عدم ثبوت التوسل عن النبي وأصحابه ولذا لم يثبت التوسل عن الأنبياء بعضهم ببعض، كما لم يثبت التوسل عن الصحابة بالرسول ﷺ، ولم يثبت عن التابعين، ولا عن الأئمة الأربعة ولا غيرهم ممن يعتدً بهم، ولم يتوسلوا إلا بما يلي:
التوسل المشروع: التوسل المشروع ثلاثة أنواع: الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته. الثاني: التوسل بالإيمان وبالأعمال الصالحة. ولم يقع في هذين خلاف بين العلماء، سواء كان في حياة الرسول أو بعد موته.
الثالث: التوسل بدعائه ﷺ في حياته [ومثله التوسل بدعاء أي مسلم صالح له في حياته]، كما طلب الأعرابي من الرسول أن يستسقي لهم، وكما طلب الأعمى من الرسول أن يدعو له برد
[ ٤٠ ]
بصره- إن صح حديث الأعمى.
وكما طلبت الجارية السوداء من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يعافيها من الصرع، فخيرها الرسول بين الصبر وبين أن يدعو لها، فاختارت الصبر، وسألته أن يدعو الله لها ألّا تتكشف، فدعا لها.
وهذا التوسل بطلب دعاء النبي أو أحد الصالحين ينقطع بموته.
فلا يجوز لمسلم أن يأتي قبر رسول الله ﷺ، أو قبر أحد المسلمين الصالحين فيسأله المدد أو قضاء حاجة، أو غفران ذنب، أو كشف ضر أو شفاعة أو وساطة إلى الله.
والدليل على ذلك: أن في خلافة عمر بن الخطاب انقطع المطر وأراد عمر أن يستسقي، وطلب من العباس ﵁ أن يدعو الله لهم، فقال: "اللهم إنّا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك نبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" ثم قال: "قم يا عباس فادع الله" رواه البخاري.
فلو كان طلب دعاء الرسول بعد موته جائزًا، لما عدلت الصحابة عن الرسول إلى العباس بن عبد المطلب، وهذا من
[ ٤١ ]
الوضوح بمكان لا يخفى إلا على من أعماه التعصب والعناد، وسلك سبيل أهل والضلال والفساد.
ولزيادة الإيضاح والبيان، نورد لكم بعض أدعية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم وحدهم المعصومون من الخطأ: فهذا أبونا آدم، لما اقترف الخطيئة قال:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وأمّا ما رواه الحاكم عن توسل آدم بحق محمد ﷺ فقد قال عنه الذهبي إنه موضوع. . فلا حجة في موضوع.
كما أخبر الله عن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]
وقال الله مخبرًا عن أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
وعن يونس، لما التقمه الحوت: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]
[ ٤٢ ]
وعن زكريا: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠] وعن يوسف - ﵇-: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]
وأدعية الرسول ﷺ كثيرة مبثوثة في كتب السنة، وفي كتب الأذكار. فهل يستطيع أحد أن يأتي بحرف من القرآن، أو من السنة الصحيحة على مشروعية التوسل بالأنبياء أو بالصالحين، فضلًا عن الاستغاثة بأحد منهم على غير الوجه المشروع؟
وهنا فرق؛ فإن الاستغاثة بغير الله شرك لا ريب فيه. وأما التوسل فهو بدعة أدنى من الشرك.
ومن الأدلة على أن التوسل يكون بالأعمال الصالحة، ما جاء في الحديث عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فتوسل أحدهم ببر والديه، والثاني توسل بتعففه عن الزنى بعد أن جلس من المرأة مجلس الرجال من النساء، والثالث توسل تنمية أجر
[ ٤٣ ]
الأجير بعد أن ذهب وترك أجرته، ثم رجع بعد مدة طويلة وطلب أجرته فردها عليه فإذا هي مال كثير.
وأما احتجاجهم بآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] فالجواب عنه:
أن الوسيلة هنا معناها: التقرب إلى الله بأسمائه وصفاته، أو بعمل المتوسل أو بدعاء له من غيره لا كما يقول المبتدعون، أن نجعل الأنبياء والصالحين شفعاء ووسطاء، فلتراجع التفاسير.
