١٠٩- وتشرع تعزية أهل الميت١ وفيه حديثان:
الأول: عن قرة المزني ﵁ قال:
صحيح كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فقال له النبي ﷺ: تحبه فقال: يا رسول الله أحبك كما أحبه فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه ففقده النبي ﷺ فقال: ما لي لا أرى فلانا؟ فقالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه؟ فأخبره بأنه هلك فعزاه عليه ثم قال:
يا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك أولا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟
قال: يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها إلي لهو أحب إلي قال: فذاك لك.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله جعلني الله فداءك أله خاصة أو لكلنا؟ قال: "بل لكلكم".
الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"من عزى أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة"
قيل: يا رسول الله ما يحبر؟ قال: "يغبط".
_________________
(١) ١ وهي الحمل على الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت والمصاب.
[ ٧٠ ]
١١٠ - ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم ويكف من حزنهم ويحملهم على الرضا والصبر مما ثبت عنه ﷺ إن كان يعلمه ويستحضره وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخاف الشرع كقولهم أعطاك عمره وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن أسامة بن زيد قال:
أرسلت إلى رسول الله ﷺ بعض بناته: أن صبيا لها ابنا أو ابنة وفي رواية أميمة بنت زينب١ قد احتضرت فاشهدنا قال: فأرسل إليها يقرؤها السلام ويقول:
إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب. . الحديث.
قلت: وهذه الصغية من التعزية وإن وردت فيمن شارف الموت فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النص ولهذا قال النووي في الأذكار وغيره:
وهذا الحديث أحسن ما يعزى به
الثاني: قوله ﷺ للمرأة الأنصارية يعزيها بولدها: "أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك فأمرها بتقوى الله وبالصبر". فقالت: يا رسول الله ما لي لا أجزع ووإني امرأة رقوب لا ألد ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ: "الرقوب: الذي يبقى ولدها" ثم قال:
"ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة".
فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ: بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: واثنين.
_________________
(١) ١ قلت ثم عاشت أميمة هذه ويقال: أمامة حتى تزوجها علي بعد فاطمة ﵃.
[ ٧١ ]
الثالث:
قوله ﷺ حينما دخل على أم سلمة ﵂ عقب موت أبي سلمة:
"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه".
وقد مضى بتمامه في المسألة ١٧.
الرابع: قوله ﷺ في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه:
"اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه". قالها ثلاث مرات.
يأتي بتمامه في المسألة التالية.
١١١ - ولا تحد التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها فقد ثبت عنه ﷺ أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر ﵄ قال:
بعث رسول الله ﷺ جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال:
"فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة".
فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ثم أخذها عبد الله فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه،
وأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: "إن إخوانكم لقوا العدو وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل واستشهد ثم. . . ثم. . . ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه".
[ ٧٢ ]
فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال:
لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابني أخي قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: ادعوا لي الحلاق فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال:
أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي.
ثم أخذ بيدي فأشالها فقال:
"اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه. قالها ثلاث مرات".
قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح١ له. فقال:
العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟
١١٢ - وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما:
أ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد.
ب - اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء.
وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال:
كنا نعد وفي رواية: نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة.
قال النووي في المجموع ٥ / ٣٠٦:
وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها.
ونص الإمام الشافعي الذي أشار إليه النووي في كتاب الأم ١ / ٢٤٨:
_________________
(١) ١ أي تغمه وتحزنه من أفرحه إذا غمه وأزال عنه الفرح وأفرحه الدين أثقله.
[ ٧٣ ]
وأكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر.
كأنه يشير إلى حديث جرير هذا قال النووي:
واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث.
وكذا نص ابن الهمام في شرح الهداية ١ / ٤٧٣ على كراهة اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت وقال: وهي بدعة قبيحة وهو مذهب الحنابلة كما في الإنصاف ٢ / ٥٦٥.
١١٣ - وإنما السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم لحديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال:
لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ:
"اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم".
قال الإمام الشافعي في الأم ١ / ٢٤٧:
وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاما يشبعهم فإن ذلك سنة وذكر كريم وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا.
