الفرق بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية وجهل الكثيرين به الواجب على كل مسلم أن يميز الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، لأنه يخطئ فيه بعض المتعلمين، فضلًا عن العوام.
وذلك أن أولئك المخطئين فسروا كلمة (الإله) بالقادر على الاختراع، أو الخالق، أو المالك.
والحال أن الأمر ليس كذلك، بل الإله يطلق على كل معبود بحق أو باطل، ولهذا لما قال الرسول ﷺ لمشركي قريش. «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم» .
قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ - وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ - مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٥ - ٧]
وأما لفظ الجلالة، فلا يطلق إلَا على الله العظيم، فمشركو العرب كانوا أعرف بمعنى الإله من مشركي زماننا.
والبلية كل البلية، والجهل كل الجهل، أن الكثيرين ممن
[ ٣١ ]
ينطقون بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا يعرفون معنى هاتين الكلمتين!!
معنى لا إله إلّا الله فلو عرفوا أن معنى "لا إله إلّا الله ": أن لا معبود بحق في الوجود إلّا الله.
"فلا إله ": نفي لجميع المعبودات الباطلة.
"وإلا الله ": إثبات للمعبود الحق ﷻ.
لو عرفوا هذا المعنى، وعرفوا أن ما يأتون به لأوليائهم وسادتهم وقبور صالحيهم، من الذبح أو النذر لهم، أو التبرك بتراب قبورهم، أو الصلاة إليهم، أو الطواف بأضرحتهم، أو طلب المدد والعون منهم، تأليه لأولئك الصالحين، والإلهية لا تصلح إلا لله.
لعلموا أن هذا شرك أكبر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]
[ ٣٢ ]
معنى محمد رسول الله ولو عرفوا أن معنى " أشهد أن محمدًا رسول الله ": طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبدوا الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والباَع، وتدبروا قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]
وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]
وقوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» متفق عليه.
وقوله في الحديث الشريف: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح (١) .
_________________
(١) رواه مسلم من حديث عائشة﵂- والمتفق علبه "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أي مردود على صاحبه.
[ ٣٣ ]
بيان بعض البدع لعلموا أن كثيرًا من صلواتهم وأدعيتهم وأذكارهم وأحزابهم، (مما ابتدعه بعض المقلدين المتعصبين، أو المتصوفة الجاهلين) أنها من البدع والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، مثل الذكر بالاسم المفرد: (الله الله، أو: هو هو) .
ومثل حلق المريدين (اجتماعهم في حلقات) على غير سنة النبي ﷺ يتمايلون فيها ويرقصون ويرددون مثل هذه الأذكار.
وكصلاة الرغائب ومثل حزب البحر وأمثاله. وابتهالات وصلوات ومناجاة وإنشاد قصائد في مدح النبي ﷺ فوق المنائر قبل الفجر وفي ليلة الجمعة ويومها، وبعض صيغ صلوات على الرسول لم ترد السنة بها، بل واستغاثات به ﷺ تشركه مع الله، مثل قولهم: "اللهم صل على محمد طبِّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها ".
وكقولهم: اللهم صل على محمد الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتنال به الرغائب وتقضى به الحوائج. . . وغير ذلك مما لا يصلح إلا لله بنص الكتاب والسنة.
[ ٣٤ ]
قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقال لنبينا ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨] وقال ﷺ: «إلا شفاء إلا شفاؤك» . وقال لفاطمة: «إلا أملك لكِ من الله شيئًا» .
والصيغ الواردة في الصلاة على الرسول مدوّنة في كتب السنة، لا حاجة إلى الاختراع والابتداع في صيغها.
لأنْ الصلاة عليه ﷺ عبادة، والعبادة مبنية على التوقيف.
والشفاء والعافية بيد الله وحده، وبه وحده تنحلّ العقد وتنفرج الكرب وتنال الرغائب وتقضى الحوائج، سبحانه وبحمده لا إله غيره ولا رب سواه.
