جزاءٌ إلا الجنة ": أي: لا يقتصر فيه على تكفير بعض الذنوب، بل يبلغ به إلى الجنة.
والحج المبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل: المتَقَبَّل، وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث ولا فسوق.
وقال بعضهم: هو الذي لا معصية بعده.
[ ١٨ ]
قال الحسن البصري ﵀: الحج المبرور: أن ترجع زاهدًا ني الدنيا، راغبًا في الآخرة.
وقال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر، فإذا الصلاة تَجْهَدُ البدنَ، والصوم كذلك، والصدقة تجهدُ المال، والحج يَجهدُهما، فرأيته أفضلَ العبادات.
وروى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: " من حج لله فلم يرفُث ولم يفسُق رَجَعَ كيوم ولدته أمه" متفق عديه.
ومغفرة الذنوب بالحج، ودخولُ الجنة به، مُرَتَّبٌ على كون الحج مبرورًا.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإنما يكون مبرورًا باجتماع أمرين فيه:
الأول: الإتيانُ بأعمال البر، وذلك يشمل الإحسان إلى الناس، وقد روُي عنه ﵊ أنه سئل: ما برُّ الحج يا رسول الله؟ قال: "إطعامُ الطعام وإفشاءُ السلام ". رواه أحمد.
كما يشملُ فعل الطاعاتِ كلها، من ذكر الله
[ ١٩ ]
تعالى، والتلبية، والدعاء، وإراقة دماء الهدي، ونحو ذلك.
الثاني: ما يكملُ به برُّ الحج: اجتنابُ فعل الآثام من الرفث والفسوق والجدال والمعاصي، قال اللة تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
والرفث: هو الجماع. كما قاله ابن عباس، وابن عمر ﵃.
وقال بعضهم: هو اسم لكل لهو، وخَنىً وفجورٍ، وزور ومُجون.
والفسوقُ: هو المعاصي.
وأما الجدال: فهو المِرَاءُ والملاحاةُ حتى تُغضبَ صاحبَك وأخاك. قاله ابن عباس، وقال ابن عمر: هو السباب والمنازعة القبيحة.
ومما وَرَدَ في فضل الحج وعظيم أجره، ما رواه عمرو بن العاص ﵁، قال: "لما جعل الله
[ ٢٠ ]
الإسلام في قلبي، أتيتُ رسول الله ﷺ، فقلت: أبسُط يدَك لأبايعَك، قال: فبسط يمينه فقبضتُ يدي، فقال رسول الله ﷺ: مالك يا عمرو؟ قال: فقلت: أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يُغفر لي، فقال ﵊: يا عمرو: أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحجّ يهدم ما قبله "رواه مسلم.
وروى ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة " رواه أحمد والترمذي. والأحاديث الواردة في فضل الحج وثوابه كثيرة، وهي تبشّر كل من حج، والتزم بآداب الحج، وأتى به على الوجه الأكمل، تبشّره بالخير العظيم، والأجر الكريم، والثواب العميم، فالحاج عند قصد مكة
[ ٢١ ]
للحج، هَجَرَ الدنيا وشواغلها،- وتركها وراء ظهره ونسيها، واتجه إلى ربه يطلب عفوه ومغفرته، ووقفَ في- المشاعر متضرعًا إلى الله تعالى أن يتجاوز عنه، ويعتقه من النار، فاستجاب له.
وهو عند خروجه للحج، إنما يؤدي شكرَ نعمة الله تعالى عليه، حيث أفاضَ عليه من المال، ومتّعه بنعمة الصحة والعافية، وهما من أعظم آلاء الله تعالى، التي يتمتع بها الإنسان في هذه الدنيا، ففي الحج شكر لهاتين النعمتين العظيمتين، فهو يجهدُ نفسه، وينفق أمواله في سبيل الله تعالى، ويتقربُ إليه، فعندما عرف الله تعالى منه حسن النية، وسلامة المقصد، وصدق اللهجة، وصحة العبادة، كافأه على ذلك بالمغفرة والتجاوز عن الذنوب، واستجاب دعاءه، وأعانه حتى أدى مناسك حجه.
[ ٢٢ ]