ثم ساق الحديث المذكور عن عبد الله بن جعفر.
١١٤ - ويستحب مسح رأس اليتيم وإكرامه لحديث عبد الله بن جعفر قال:
لو رأيتني وقثم وعبيد الله بن عباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي ﷺ على دابة فقال: ارفعوا هذا إلي قال: فحملني أمامه وقال: لقثم: ارفعوا هذا إلي فحمله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال:
[ ٧٤ ]
ثم مسح على رأسي ثلاثا وقال كلما مسح:
"اللهم اخلف جعفرا في ولده"
قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استشهد قال: قلت: والله أعلم ورسوله بالخير. قال: أجل.
ما ينتفع به الميت.
١١٥ - وينتفع الميت من عمل غيره بأمور:
أولا: دعاء المسلم له إذا توفرت فيه شروط القبول لقول الله ﵎:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وأما الأحاديث فهي كثيرة جدا وقد سبق بعضها ويأتي بعضها في زيارة القبور ودعاء النبي ﷺ لهم وأمره بذلك. ومنها قوله ﷺ:
"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل".
بل إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له كما تقدم بيانه.
ثانيا: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه وفيه أحاديث:
الأول: عن عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
وهو محمول على صيام النذر دون صيام رمضان وبيانه في الأصل.
الثاني: عن ابن عباس ﵁:
أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم
[ ٧٥ ]
شهرا فأنجاها الله ﷿ فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إما أختها أو ابنتها إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال:
"أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى". [ف] "اقضي عن أمك".
ثالثا: قضاء الدين عنه من أي شخص وليا كان أو غيره كما تقدم.
رابعا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء لأن الولد من سعيهما وكسبهما والله ﷿ يقول:؟ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى؟ وقال رسول الله ﷺ: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه".
ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه وهذه بعضها:
الأول: عن عائشة ﵂:
أن رجلا قال: إن أمي افتلتت نفسها١ ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها.
الثاني: عن عبد الله بن عمر:
أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ:
"إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك" وفي رواية: "فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك".
_________________
(١) ١ بضم المثناة وكسر اللام أي سلبت على ما لم يسم فاعله أي ماتت فجأة.
[ ٧٦ ]
خامسا: ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية لقوله ﵎:؟ ونكتب ما قدموا وآثارهم؟ وقوله ﷺ:
"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح١ يدعو له".
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال:
كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمارأو العباء متقليدي السيوف وليس عليهم أزر ولا شيء غيرها عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وصلى الظهر ثم صعد منبرا صغيرا ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه فقال:
أما بعد فإن الله أنزل في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من شعيره من صاع تمره حتى قال: ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة ولو بشق تمرة فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة من ورق وفي
_________________
(١) ١ قيد بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره وأما الوزر فلا يلحق بالوالد من سيئة ولده إذا كانت نيته في تحصيل الخير وإنما ذكر الدعاء له تحريضا على الدعاء لأبيه لا لأنه قيد لأن الأجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء أدعا لأبيه أم لا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء أدعا له من أكلها أم لم يدع وكذلك الأم. كذا في مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار لابن الملك.
[ ٧٧ ]
رواية: من ذهب
كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت فناولها رسول الله ﷺ وهو على منبره فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله فبضها رسول الله ﷺ ثم قام أبو بكر فأعطى ثم قام عمر فأعطى ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا ثم تتابع الناس في الصدقات فمن ذي دينار ومن ذي درهم ومن ذي ومن ذي حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ:
"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ومثل أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة في الإسلام سيئة كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". ثم تلى هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: فقسمه بينهم١.
زيارة القبور:
١١٦ - وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكرة الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب ﷾ كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى أو تزكيته والقطع له بالجنة ونحو ذلك وفيه أحاديث معروفة لا ضرورة لذكرها هنا فمن شاء راجعها في الأصل.