ومن الصيغ الواردة للصلاة عليه ﷺ ما رواه مسلم عن ابن نمير، عن روح بن عبادة، وعبد الله بن نافع الصائغ، أنهم «قالوا: يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: " اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".»
[ ٣٥ ]
وما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: «قلنا: يا رسول الله: هذا السلام عليك عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ " قال: " قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم ".»
شبهة للقبوريين وردها وإنما قلنا: يجب على المسلم أن يميز الفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، لأن الموحد إذا أنكر عليهم ما يأتون من أفانين العبادات، وأنواع التضرعات لتلك القبور، وقال لهم: إن عملكم هذا شرك، غضبوا وقالوا: كيف تصفنا بالشرك ونحن نشهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله هو الخالق الرازق المحي المميت، وبيده النفع والضر، وإليه المرجع والمصير؟ وغاية الأمر أننا نجعل هؤلاء الأنبياء أو الصلحاء شفعاء يشفعون لنا عند الله، لأننا ملطخون بأنجاس الذنوب، ليس لنا قدر حتى نطلب من الله أن يغفر ذنوبنا، أو يقضي حاجتنا، أو يدفع ضرنا، فنستشفع بهؤلاء ونجعلهم وسطاء بيننا وبين الله، لما
[ ٣٦ ]
نعلمه لهم من الجاه والمنزلة بمثابة الوزير عند الملك، فإن أفراد الرعية لا يستطيعون أن يصلوا إلى الملك إذا حل بهم ظلم أو كارثة، فيتوسلون بالوزير أو المقرب، ليشفع لهم عند الملك أو السلطان، أو الوزير ليقضي لهم حوائجهم أو يدفع عنهم الظلم.
فنقول في الجواب:
أولًا:
إن عقيدتكم هذه هي عقيدة المشركين بذاتها.
قال الله إخبارًا عن المشركين السالفين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]
وقال الله في آية أخرى إخبارًا عنهم: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]
فاعتقاد أولئك المشركين بأن الله خالقهم ورازقهم. . . إلخ لم ينفعهم، ولم يحقن دماءهم لأنهم عبدوا الأصنام ليقربوهم إلى الله، وليشفعوا لهم، ولم يعبدوها لأنها خالقة ورازقة أو مدبرة للأمور.
[ ٣٧ ]
وما الأصنام والأوثان إلا صور الصالحين وأضرحتهم ومقاماتهم كما تقدم من تفسير ابن عباس لآلهة قوم نوح.
تشبيه الخالق بالمخلوق إنكم بمقالتكم هذه تشبهون ملك يوم الذين الحكيم الخبير العليم المحيط بكل شيء ببعض الملوك من مخلوقاته المربوبة، لا حول لهم ولا قوة إلّا به.
الملك من البشر مهما بلغ من العلم والقوة فهو قاصر في علمه وقوته وعدله وحكمه، فهو محتاج إلى الوزير والمعين، فأين هو ممن ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] من: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] من: ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] بلا واسطة، لأنه قريب مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]
لا واسطة بين الخالق والمخلوق إلّا في تبليغ الشرائع وأي حاجة إلى واسطة والله يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]
[ ٣٨ ]
والواسطة للتبليغ هم الرسل عليهم الصلاة والسلام.
أما الواسطة في رفع ضر أو جلب نفع، فتلك عقيدة المشركين. كيف تكون واسطة بين العبد وربه، وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] لم يقل الله: ادعوا أوليائي، أو ادعرا أنبيائي، أو استغيثوا بأحبائي والصالحين من عبادي [أو تقربوا إلي بهم] .
بل قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]
وفي الحديث الشريف: «من لم يسأل الله يغضب عليه» .
لم يقل الرسول ﷺ: ادعوا الأنبياء حتى يطلبوا من الله لكم، أو توسلوا بالأنبياء والصالحين، بل قال عن الله: «ما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضت عليه» رواه البخاري.
[ ٣٩ ]