لقد جرى كثير من المؤلفين ولا سيما في العصر الحاضر على اختلاف مذاهبهم واختصاصاتهم على رواية الأحاديث المنسوبة إلى النبي ﷺ دون أن ينبهوا على الضعيفة منها جهلا منهم بالسنة أو رغبة أو كسلا منهم عن الرجوع إلى كتب المتخصصين فيها وبعض هؤلاء - أعني المتخصصين - يتساهلون في ذلك في أحاديث فضائل الأعمال خاصة!
قال أبو شامة١:
"وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ بل ينبغي أن يبين أمره إن علم وإلا دخل تحت الوعيد في قوله ﷺ: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" رواه مسلم.
هذا حكم من سكت عن الأحاديث الضعيفة في الفضائل! فكيف إذا
_________________
(١) ١ في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" ص ٥٤.
[ ٣٢ ]
كانت في الأحكام ونحوها؟
واعلم أن من يفعل ذلك فهو أحد رجلين:
١ - إما أن يعرف ضعف تلك الأحاديث ولا ينبه على ضعفها فهو غاش للمسلمين وداخل حتما في الوعيد المذكور. قال ابن حبان في كتابه "الضعفاء" ١ / ٧ - ٨:
"في هذا الخبر دليل على أن المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي مما تقول عليه وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبين على أن ظاهر الخبر ما هو أشد قال ﷺ: "من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب " - ولم يقل:
إنه تيقن أنه كذب - فكل شاك فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر"
ونقله ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" ص ١٦٥ - ١٦٦ وأقره.
٢ - وإما أن لا يعرف ضعفها فهو آثم أيضا لإقدامه على نسبتها إليه ﷺ" دون علم وقد قال ﷺ: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"١ فله حظ من إثم الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلملأنه قد أشار ﷺ أن من حدث بكل ما سمعه - ومثله من كتبه - أنه واقع في الكذب عليه ﷺ محالة فكان بسبب ذلك أحد الكاذبين. الأول: الذي افتراه والآخر: هذا الذي نشره قال ابن حبان أيضا ١ / ٩:
" في هذا الخبر زجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم علم اليقين صحته".
_________________
(١) ١ رواه مسلم رقم: ٥ في مقدمة "صحيحه" وهو مخرج في "الصحيحة" ٢٠٥.
[ ٣٣ ]
وقد صرح النووي بأن من لا يعرف ضعف الحديث لا يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن عارفا١وراجع "التمهيد" في مقدمة الضيفة ص ١٠ – ١٢.
_________________
(١) ١ راجع "قواعد التحديث".
[ ٣٤ ]