١١٧ - والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور لوجوه:
الأول: عموم قوله ﷺ: "فزوروا القبور" فيدخل فيه النساء وبيانه: أن النبي ﷺ لما نهى عن زيارة القبر في أول الأمر فإن مما لا شك فيه أن
_________________
(١) ١ قلت: ليتأمل القارئ الكريم في سياق الحديث والمناسبة التي قاله النبي ﷺ فيها يتبين له أن الاستدلال به على إثبات البدعة الحسنة في الإسلام أبعد ما يكون عن الصواب لأنه ليس في سياقه ذكر لبدعة وقعت فيه فكيف يصح تفسير الحديث بقولهم " من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة" كما يقول المبتدعة وهو ﷺ إنما قاله بمناسبة مجيء الأنصاري بصدقته قبل غيره ثم تتابع الناس بصدقاتهم من بعده فكان له أجر صدقته وأجر صدقاتهم لأنه الذي كان سنها وابتدأها في ذلك المجلس فالحديث في الصدقة المشروعة وليس في البدعة المذمومة ذما عاما وبذلك يتبين لكل ذي عينين أن الحديث لا يعارض قوله ﷺ:"كل بدعة ضلالة" وأنه لا يجوز أن نخصص به هذه الكلية التي كان ﷺ يعلمها الناس في مجتمعاتهم وبخاصة في خطبة يوم الجمعة.
[ ٧٨ ]
النهي كان شاملا للرجال والنساء معا فلما قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين فإذا كان الأمر كذلك كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: فزوروها إنما أراد به الجنسين أيضا.
ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في روايته: ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا.
أقول: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعا كما هو الشأن في الخطاب الأول: كنت نهيتكم فإذا قيل بأن الخطاب في قوله: فزوروها خاص بالرجال اختل نظام الكلام وذهبت طلاوته الأمر الذي لا يليق إلصاقه بمن أوتي جوامع الكلم ومن هو أفصح من نطق بالضاد ﷺ ويزيده تأييدا الوجوه الآتية:
الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة.
الثالث: أن النبي ﷺ قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂:
١- عن عبد الله بن أبي مليكة:
أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت: لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمرنا بزيارتها.
وفي رواية عنها: أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور.
٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني
[ ٧٩ ]
وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدت قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ؟ قلنا: بلى قالت:
لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب رويدا فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري١ ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت وأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلته فليس إلا أن أضجعت فدخل فقال: مالك يا عائش٢ حشيا٣ رابية؟ قالت: قلت: لا شيء يا رسول الله قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير قالت قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته الخبر قال: فأنت السواد الذي رأيته أمامي؟ قلت: نعم فلهزني في صدري لهزة٤ أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله قال: نعم.
قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم.
قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله ﷺ؟ قال قولي:
"السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون".
_________________
(١) ١ بغير باء التعدية بمعنى لبست إزاري فلهذا عدي بنفسه. ٢ يجوز في عائش فتح الشين وضمها وهما وجهان جاريان في كل المرخمات. ٣ بفتح المهملة وإسكان المعجمة معناه وقع عليك الحشا وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه من ارتفاع النفس وتواتره وقوله رابية أي مرتفعة البطن. ٤ اللهز: الضرب بجمع الكف في الصدر.
[ ٨٠ ]
١١٨ - لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها لأن ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة وتضييع الوقت في الكلام الفارغ كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإسلامية وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور:
"لعن رسول الله ﷺ وفي لفظ: لعن الله زوارات القبور".
قال القرطبي:
اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الأذن لهن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء.
قال الشوكاني في نيل الأوطار ٤ / ٩٥:
وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.
١١٩ - ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط لحديث أبي هريرة وغيره:
زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال:
استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.
والمقصود من زيارة القبور شيئان:
١- انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى وأن مآلهم إما إلى جنة وإما إلى نار وهو الغرض الأول من الزيارة كما يدل عليه ما سبق من الأحاديث.
٢ - نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه والدعاء والاستغفار له وهذا خاص بالمسلم وفيه أحاديث أذكر بعض صيغها:
[ ٨١ ]
الأول:
السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم وما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.
الثاني:
السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون.
الثالث:
السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع أسأل الله لنا ولكم العافية.
