قوله في فضل بنائها: ٢ وروى أحمد وابن حبان والبزار بسند صحيح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة"
قلت: كلا ليس سنده صحيحا فإن فيه عند أحمد والبزار جابرا الجعفي وهو ضعيف كما في "المجمع" وابن حبان إنما رواه رقم ٣٠١ - موارد من حديث أبي ذر مرفوعا بهذا اللفظ دون قوله: "لبيضها" وكذلك أخرجه البزار أيضا والطحاوي في "مشكل الآثار" والطبراني في "المعجم الصغير" بسند صحيح. فالظاهر أنه اشتبه على المؤلف أحد الحديثين بالآخر. وقد جاء الحديث عن جماعة من الصحابة بنحو هذا وقد خرجتها في "الثمر المستطاب" وليس في شيء منها هذه الزيادة فهي منكرة.
قوله تحت عنوان: الدعاء عند التوجه إليها: د وروى أحمد وابن خزيمة وابن ماجه وحسنه الحافظ عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ".
قلت: بل إسناده ضعيف فإنه من رواية عطية العوفي وهو ضعيف وقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من "التقريب":
"صدوق يخطئ كثيرا كان شيعيا مدلسا".
قلت: وهو قد عنعن هذا الحديث عن أبي سعيد ولم يصرح بسماعه منه فهي علة ثانية فأنى لحديثه الحسن؟!
[ ٢٨٩ ]
ثم وقفت له على علة ثالثة وهي الوقف فقد ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" أنه رواه بعضهم عن عطية عن أبي سعيد موقوفا. وقال أبو حاتم:
"إنه أشبه". يعني بالصواب ولذلك ضعف المنذري هذا الحديث في "الترغيب" ١ / ١٣٠. وقول المؤلف: "وحسنه الحافظ" أظنه يعني أبا الحسن المقدسي. انظر "الترغيب" ٢ / ٢٦٥.
قوله في دعاء الدخول إلى المسجد والخروج منه: "اللهم صل على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي".
قلت: لنا على هذا ملاحظتان:
الأولى: ينبغي أن يضاف إلى الصلاة على النبي في ﷺ هنا السلام عليه ﷺ لثبوت الأمر به في حديث أبي هريرة الذي منه نقل المؤلف الدعاء بالعصمة عند الخروج وكذلك ثبت الأمر المذكور من حديث أبي حميد وأبي أسيد في "صحيح أبي عوانة".
الثانية: أن الدعاء بالمغفرة في الموضعين لم يرد في حديث صحيح وإنما روي من حديث فاطمة ﵂ وهو مع أنه منقطع كما بينه مخرجه الترمذي فإن الدعاء المذكور فيه تفرد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد تابعه على رواية أصل الحديث إسماعيل بن علية وهو ثقة جليل ولكنه لم يذكر فيه هذا الدعاء فدل ذلك كله على أنه لا يصح فيه وأنه منكر.
ولذلك فإني أرى أنه لا يشرع التزامه مع الأدعية الصحيحة ولا إيراده فيها ولاسيما مع القطع بأنه من السنة فتأمل وراجع لهذا "تخريج الكلم الطيب" ٦٣ - ٦٦ و"المشكاة" ٧٠٣ و٧٣١ و٧٤٩ و"صحيح أبي داود" ٤٨٤.
[ ٢٩٠ ]
قوله في فضل السعي إليها : ١ روى أحمد والشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له الجنة نزلا كلما غدا أو راح"
قلت: هذا لفظ أحمد في "المسند" ٢ / ٥٠٩ ويبدو لي أنه قد وقع فيه اختصار يسير من بعض رواة "المسند" أخل بالمعنى المقصود منه فإن لفظه عند مسلم:
"من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح".
وهكذا أخرجه أحمد أيضا بالحرف الواحد في "كتاب الزهد" ص ٣ وهو أول حديث منه وسنده سنده في "المسند" ورواية البخاري نحوه.
ولا يخفى أن إعداد الجنة نزلا هو غير إعداد نزل فيها كلما غدا أو راح فإن اللفظين يفيدان ضمان الجنة لمن غدا أو راح لكن اللفظ الثاني يزيد على الأول أن له منازل فيها على عدد غدوه ورواحه. فتأمل.
ولهذا ينبغي لمن يشتغل بكتب السنة أن يجعل عمدته على "الصحيحين" لاتفاق الأمة عليهما واعتنائها بروايتهما أكثر من غيرهما من كتب السنة الأخرى.
وقوله: ب وروى أحمد و و والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ".
