١٢- حمل الجناة واتباعها.
٤٤ - ويجب حمل الجنازة واتباعها وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين وفي ذلك أحاديث أذكر اثنين منها:
الأول: صحيح قوله ﷺ:
"حق المسلم على المسلم وفي رواية: يجب للمسلم على أخيه خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس".
الثاني: قوله أيضا:
"عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة".
٤٥ - واتباعها على مرتبتين:
الأولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها.
والأخرى: اتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها.
وكل منهما فعل رسول الله ﷺ فروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: صحيح كنا مقدم النبي ﷺ يعني المدينة إذا حضر منا الميت آذنا النبي ﷺ فحضره واستغفر له حتى إذا قبض انصرف النبي ﷺ ومن معه حتى يدفن وربما طال حبس ذلك على النبي ﷺ فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي ﷺ بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس ففعلنا ذلك وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه فربما انصرف وربما مكث حتى يدفن الميت فكنا على ذلك حينا ثم قلنا لو لم يشخص النبي ﷺ وحملنا جنازتنا إليه حتى يصلي عليه عند بيته لكان ذلك أرفق به فكان ذلك الأمر إلى اليوم.
٤٦ - ولا شك في أن المرتبة الأخرى أفضل من الأولى لقوله ﷺ:
"من شهد الجنازة من بيتها وفي رواية: من اتبع جنازة مسلم إيمانا
[ ٣٨ ]
واحتسابا حتى يصلي عليه فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن وفي الرواية الأخرى: يفرغ منها فله قيراطان من الأجر. قيل: يا رسول الله وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". وفي الرواية الأخرى: كل قيراط مثل أحد.
٤٧ - وهذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء لنهي النبي ﷺ النساء عن اتباعها وهو نهي تنزيه فقد قالت أم عصية ﵂:
صحيح كنا ننهى وفي رواية: نهانا رسول الله ﷺ عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا.
٤٨ - ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة وقد جاء النص فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور وذلك في قوله ﷺ: "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار".
٤٩ - ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة لأنه بدعة ولقول قيس بن عباد:
كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز.
ولأن فيه تشبها بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.
وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفا حزينا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدا للكفار. والله المستعان.
قال النووي رحمه الله تعالى في الأذكار ص ٢٠٣:
واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيل.
[ ٣٩ ]
ابن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته يشير إلى قول قيس بن عباد. وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة والله المستعان
٥٠ - ويجب الإسراع في السير بها سيرا دون الرمل لقوله ﷺ:
"أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم".
قلت: ظاهر الأمر الوجوب وبه قال ابن حزم ٥ / ١٥٤ - ١٥٥ ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب فوقفنا عنده. وقال ابن القيم في زاد المعاد:
وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب: اليهود.
٥١ - ويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها على أن يكون قريبا منها إلا الراكب فيسير خلفها لقوله ﷺ:
"الراكب يسير خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها الطفل يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة".
٥٢ - وكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله ﷺ فعلا كما قال أنس بن مالك ﵁:
أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها.
٥٣ - ولكن الأفضل المشي خلفها لأنه مقتضى قوله ﷺ: "واتبعوا الجنائز". وما في معناه. ويؤيده قول علي ﵁:
[ ٤٠ ]
المشي خفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا.
٥٤ - ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراءها لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: "الراكب يسير خلف الجنازة. . .".
لكن الأفضل المشي لأنه المعهود عنه ﷺ ولم يرد أنه ركب معها بل قال ثوبان ﵁:
إن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما أنصرف أتي بدابة فركب فقيل له؟ فقال:
إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت.
٥٥ - وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا ومثله حديث جابر بن سمرة ﵁ قال:
صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ونحن شهود وفي رواية: خرج على جنازة ابن الدحداح ماشيا ثم أتي بفرس عري فعقله رجل فركبه حين انصرف فجعل يتوقص به١ ونحن نتبعه نسعى خلفه وفي رواية: حوله قال: فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ قال:
"كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح".
٥٦ - وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات فهذه الصورة لا تشرع البتة وذلك لأمور:
الأول: أنها من عادات الكفار وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها. وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا كنت استوعبتها وخرجتها في كتابي حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة. بعضها في الأمر والحض على مخالفتهم في
_________________
(١) ١ أي يثب ويقارب الخطو.
[ ٤١ ]
عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه.
الثاني: أنها بدعة في عبادة مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة وكل ما كان كذلك من المحدثات فهو ضلالة اتفاقا.
الثالث: أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها وهي تذكر الآخرة كما نص على ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ:
". . . واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة".
أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك فإنه مما لا يخفى على البصير أن حمل الميت على الأعناق ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن الذي حمل الأوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به بسبب تغلب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة.
الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة ٤٦ من هذا الفصل ذلك لأنه لا يستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها.
الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد مع ما عرف الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره.
٥٧ - والقيام لها منسوخ. وهو على نوعين:
أ - قيام الجالس إذا مرت به.
[ ٤٢ ]
ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الأرض.
والدليل على ذلك حديث علي ﵁:
قام رسول الله ﷺ للجنازة فقمنا ثم جلس فجلسنا. وفي لفظ: كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد. وفي آخر: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس.
ويستحب لمن حملها أن يتوضأ لقوله ﷺ:
"من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ".
[ ٤٣ ]