قوله تحت الفقرة ج: "عظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وجلدها وكل ما هو من جنس ذلك طاهر لأن الأصل في هذه كلها الطهارة ولا دليل على النجاسة".
فأقول: بلى قد قام الدليل على نجاسة جلد الميتة في أحاديث كثير معروفة كقوله ﷺ: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" رواه مسلم وغيره. وغير مخرجة في "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" ٢٥ – ٢٩. وفي "نيل الأوطار" ١ / ٥٣ - ٥٤ وغيره فلا أدري لم أعرض المؤلف عنها؟! ومن الغريب حقا أنه
[ ٤٩ ]
ذكر في الباب حديث ابن عباس في قصة شاة مولاة ميمونة وفيه قوله ﷺ: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ ". وهو صريح في أن الانتفاع به لا يكون إلا بعد الدبغ. ولعله منعه من الاحتجاج به قوله: "وليس في البخاري والنسائي ذكر الدباغ". وهذا ليس بشيء عند أهل العلم لأن الحكم للزائد ولا سيما إذا كان له شواهد كما سبق ولهذا قال الحافظ في شرح حديث البخاري ٩ / ٦٥٨: واستدل به الزهري بجواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقا سواء دبغ أم لم يدبغ لكن صح التقييد من طرق أخرى بالدباغ"
ثم رأيت المؤلف قد رجع إلى الصواب في آخر هذا الباب عند عنوان: "تطهير جلد الميتة" واحتج بحديث مسلم المتقدم ولكنه قال: "رواه الشيخان" فوهم!
ثم ذكر المؤلف من النجاسات الدم سواء كان دما مسفوحا أم دم حيض ثم قال: "وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم. ذكره البخار ي "
في هذا الفصل أمور لم يحقق المؤلف القول فيها لا من الناحية الحديثية ولا من الناحية الفقهية.
١ - أما الناحية الحديثية ففيها ما يأتي: الأول: قوله في أثر الحسن: ذكره البخاري فاوهم أنه موصول عنده
لأنه المقصود اصطلاحا عند إطلاق العزو إليه وهو إنما رواه معلقا بغير إسناد وقد وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما في "الفتح ": ١ / ٢٨١.
الثاني: قوله: "وكان أبو هريرة لا يرى بأسا بالقطرة والقطرتين في الصلاة".
[ ٥٠ ]
سكت عليه فأوهم أنه ثابت عنه وليس كذلك فقد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١ / ١٣٧ - ١٣٨
حدثنا شريك عن عمران بن مسلم عن مجاهد عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد ضعيف لا يصح: شريك - وهو ابن عبد الله القاضي - ضعيف لسوء حفظه وشيخه عمران بن مسلم يحتمل أنه الفزاري الكوفي فقد ذكروا في الرواة عنه شريكا ولكنهم لم يذكروا في شيوخه مجاهدا والآخر: الأزدي الكوفي فقد ذكروا من شيوخه مجاهدا! ولكنهم لم يذكروا في الرواة عنه شريكا!
فإن يكن الأول فهو ثقة. وإن يكن الآخر فرافضي خبيث. والله أعلم.
ثم هو مع ضعفه مخالف لما صح عن أبي هريرة قال: لا وضوء إلا من حدث. رواه البخاري معلقا ووصله إسماعيل القاضي بإسناد صحيح كما قال الحافظ وقد جاء مرفوعا بلفظ: "إلا من صوت أو ريح" وهو مخرج في "المشكاة" ٣١٠ / التحقيق الثاني و"الإرواء" ١ / ١٤٥ و١٥٣ و"صحيح أبي داود" ١٩٦ ورواه مسلم بنحوه.
ومخالف أيضا لحديث الأنصاري الذي قام يصلي في الليل فرماه المشرك بسهم فوضه فيه فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ومضى في صلاته وهو يموج دما. كما علقه البخاري ووصله أحمد وغيره وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١٩٣ وهو في حكم المرفوع لأنه يستبعد عادة أن لا يطلع النبي ﷺ على ذلك فلو كان الدم الكثير ناقضا لبينه ﷺ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم من علم الأصول. وعلى فرض أن النبي ﷺ خفي ذلك عليه فما هو بخاف على الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء
[ ٥١ ]
فلو كان ناقضا أو نجسا لأوحى بذلك إلى نبيه ﷺ كما هو ظاهر لا يخفى على أحد
وإلى هذا ذهب البخاري كما دل عليه تعليقه بعض الآثار المتقدمة واستظهره في "الفتح" وهو مذهب ابن حزم ١ / ٢٥٥ -.
٢ - وأما من الناحية الفقهية ففيها:
أولا: التسوية بين دم الحيض وغيره من الدماء كدم الإنسان ودم مأكول اللحم من الحيوان وهذا خطأ بين وذلك لأمرين اثنين:
١ - أنه لا دليل على ذلك من السنة بله الكتاب والأصل براءة الذمة إلا نص.
٢ - أنه مخالف لما ثبت في السنة أما بخصوص دم الإنسان المسلم فلحديث الأنصاري الذي صلى وهو يموج دما وقد مضى قريبا.
وأما دم الحيوان فقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه نحر جزورا فتلطخ بدمها وفرثها ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ.
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ١ / ١٢٥ وابن أبي شيبة ١ / ٣٩٢ والطبراني في "المعجم الكبير" ٩ / ٢٨ ٤ بسند صحيح عنه ورواه البغوي في "الجعديات" ٢ / ٨٨٧ / ٢٥٠٣
وروى عقبه عن أبي موسى الأشعري: "ما أبالي لو نحرت جزورا فتلطخت بفرثها ودمها. ثم صليت ولم أمس ماء" وسنده ضعيف.
ثانيا: تفريقه بين الدم القليل والكثير وهذا وإن كان مسبوقا إليه من بعض الأئمة فإنه مما لا دليل عليه من السنة بل حديث الأنصاري يبطله كما هو ظاهر. ولم يستدل المؤلف على هذا التفريق بغير أثر أبي هريرة المتقدم وقد عرفت
[ ٥٢ ]
ضعفه وإن روي مرفوعا ففي إسناده متروك كما في "نيل الأوطار" وقد خرجته في "الضعيفة" ٤٣٨٦ وقد أجاد الرد على هذا التفريق ابن حزم ﵀ في آخر الجزء الأول من "المحلى" فليراجعه من شاء وكذا القرطبي وابن العربي في تفسيريهما فانظر إن شئت "الجامع لأحكام القرآن" ٨ / ٢٦٣.
ومن عجيب أمر المؤلف أنه سوى هنا في النجاسة بين الدماء ولم يستثن منها دماء الحيوانات المأكولة اللحم وفرق فيما يأتي بين بول الآدمي النجس وبول ما يؤكل لحمه من الحيوانات فحكم بطهارته تمسكا بالأصل واستصحابا للبراءة الأصلية فهلا تمسك بذلك هنا أيضا لأن الدليل واحد هنا وهناك؟!
[ ٥٣ ]