إثبات الشفاعة للرسول ﷺ وأما احتجاجهم بثبوت الشفاعة لنبينا ﷺ، فالجواب:
لا ريب أن للرسول ﷺ شفاعات متعددة أعظمها: الشفاعة العظمى يوم القيامة لإراحة الناس من عناء الموقف العظيم، وهذه الشفاعة مخصوصة برسول الله ﷺ، وله شفاعة أخرى في إخراج بعض من دخل النار من الموحدين، وأخرى رفع درجات المؤمنين في الجنة، كلها في الآخرة.
ولكن اعتقادنا بثبوت الشفاعة له؛ لا يسوغ للمسلم اتكالًا على هذه الشفاعة أن يسأل رسول الله بعد موته شفاعته أو غفران
[ ٤٤ ]
ذنوبه كأن يقول: يا محمد اشفع لي، يا محمد اغفر لي ذنبي، أدركني، أستجير بك ممن ظلمني، أو أسألك يا محمد الشفاعة، فإن هذا كله لا يجوز، لقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] بل يقول: اللهم ارزقني شفاعة نبيك محمد، اللهم شفع في محمدًا. أو يقول: اللهم لا تحرمني من شفاعة محمد ﷺ.
فإذا لم يجز للإنسان أن يقول مخاطبًا الرسول ﷺ: اشفع لي، أو أغثني، أو أستجير بك. فأولى أن لا يجوز لغيره من الأولياء والصالحين. ولا يغتر بقول بعض الشعراء:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فإن هذا الكلام شرك وضلال، ولكن الله أعلم بقائله، هل مات على هذا أو تاب؟
[ ٤٥ ]
يقول: ما لي من ألوذ به، ونقول له:
لذ بالإله ولا تلذ بسواه من لاذ بالملك الجليل كفاه
ويقول ما معناه: إن من نعمة النبي ﷺ الدنيا والآخرة، وإن من علومه علم اللوح المحفوظ وعلم القلم مما كان ويكون.
ونقول له: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] و﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
الرد على حجج المبتدعين ليعلم القارئ أنه ليس في التوسل بالأموات حديث صحيح أو حسن، وكل ما يوردونه إما ضعيف أو موضوع:
١ - حديث الاحتجاج بتوسل آدم، فقد سبق الجواب عنه بأنه موضوع.
٢ - حديث: «اللهم إني أسألك بحق السائلين»، فإنه ضعيف قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، هذا إسناد مسلسل بالضعفاء، عطية وهو العوفي والفضيل بن مرزوق،
[ ٤٦ ]
والفضل بن الموفق، كلهم ضعفاء.
ومع أنهم اختلفوا في الفضيل بن مرزوق فضعفه ابن حبان والنسائي وأبو حاتم، ووثقه ابن معين، فإن الجرح مقدم على التعديل. على أننا لو سلمنا بصحة الحديث، فإن حق السائلين (بفضل الله ووعده) إجابتهم، فهو توسل صحيح شرعي بالعمل الصالح المشروع، وهو الدعاء والإجابة عليه من الله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]
٣ - حديث فاطمة بنت أسد ضعيف أيضًا، فإن فيه روح بن صالح المصري وهو ضعيف.
٤ - الاستغاثة في قوله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] استغاثة حي بحي فيما يقدر عليه، وليس في هذا خلاف. على أن فعل الرجل الإسرائيلي ليس بحجة، وإجابة موسى له وتقريره عليه ليس بحجة، لأن ذلك قبل أن يوحى إليه.
وسكوت الأنبياء قبل بعثتهم لا يدل على جواز المسكوت عنه. وبعد ذلك كله ليس هو في شريعتنا.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ [النساء: ٦٤] الآية.
[ ٤٧ ]
نزلت في واقعة معينة لا تفيد العموم بمعناها ولا لفظها، وقعت في حياته ﷺ، فمن أين أخذوا التعميم في الحياة والممات؟
ولو دلت على العموم في الحياة والممات لكانت مخصصة ومقصورة على الحياة، ودليل التخصيص الأخبار الشرعية الدالة على أن الأموات لا يسمعون ولا يجيبون، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]
وفي الحديث الذي رواه مسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به» .
