من تمهيد
قوله تحت عنوان: عموم الرسالة: "وفي البخاري من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: "إن هذا الدين يسر " ".
قلت: فيه أمران:
الأول: أن الحديث ليس من حديث أبي سعيد الخدري لا عند البخاري ولا عند غيره. وإنما هو من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. وفي طبعة دار الكتاب العربي: "أبي سعيد المقبري" فهو خطأ آخر فإنه من حديث ابنه سعيد عن أبي هريرة انظر "فتح الباري" ١ / ٩٤.
والآخر: أن البخاري إنما رواه في "الإيمان" بلفظ: "إن الدين يسر " دون زيادة: "هذا". وإنما رواه بهذه الزيادة النسائي في "الإيمان" أيضا. وكذلك رواه ابن حبان وإسناده أصح كما بينه الحافظ في "الفتح" وله شواهد عنده منها عن بريدة وهو مخرج في "ظلال الجنة في تخريج كتاب السنة" ٩٥ – ٩٧.
[ ٤٣ ]
قوله: وروي مرفوعا: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة".
قلت: من المقرر عند المحدثين أن تصدير الحديث بصيغة "روي" إنما هو إشارة إلى أن الحديث ضعيف وعليه جرى المنذري في "الترغيب" كما سبق بيانه في قواعد الكتاب وما أعتقد إلا أن المؤلف حفظه الله تعالى يعلم هذا المقرر ويذكره١ وعليه نستطيع أن نقول: إنه يذهب إلى أن الحديث ضعيف وليس كذلك بل هو حديث حسن وكان يلزم المؤلف أن يحسن إسناده لأن الحافظ صرح بتحسينه في "الفتح" فلعله لم يقف عليه فإن قيل: لعل المؤلف وقف عليه ولم يره صوابا لأن الحديث من رواية محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه؟.
قلت: هذا الجواب صحيح في الواقع ولكن عهدي بالمؤلف أنه يقدم رأي الحافظ على ما يقتضيه علم أصول الحديث علمت هذا منه حين كان ينشر فصول كتابه هذا في مجلة "الإخوان المسلمون المصرية فنشرت فيها ردا على مقال له احتج فيه بحديث علي الآتي في "ما يحرم على الجنب" بلفظ: "كان لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة" وقد بينت في الرد المشار إليه ضعف هذا الحديث حسبما يقتضيه علم الأصول فكتب فيها ردا علي خلاصته أن الحديث حسنه الحافظ ابن حجر فكتبت ردا آخر عليه خلاصته أن الجواب ليس على قواعد علم الحديث بل هو مجرد تقليد لا يفيد ولا ينفق في باب المناظرة ولكن المجلة لأمر ما لم تنشر ردي هذا ولذلك فإني ألزم المؤلف - حفظه الله تعالى - أن يحسن الحديث بالطريقين: التقليد والبحث حسب القواعد
أما الأول فقد وضح مما سلف وهو تحسين الحافظ لإسناده
_________________
(١) ١ ثم تبين لي بعد التتبع أنه لم يراع هذه القاعدة فكثيرا ما يصدر ما يصححه بقوله: "روي" فانظر مثلا ص ١٢١.
[ ٤٤ ]
وأما الآخر: فهو أن الحديث حسن لغيره لأن له شاهدا من حديث أبي قلابة الجرمي مرسلا بلفظ: "يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية مرتين أو ثلاثة لأن أحب الدين عند الله الحنيفية السمحة".
أخرجه ابن سعد في "الطبقات" ج ٣ ق ١ ص ٢٨٧.
ثم وجدت له شاهدا آخر من رواية عبد العزيز بن مروان بن الحكم مرسلا أخرجه أحمد في "الزهد" ص ٢٨٩ و٣١٠ بسند صحيح.
ثم رأيت المؤلف قد وقع في خطأ آخر غريب حول هذا الحديث حيث عزاه لمسلم في "الطبعة السادسة" سنة ٧٦ هـ ولا أصل له في مسلم وإنما رواه البخاري معلقا ووصله في "الأدب المفرد" وقد خرجته في "الصحيحة" ٨٨١.
[ ٤٥ ]