قوله: "وقد اختلف العلماء في حكمها تبعا لاختلاف الأحاديث ونحن نورد ما لخصه ابن القيم في ذلك " ثم ساقه.
قلت: هذا يوهم أن في هذه المسألة أحاديث متعارضة وليس كذلك بل كل ما ورد فيها مثبت لها ولم يرد مطلقا أي حديث ينفيها غاية الأمر أنها لم تذكر في بعض الأحاديث وهذا لا يوجب الاختلاف المدعى وإلا للزم ادعاء مثله في كل سنة لم تتفق عليها الأحاديث وهذا لا يقول به أحد.
وقوله: "أن أبا أمامة سئل عن النهوض؟ فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة".
قلت: الظاهر من سياق هذا الكلام في "الزاد" أن المراد بـ "أبا أمامة" هو الإمام أحمد ﵀ ولم أجد في شيء من كتب التراجم أنه يكنى بأبي أمامة أو أن له ولدا يدعى أمامة.
ثم وجدت في هامش النسخة الهندية من "الزاد": أن في نسخة: أبا عبد الله. فلعله الصواب.
ثم إن قوله: "على حديث رفاعة".
يعني به حديث رفاعة بن رافع قال عبد الله بن الإمام أحمد في مسائله ٨١ / ٢٨٦:
"سمعت أبي يقول: إن ذهب رجل إلى حديث مالك بن الحويرث - تقدم قريبا - فأرجوا أن لا يكون به بأس".
قلت: ثم ذكر جلسة الاستراحة قال:
[ ٢١٠ ]
"وكان حماد بن زيد يفعله." قال:
"وأذهب أنا إلى حديث رفاعة بن رافع من طريق ابن عجلان: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم قم".
قلت: وهذا لا حجة فيه على نفي ما ثبت في حديث ابن الحويرث وغيره إذ غاية ما فيه أن الجلسة لم تذكر فيه وهي سنة وليست بواجب فكيف تذكر في حديث المسئ صلاته الذي علمه ﷺ فيه الواجبات دون السنن والمستحبات. راجع "المجموع" ٣ / ٤٤٣.
وكأنه لضعف هذه الحجة رجع الإمام أحمد ﵀ إلى العمل بحديث ابن الحويرث وهو الحق الذي لا شك فيه.
قوله: "وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه".
قلت: إن كان يعني حديث ابن عجلان عن رفاعة المذكور في رواية عبد الله عن أحمد المتقدمة فليس فيها ما ذكر من النهوض ثم هو من تعليمه ﷺ للمسيء صلاته وليس من فعله ﷺ كما تقدم. وإن كان يعني غيره فلم أعرفه وعلى الأول فالعبارة مشكلة لأنها تفيد أن حديث رفاعة غير حديث ابن عجلان مع أنهما حديث واحد. فتأمل.
قوله أيضا: "وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث".
قلت: حديث أبي حميد فيه وصف صلاة النبي ﷺ - وفيها الجلسة - بحضرة عشرة من أصحاب النبي ﷺ وفي آخر: قالوا: صدقت هكذا كان يصلي ﷺ.
[ ٢١١ ]
أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وهو مخرج في "الإرواء" ٣٠٥ فليس الحديث من رواية أبي حميد وابن الحويرث فقط كما يوهمه الكلام المذكور عن ابن القيم وإنما معهما عشرة آخرون من أصحاب رسول الله ﷺ الذين شاهدوا صلاته ﷺ وقليل من السنن يتفق على روايتها مثل هذا الجمع الغفير من الصحابة ﵃.
وإذ الأمر كذلك فيجب الاهتمام بهذه الجلسة والمواظبة عليها رجالا ونساء وعدم الالتفات إلى من يدعي أنه ﷺ فعلها لمرض أوسن لأن ذلك يعني أن الصحابة ما كانوا يفرقون بين ما يفعله ﷺ تعبدا وما يفعله لحاجة وهذا باطل بداهة.
قوله عن الإمام ابن القيم: "ولو كان هديه ﷺ فعلها دائما لذكرها كل واصف لصلاته".
قلت: هذا الكلام غريب جدا من مثل هذا الإمام فإن لازمه التهوين من شأن السنن كلها لأنه ليس فيها سنة يمكن أن يقال: "اتفق على ذكرها كل واصف لصلاته" يعلم ذلك من له عناية خاصة بتتبع السنن وطرقها ولا أدري - والله - كيف ينقل المؤلف هذا الكلام ويمر عليه دون أن يعلق عليه بشيء يدل على ما فيه من الخطأ مما يدل على ارتضائه له وموافقته عليه فانظر ما يلزمه من توهين السنن التي ساقها المؤلف في كتابه فإن وضع اليمين على الشمال مثلا ودعاء التوجه والاستعاذة والتأمين والقراءة والذكر في الركوع والذكر في السجود والصلاة على النبي ﷺ كل هذه السنن التسع لم يذكرها أبو حميد ومن معه من الصحابة في صفة صلاته ﷺ وكذلك لم يذكرها غيرهم أفيلزم من ذلك رد هذه السنن؟ اللهم لا ولذلك رد الحافظ قول ابن القيم هذا بقوله في "الفتح ":
[ ٢١٢ ]
" فيه نظر فإن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف وإنما أخذ مجموعها من مجموعهم".
وذكر مثله الشوكاني ٢ / ٢٢٦ وهو الحق الذي لا ريب فيه.
قوله: "ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلا إذا علم أنه فعلها سنة فيقتدى به فيها ".
قلت: قد علمنا أنه فعلها سنة وتشريعا من وجوه:
الأول: أن الأصل عدم العلة فمن ادعاها فعليه إثباتها.
الثاني: أن أحد رواة هذه السنة مالك بن الحويرث وهو راوي حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي". فحكايته لصفات صلاة رسول الله ﷺ داخلة تحت الأمر. انظر "الفتح" و"نيل الأوطار".
الثالث: أنه رواها جماعة من الصحابة كما تقدم في حديث أبي حميد ويستحيل عادة أن يخفى عليهم أنه إنما فعلها للحاجة لو كان الأمر كذلك ولو سلمنا بإمكان ذلك عادة فإنه لا يخفى على النبي ﷺ خفاء ذلك عليهم وحينئذ كان ينبههم على ذلك فإذ لم يكن شيء مما ذكرنا فهو دليل واضح على أنه إنما فعلها للعبادة لا للحاجة. والله هو الموفق.
[ ٢١٣ ]