ولأن الصحابة ومَن بعدهم ما فهموا شمولها للموت، ولذا لم يأت إلينا أنهم دعوه ﷺ بعد الموت، كما قد أتى إلينا أنهم سألوه الدعاء في حياته ﷺ وسألوا غيره الدعاء بعد موته.
٦ - أما قولهم: "لا فرق بين الأحياء والأموات في جواز التوسل والاستغاثة، وما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر، وقد ثبتت حياة الأنبياء في قبورهم، لأنهم أعلى مقامًا من الشهداء، فجازت الاستغاثة والتوسل بهم وبالشهداء، والأولياء.
[ ٤٨ ]
فالجواب: أن هذه المقالة مصادمة للقرآن صراحةً، لأن القرآن يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]
٧ - وقولهم: إن الأرواح تتصرف بعد مفارقة الأجسام لأنها حية. فكلام باطل لا دليل عليه من الوحي.
وأي تصرف لها؟ وهل يلزم من حياتها أن تكون قادرة مجيبة للمستغيثين والسائلين؟
ولو جاز لنا أن نستغيث بهؤلاء لأنهم أحياء، جاز لنا أن نستغيث بالملائكة الذين لا خلاف في حياتهم، وبالحور والولدان، لأنهم أحياء. سبحانك هذا بهتان عظيم! اللهم اهدنا واهدهم إلى صراط الحق والطريق المستقيم.
٨ - حديث: "إذا أعيتكم الأمور. . . " فإنه مكذوب ومن وضع الزنادقة الذين قصدوا إفساد الدين.
٩ - حديث: "توسلوا بجاهي " موضوع، لم يختلف في وضعه اثنان، ولذلك لم يعمل به مَن هو خير منا في القرون الثلاثة المفضلة.
[ ٤٩ ]
ولا ريب عند المسلمين جميعهم، أن لرسول اللُه ﷺ جاهًا عظيمًا ومقامًا محمودًا، وأنه أفضل الورى وخاتم الأنبياء والمرسلين.
ولكن هذا لا يسوغ لنا التوسل والاستغاثة به، وإن كان الأنبياء أحياءً في قبورهم حياة برزخية كاملة لا يعلمها إلا الله، لأن الحياة البرزخية لا تقاس بالحياة الدنيا، ولا تعطى أحكامها، فإذا جاز أن نسأله ﷺ في حياته الدعاء، بأن يطلب لنا من الله قضاء حاجة أو غفران ذنب، فلا يجوز بعد مماته أن نسأله قياسًا على حياته الدنيوية، لأن الله أمرنا بالأولى ولم يأمرنا بالثانية.
وأين هؤلاء من الآيات القرآنية التي تنادي بأن ليس لغير الله أمر أو تصرف، أو قدرة في دفع ضر، أو جلب نفع، سواء أكان نبيًا أم غيره، كقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢] وقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]
[ ٥٠ ]
إلى غير ذلك من الآيات التي فيها الخطاب للرسول ﷺ مبينًا أن الذي بيده النفع والضر هو الله وحده لا غير، وأن المعبودات من دون الله لا تغني شيئًا، وأن الرسول ﷺ مع أنه سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عن غيره.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ «أنه قال لما نزلت آية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
"يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني مناف، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار.
فإني لا أملك لكم من الله شيئًا» .
وفي رواية: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا،
[ ٥١ ]
يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا» .
وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] أي نخصك بالعبادة ولا نعبد سواك، ونستعين بك في أمور الدنيا والدين، ولا نستعين بأحد غيرك.
وحديث: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
لو تدبر هؤلاء المبتدعون تلك الآيات والأحاديث، وراجعوا تفاسير الأئمة المحققين لتلك الآيات، وشروح تلك الأحاديث؟ لعلموا أن توسلاتهم بالرسول، أو بالأنبياء والصالحين ليس لها أصل في الدين، [بل هي بدعة ضلالة] .
وأن الاستغاثة والاستعانة بهم من الشرك والكفر المبين.
_________________
(١) رواه الترمذي من حديث ابن عباس، الذي أوله: "قال كنت خلف النبي يومًا، فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك. إلخ ".