قلت: ليس بصحيح ولا حسن الإسناد لأنه من طريق دراج أبي السمح عن أي الهيثم عن أبي سعيد ودراج هذا قال الحافظ في "التقريب":
"صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف". ولذلك تعقب الذهبي الحاكم بقوله:
[ ٢٩١ ]
"قلت: دراج كثير المناكير".
قلت: ومن مناكيره حديث:
"أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون"!
أخرجه أحمد عقب هذا الحديث عنه بإسناده المذكور.
وقوله: د وروى الطبراني والبزار بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: "المسجد بيت كل تقي وتكفل الله ".
قلت: لم أقف على سنده لأنظر فيه ولم أجد من صرح بصحته والمنذري نقل عن مخرجه البزار أنة قال: "إسناده حسن" فمن أين له الصحة؟ ولعل المؤلف استلزم صحته من قول الهيثمي في "المجمع":
"قلت: ورجال البزار كلهم رجال الصحيح" وليس ذلك بلازم لأسباب كثيرة ذكرتها في المقدمة فراجعها.
ثم تبين لي بعد الوقوف على سنده في "زوائد البزار" ٤٣٤ أن إسناده صحيح لكن ليس عنده قوله: "المسجد بيت كل تقي" وإنما هو عند الطبراني وغيره وهو مخرج في "الصحيحة" ٧١٦ وأوردته في "صحيح الترغيب" ٣٢٦.
وفي أفضل المساجد ذكر رواية البيهقي عن جابر مرفوعا: "صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة وصلاة في مسجدي ألف صلاة وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة". حسنه السيوطي.
قلت: فيه مؤاخذات:
الأولى: اعتماده على تحسين السيوطي للحديث وهو إنما حسنه بالرمز له
[ ٢٩٢ ]
كما صرح بذلك المناوي في "الفيض" ورموزه مما لا يعتمد عليها كما نبهنا على ذلك مرارا لأسباب ذكرتها في المقدمة فراجعها إن شئت وإن مما يؤكد ذلك أن هذا الحديث بالذات قد ضعفه السيوطي نفسه صراحة في "الجامع الكبير" وكشف فيه عن علته فقال - جزاه الله خيرا -:
"وفيه إبراهيم بن أبي حية واه".
يعني أنه شديد الضعف كما بينته في "الإرواء" ٤ / ٣٤٣ نقلا عن أئمة الجرح والتعديل.
والثانية: أنه سكت عنه فأوهم ثبوته وهو ضعيف جدا كما ذكرت عن السيوطي آنفا.
والثالثة: أن في معناه حديثا آخر من رواية أبي الدرداء إسناده أحسن حالا من هذا حتى إن الهيثمي قال فيه: "حديث حسن"! فكان الأجدر بالمؤلف أن ينقل هذا دون ذاك وإن كان تحسينه لم يسلم به المنذري في "ترغيبه" والحافظ الناجي في تعقيبه عليه ق ١٣٥ / ١ وذلك لأن فيه ضعيفا وآخر يهم كما بينته في "الإرواء" ١١٣٠ فيبقى الحديث ضعيفا لا يتقوى برواية البيهقي لشدة ضعفها كما علمت.
وأما قول المناوى في "التيسير" عقب رواية البيهقي عن جابر:
"وكذا الطبراني عنه بإسناد حسن".
فهو من أوهامه بسبب عجلته في تلخيص كلام الهيثمي فإن هذا إنما عزاه للطبراني من حديث أبي الدرداء وقال فيه: "حديث حسن" وقد ردوه عليه كما تقدم واغتر به الشيخ الغماري فأورده في "كنزه" ٣٢٩ / ٢٠٦١!
[ ٢٩٣ ]
ويزداد ضعفا أنه مخالف لظاهر قوله ﷺ جوابا لمن سأله عن الصلاة في بيت المقدس أفضل أو مسجده ﷺ؟: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى ".
أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا وهو مخرج في "التعليق الرغيب" ٢ / ١٣٨.
وأما حديث: إن الصلاة في بيت المقدس بألف صلاة فهو حديث منكر كما قال الذهبي وهو مخرج في "تحذير الساجد" ص ١٩٨ و"ضعيف أبي داود" ٦٨.
ومن: زخرفة المساجد قوله تحت رقم ١: "ولفظ ابن خزيمة: يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا".
قلت: هو بهذا اللفظ ضعيف وإن كان معناه مطابقا للواقع اليوم وعلته أبو عامر الخراز وهو ضعيف لكثرة أوهامه والصحيح اللفظ الذي قبله وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٤٧٥.