١٢٠ - وأما قراءة القرآن عند زيارتها فمما لا أصل له في السنة بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها إذ لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه لا سيما وقد سألته عائشة ﵂ - وهي من أحب الناس إليه ﷺ - عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول فكيف بالكتمان؟ ولو أنه ﷺ علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا فإذا لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع.
ومما يقوي عدم المشروعية قوله ﷺ:
"لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة" فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها كما أشار في
[ ٨٢ ]
الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا وهو قوله:
"صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا".
وترجم له البخاري بقوله: باب كراهية الصلاة في المقابر فأشار به إلى أنه يفيد كراهة الصلاة في المقابر فكذلك الحديث الذي قبله يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر ولا فرق ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور وهو قول الإمام أحمد فقال أبو داود في مسائله ص ١٥٨:
سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا
١٢١ - ويجوز رفع اليدين في الدعاء لها لحديث عائشة ﵁ قالت:
حسن خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه ثم انصرف فرجعت إلي بريرة فأخبرتني فلما أصبحت سألته فقلت: يا رسول الله أين خرجت الليلة؟ قال:
"بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم".
١٢٢ - ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها بل الكعبة لنهيه ﷺ عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها وقد قال ﷺ:
"الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
١٢٣ - وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه ولا يدعوه له بل يبشره بالنار كذلك أمر رسول الله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص قال:
جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان
[ ٨٣ ]
فأين هو؟ قال: في النار. فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ قال:
"حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار".
قال: فأسلم الأعرابي بعد فقال:
لقد كلفني رسول الله تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
١٢٤ - ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه لحديث بشير بن الحنظلية المتقدم. قال:
بينا أماشي رسول الله ﷺ أتى على قبور المسلمين فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال:
"يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتك".
فنظر فلما عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه فرمى بهما.
١٢٥ - ولا يشرع وضع الأس ونحوها من الرياحين والورود على القبور لأنه لم يكن من فعل السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه وقد قال ابن عمر ﵄:
"كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة".
ما يحرم عند القبور.
١٢٦ - ويحرم عند القبور ما يأتي:
١ - الذبح لوجه الله لقوله ﷺ:
"لا عقر في الإسلام" قال عبد الرزاق بن همام:
كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.
٢- رفعها زيادة على التراب الخارج منها.
٣ - طليها بالكلس ونحوه.
٤ - الكتابة عليها.
[ ٨٤ ]
٥ - البناء عليها.
٦ - القعود عليها.
وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابر ﵁ قال:
نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه أو يزاد عليه أو يكتب عليه.
الثاني:
عن أبي سعيد وهو الخدري:
أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر.
الثالث: عن أبي الهياج الأسدي قال:
قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا وفي رواية: صورة في بيت إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته.
الرابع: عن ثمامة بن شفي قال: خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم وكان عاملا لمعاوية على الدرب وفي رواية: غزونا أرض الروم وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الأنصاري فأصيب ابن عم لنا ب رودس١ فصلى عليه فضالة وقام على حفرته حتى واراه فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه وفي الرواية الأخرى: خففوا عنه٢ فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بتسوية القبور.
وظاهره تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقا وهذا غير مراد قطعا بدليل أن السنة الرفع قدر شبر كما مرت الإشارة إليه سابقا ويؤيد هذا من الحديث
_________________
(١) ١ جزيرة معروفة في البحر الأبيض المتوسط جنوب غرب تركيا. ٢ هي بمعنى الرواية التي قبلها إلا أن هذه عديت بالتشديد وتلك بالألف.
[ ٨٥ ]
نفسه قول فضالة خففوا أي التراب فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية وبهذا فسره العلماء. انظر المرقاة ٢ / ٣٧٢.
الخامس: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس" وفي رواية: "يطأ على قبر".
السادس: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي١ أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق".
السابع: عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها".
٧ - الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنفا.
وفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي وهو اختيار النووي فقال المناوي في فيض القدير شارحا للحديث:
أي مستقبلين إليها لما فيه من التعظيم البالغ لأنه من مرتبة المعبود فجمع - يعني الحديث بتمامه - بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم والتعظيم البليغ.