[ ٥٢ ]
٣ - توحيد الأسماء والصفات: وهو أن يعتقد العبد اعتقادًا جازمًا أن ما أخبر الله به في كتابه، من أوصافه العلى وأسمائه الحسنى، وكذا ما جاءت به الأحاديث الصحيحة من أسمائه وصفاته، هي حق كما يليق بجلال الله وعظمته وكبريائه. فمن تلك الصفات صفة الحي القيوم له ﷻ، فيثبت الصفة على حقيقتها وأنها لا تماثل صفة المخلوق كما قال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وصفة العلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
وصفة اللطيف والخبير. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]
وصفة الإرادة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]
والقدرة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]
[ ٥٣ ]
والسمع والبصر، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]
والكلام، لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
والرحمة، لقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]
وصفة الحب، لقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]
واليدين، لقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]
والوجه، لقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]
والاستواء على العرش، لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] والنزول، للحديث الصحيح: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، فينادي: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأترب عليه» .
إلى غير ذلك من الصفات التي لا نستطيع حصرها في عشرين صفة، وحصرها في عشرين أو أقل أو أكثر من مبتدعات الخلف. وإنما الواجب الأيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من صفات اللُه وأسمائه، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.
[ ٥٤ ]
والقول الشامل في هذا الباب، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ.
فمذهب السلف حق بين باطلين، بين باطل التمثيل وباطل التعطيل.
فالمشبه يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إله الأرض والسماء. والآية الجامعة لذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
فصدر الآية تنزيه لله عن مماثلة المخلوقات، وهي رد على المشبهة.
وآخر الآية إثبات صفتي السمع والبصر في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وهي رد على المعطلة.
فالسلف الصالح لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه. كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا يعطلونها.
فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين، فصفاته لا تشبه صفات المخلوقين.
[ ٥٥ ]
وإذا قلنا لله علم وللمخلوق علم، فلأن الله قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] وقال في حق المخلوق: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]
ولا شك أن علم الله ليس كعلم إسحاق ﵇.
ووصف نفسه بالرأفة والرحمة، فقال: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] وقال في حق الرسول ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فليست رحمة الله كرحمة المخلوق، ولا رأفته كرأفة المخلوق.
ووصف نفسه بالسمع والبصر، في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقال في حق المخلوق: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ونحن لا نشك أن كل ما في القرآن حق، فلله سمع وبصر.
[ ٥٦ ]
حقيقتان لائقتان بجلاله وكماله، كما أن للمخلوق سمعًا وبصرًا حقيقتين مناسبتين لحاله من فقره وفنائه.
وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق.
ووصف نفسه بالحياة، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ووصف بعض المخلوقين بالحياة. فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]
فليست حياة الخالق كحياة المخلوق.
وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال في حق المخلوق: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] فليس استواؤه كاستواء السفينة على الجودي تعالى الله وتنزه.
والحاصل، أننا لا نتعدى القرآن والحديث، ولا نؤول صفات الله الواردة في الوحيين بتأويلات الجهمية والمعتزلة القائلين: إن اليد بمعنى النعمة، والاستواء بمعنى الاستيلاء. والوجه بمعنى الذات، والرحمة بمعنى التفضل، ونزوله بمعنى نزول أمره أو رحمته، أو ملائكته، وما أشبه ذلك من التأويلات الفاسدة، النابعة من منابع الفلسفة والهوى.
[ ٥٧ ]
تلك التأويلات التي تؤول بالإنسان إلى الكفر، وتجعل الشريعة ألعوبة بأيدي المبطلين والهدامين، بحيث أنه لا يريد مبطل أن يهدم عقيدة أو حكمًا شرعيًا، إلا وأتى من باب التأويل.
[والوحي يقين، والرأي محتمل للخطأ، والعقول متفاوتة] .
وعلى اعتقاد ما وصف الله به نفسه، أو وصفه رسوله، بما أتى في القرآن والأحاديث الصحيحة من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، مضى عصر الرسول والصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة المعتبرين، كالإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبي داود، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم من المحدثين والفقهاء المعتبرين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، نسأل الله أن ينفعنا وينفع إخواننا المسلمين بهذه الرسالة، إنه سميع قريب مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
[ ٥٨ ]