ومن: تنظيفها وتطييبها قوله تحت رقم ٢: "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد
رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة".
قلت: إسناده ضعيف وله علتان وقد ضعفه البخاري والترمذي والقرطبي وغيرهم وبيان ذلك في "ضعيف أبي داود" ٧١ وانظر "المشكاة" ٧٢٠.
[ ٢٩٤ ]
قوله تحت عنوان: صيانتها: وعند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: "إذا تنخم أحدكم فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه".
قلت: اقتصر الحافظ على تحسينه وهو الصواب لأن في إسناده محمد ابن إسحاق وهو متكلم فيه والمتقرر أنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث كما فعل هنا ولعل المؤلف أخذ تصحيحه من قول الهيثمي فيه:
"رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون".
وليس ذلك بلازم كما سبقت الإشارة إليه آنفا.
قوله في التعليق: "يتحتم على من أكلها يعني الثوم ونحوه البعد عن المسجد ومجتمعات الناس حتى تذهب رائحتها ويلحق بها الروائح الكريهة كالدخان والتجشؤ والبخر".
قلت: هذا الإلحاق فيه نظر لأن البخر ونحوه علة سماوية لا إرادة ولا كسب للمرء فيها ولا هو يملك إزالتها فكيف يلحق بالروائح الكريهة التي هي بإرادته وكسبه وبإمكانه الامتناع من تعاطي أسبابها أو القضاء عليها؟ والشارع الحكيم إنما منع آكل الثوم وغيره من حضور المساجد والحصول على فضيلة الجماعة: عقوبة له على عدم مبالاته بإيذاء المؤمنين والملائكة المقربين فلا يجوز أن يحرم من هذه الفضيلة الأبخر ونحوه لما ذكرناه من الفارق.
ومن: إباحة الأكل والشرب والنوم قوله: "وقال عبد الله بن الحارث: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم. رواه ابن ماجه بسند حسن".
قلت: بل إسناده صحيح وكان المؤلف تبع في تحسينه صاحب "الزوائد" حيث قال:
[ ٢٩٥ ]
" إسناده حسن ورجاله ثقات ويعقوب مختلف فيه".
قلت: ولو أن يعقوب تفرد به لكان حسنا كما قال ولكن ابن ماجه رواه عنه مقرونا مع حرملة بن يحيى وحرملة ثقة وبه يصير الإسناد صحيحا.
ذكر حديث معاوية بن قرة عن أبيه قال: "كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا. رواه ابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول".
قلت: نقله عن "النيل" للشوكاني ٣ / ١٦٣ وتمام كلامه:
"كما قال أبو حاتم" وهو يعني هارون بن مسلم.
فأقول: إنما قال أبو حاتم ما قال لأنه لم يعرف له راويا غير عمر بن سنان الصغدي ولذلك لم يذكر له غيره ولكن الواقع أنه روى عنه أيضا ثلاثة من الثقات وكلهم رووا هذا الحديث عنه.
فقال أبو داود الطيالسي في "مسنده" ١٠٧٣: حدثنا هارون أبو مسلم قال: حدثنا قتادة عن معاوية بن قرة به.
ومن طريق الطيالسي أخرجه الدولابي في "الكنى" ٢ / ١١٣ والبيهقي ٣ / ١٠٤.
وكذلك رواه ابن ماجه لكنه قرن معه الثقة الثاني فقال في "سننه" ١٠٠٢: حدثنا زيد بن أخزم أبو طالب: ثنا أبو داود وأبو قتيبة قالا: ثنا هارون بن مسلم به.
وأبو قتيبة اسمه سلم بن قتيبة وقد رواه عنه ابن خزيمة أيضا ولكنه قرن به الثقة الثالث فقال في "صحيحه" ١٥٦٧: نا يحيى بن حكيم: ثنا أبو قتيبة
[ ٢٩٦ ]
ويحيى بن حماد عن هارون أبي مسلم به.
ومن طريق ابن خزيمة أخرجه ابن حبان ٤٠٠ - موارد الظمآن والحاكم ١ / ٢١٨ من طريق أخرى عن سلم بن قتيبة وحده وقال:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
فثبت بهذا التخريج والتحقيق أن هارون بن مسلم هذا معروف ليس بمجهول وأن إسناده صحيح أو حسن على الأقل وهو صحيح قطعا بما قبله من حديث أنس والله أعلم.
[ ٢٩٧ ]