ثم قال في موضع آخر:
فإن ذلك مكروه فإن قصد إنسان التبرك في الصلاة في تلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله والمراد كراهة التنزيه قال النووي: كذا قال أصحابنا ولو قيل بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد. ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة فهو مكروه كراهة تحريم.
وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو إذا لم يقصد بالاستقبال تعظيم
_________________
(١) ١ أي وذلك أمر صعب شديد إن أمكن.
[ ٨٦ ]
القبور وإلا فهو شرك قال الشيخ علي القاري في المرقاة ٢ / ٣٧٢ في شرحه لهذا الحديث:
ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم فالتشبه به مكروه وينبغي أن يكون كراهة تحريم وفي معناه بل أولى منه: الجنازة الموضوعة وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها.
٨ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال وفيه أحاديث:
الأول: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".
الثاني: عن أنس:
"أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بين القبور".
الثالث: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا".
الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
٩ - بناء المساجد عليها.
وفيه أحاديث أذكر بعضها:
الأول: عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا:
لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك:
لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثل ما صنعوا.
[ ٨٧ ]
قالت في رواية: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.
الثاني: قوله ﷺ:
"اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
الثالث: عن جندب قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: "قد كان لي فيكم أخوة وأصدقاء وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".
الرابع: عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد".
الخامس: عن عائشة قالت:
لما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها. فقال النبي ﷺ:
"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".
والاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل عدة أمور:
الأول: الصلاة إلى القبور مستقبلا لها.
الثاني: السجود على القبور.
الثالث: بناء المساجد عليها.
[ ٨٨ ]
والمعنى الثاني ظاهر من الاتخاذ والآخران مع دخولهما فيه فقد جاء النص عليهما في بعض الأحاديث المتقدمة وفصلت القول في ذلك وأوردت أقوال العملاء مستشهدا بها في كتابنا الخاص تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد. وذكرت في تاريخ إدخال القبر النبوي في المسجد الشريف وما فيه من المخالفة للأحاديث المتقدمة وأن الصلاة مع ذلك لا تكره فيه خاصة فمن شاء بسط القول في ذلك كله فليرجع إليه.
١٠ - اتخاذها عيدا تقصد في أوقات معينة ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
"لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني".
١١ - السفر إليها:
وفيه أحاديث:
الأول:
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
"لا تشد الرحال إلا وفي رواية: إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى".
الثاني: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"لا تشد وفي لفظ: لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى".
الثالث: عن أبي بصرة الغفاري أنه لقي أبا هريرة وهو جاء فقال: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الطور صليت فيه قال: أما إني لو أدركتك لم تذهب إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".
[ ٨٩ ]
الرابع: عن قزعة قال:
أردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر فقال: أما علمت أن النبي ﷺ قال:
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى".
ودع عنك الطور فلا تأته.
١٢ - إيقاد السرج عندها.
والدليل على ذلك عدة أمور:
أولا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح وقد قال ﷺ: "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه بسند صحيح.
ثانيا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص كما تقدم في المسألة ٤٢.
ثالثا: أن فيه تشبها بالمجوس عباد النار قال ابن حجر الفقيه في الزواجر ١ / ١٣٤:
صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر وعللوه بالإسراف وإضاعة المال والتشبه بالمجوس فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة.
قلت: ولم يورد بالإضافة إلى ما ذكر من التعليل دليلنا الأول مع أنه دليل وارد بل لعله أقوى الأدلة لأن الذين يوقدون السرج على القبور إنما يقصدون بذلك التقرب إلى الله تعالى - زعموا - ولا يقصدون الإنارة على المقيم أو الزائر بدليل إيقادهم إياها والشمس طالعة في رابعة النهار فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة.
١٣ - كسر عظامها.
[ ٩٠ ]
والدليل عليه قوله ﷺ: "إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسره حيا".
والحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن ولهذا جاء في كتب الحنابلة:
ويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته وإحراقه ولو أوصى به.
كذا في كشاف القناع ٢ / ١٢٧ ونحو ذلك في سائر المذاهب بل جزم ابن حجر الفقيه في الزواجر ١ / ١٣٤ بأنه من الكبائر قال:
لما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحي.
وقال النووي في المجموع ٥ / ٣٠٣ ما مختصره:
ولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق في المسألة ١٠٧ ومختصره:
أنه يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار ترابا وحينئذ يجوز دفن غيره فيه ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم وغيره ويخلف ذلك باختلاف البلاد والأرض ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها.
قلت: ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الإسلامية من درس بعض المقابر الإسلامية ونبشها من أجل التنظيم العمراني دون أي مبالاة بحرمتها أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك. ولا يتوهمن أحد أن التنظيم المشار إليه يبرر مثل هذه المخالفات كلا فإنه ليس من الضروريات وإنما هي من الكماليات التي لا يجوز بمثلها الاعتداء على الأموات فعلى الأحياء أن ينظموا أمورهم دون أن يؤذوا موتاهم.
ومن العجائب التي تلفت النظر أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار.
[ ٩١ ]
والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامه للأموات أنفسهم فإنه لو وقف في طيق التنظيم المزعوم بعض هذه الأبنية من القباب أو الكنائس أو نحوها تركتها على حالها وعدلت من أجلها خارطة التنظيم إبقاء عليها لأنهم يعتبرونها من الآثار القديمة وأما قبور الموتى أنفسهم فلا تستحق عندهم ذلك التعديل بل إن بعض تلك الحكومات لتسعى - فيما علمنا - إلى جعل القبور خارج البلدة والمنع من الدفن في القبور القديمة وهذه مخالفة أخرى في نظري لأنها تفوت على المسلمين سنة زيارة القبور لأنه ليس من السهل على عامة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إليها ويقوم بزيارتها والدعاء لها.
والحامل على هذه المخالفات - فيما أعتقد - إنما هو التقليد الأعمى لأوروبا المادية الكافرة التي تريد أن تقضي على كل مظهر من مظاهر الإيمان بالآخرة وكل ما يذكر بها وليس هو مراعاة القواعد الصحية كما يزعمون ولو كان ذلك صحيحا لبادروا إلى محاربة الأسباب التي لا يشك عاقل في ضررها مثل بيع الخمور وشربها والفسق والفجور على اختلاف أشكاله وأسمائه فعدم اهتمامهم بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة وسعيهم إلى إزالة كل ما يذكر بالآخرة وإبعادها عن أعينهم أكبر دليل على أن القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون وما تكنه صدورهم أكبر.
٢ - أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين لإضافة العظم إلى المؤمن في قوله:
عظم المؤمن. فأفاد أن عظم الكافر ليس كذلك وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ في الفتح بقوله:
يستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته١.
ومن ذلك يعرف الجواب عن السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من الطلاب في كليات الطب وهو: هل يجوز كسر العظام لفحصها وإجراء التحريات الطبية فيها؟
_________________
(١) ١ ذكره في الفيض ٤/٥٥١.
[ ٩٢ ]
والجواب: لا يجوز ذلك في عظام المؤمن ويجوز في غيرها ويؤديه ما يأتي في المسألة التالية:
١٢٧ - ويجوز نبش قبور الكفار لأنه لا حرمة لها كما دل عليه مفهوم الحديث السابق ويشهد له حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
قدم النبي ﷺ فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ من بني النجار حوله حتى أتى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وكان أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال:
"يا بني النجار ثامنوني بحائطم هذا".
قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله
قال: فكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعل عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول: وهو ينق اللبن:
هذا الحمال١ لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
وفي رواية من حديث عائشة ﵂:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
_________________
(١) ١ بالكسر من الحمل والذي يحمل من خيبر التمر أي أن هذا في الآخرة أفضل من ذاك وأحمد عاقبة كأنه جمع حمل بكسر الميم أو حمل بفتح الميم ويجوز أن يكون مصدر حمل أو حامل كما في النهاية.
[ ٩٣ ]
الحافظ في الفتح:
وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها.
وهذا آخر ما يسر الله ﵎ من تلخيص أحكام الجنائز سائلا المولى ﷿ أن يحيينا حياة طيبة وأن يميتنا مؤمنين وأن يلحقنا بالصالحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٩٤ ]