قوله: "عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا. رواه أبو داود والبيهقي والحكم وقال: صحيح على شرط الشيخين".
قلت: فيه ملاحظتان:
الأولى: أن الحديث ضعيف لأن في سنده عند أبي داود - وعنه رواه البيهقي - عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف كما قال الحافظ في "التلخيص" ولذلك قال في "بلوغ المرام":
"سنده فيه لين". وقال النووي في "المجموع":
"إسناده ضعيف".
وقد روى جمع من الصحابة سجوده ﷺ للتلاوة في كثير من الآيات في مناسبات مختلفة فلم يذكر أحد منهم تكبيره ﵇ للسجود ولذلك نميل إلى عدم مشروعية هذا التكبير. وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀.
[ ٢٦٧ ]
الثانية: أن الحاكم ليس في روايته: "كبر" وهو موضع الشاهد من الحديث وهو إنما رواه من طريق عبيد الله بن عمر العمري وهو المصغر وهو ثقة بخلاف أخيه عبد الله المكبر فهو ضعيف كما تقدم. والحديث في "الصحيحين" أيضا وغيرهما من طريق عبيد الله المصغر لا المكبر فهو من أدلة ضعفه وانظر "الإرواء" ٤٧١ و٤٧٢.
وقوله: "وقال عبد الله بن مسعود: إذا قرأت سجدة فكبر واسجد وإذا رفعت رأسك فكبر".
كذا ذكره دون أن يعزوه لأحد وما وجدت من عزاه لابن مسعود وإنما علقه البيهقي ٢ / ٣٢٥ لغيره فقال: ويذكر عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري أنه قال: فذكره.
والربيع هذا قال الحافظ:
"صدوق سيئ الحفظ".
وقد وجدت له أصلا عن ابن مسعود من فعله. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٢ / ٢ من طريق عطاء بن السائب قال:
كنا نقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي ونحن نمشي فإذا مر بالسجدة كبر وأومأ وسلم وزعم أن ابن مسعود كان يصنع ذلك.
لكن عطاء بن السائب كان اختلط.
وروي عن أبي الأشهب والحسن أنهما قالا:
"إذا قرأ الرجل السجدة فليكبر إذا رفع رأسه وإذا سجد".
ورجاله ثقات لكن فيه هشيم عن مغيرة وهما مدلسان.
[ ٢٦٨ ]
وأخرج عن أبي قلابة وابن سيرين أنهما قالا:
"إذا قرأ الرجل السجدة في غير الصلاة قال: الله أكبر".
قلت: وإسناده صحيح ورواه عبد الرزاق في "المصنف" ٣ / ٣٤٩ / ٥٩٣٠ بإسناد آخر صحيح عنهما نحوه.
ثم روى التكبير عند سجود التلاوة هو والبيهقي عن مسلم بن يسار.
وإسناده صحيح.
قوله: "مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا فعن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قرأ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان. رواه أبو داود و و و وحسنه المنذري والنووي".
قلت: كلا ليس بحسن لأن فيه مجهولين فقد قال الحافظ في "التلخيص" بعد أن نقل تحسين المنذري والنووي للحديث:
"وضعفه عبد الحق وابن قطان وفيه عبد الله بن منين وهو مجهول والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي وهو لا يعرف أيضا. وقال ابن ماكولا: ليس له غير هذا الحديث".
ولذلك اختار الطحاوي أن ليس في الحج سجدة ثانية قرب آخرها وهو مذهب ابن حزم في "المحلى" قال:
"لأنه لم يصح فيها سنة عن رسول الله ﷺ ولا أجمع عليها وصح عن عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله وأبي الدرداء السجود فيها".
ثم ذهب ابن حزم إلى مشروعية السجود في السجدات الأخرى المذكورة في
[ ٢٦٩ ]
الكتاب وذكر أن العشر الأولى متفق على مشروعية السجود فيها عند العلماء.
وكذلك حكى الاتفاق عليها الطحاوي في "شرح المعاني" ١ / ٢١١ إلا أنه جعل سجدة فصلت بدل سجدة ص. ثم أخرجا كلاهما بأسانيد صحيحة عن رسول الله ﷺ أنه سجد في ص والنجم والانشقاق واقرأ. وهذه الثلاث الأخيرة من المفصل التي أشير إليها في حديث عمرو هذا.
وبالجملة فالحديث مع ضعف إسناده قد شهد له اتفاق الأمة على العمل بغالبه ومجيء الأحاديث الصحيحة شاهدة لبقيته إلا سجدة الحج الثانية فلم يوجد ما يشهد لها من السنة والاتفاق إلا أن عمل بعض الصحابة على السجود فيها قد يستأنس بذلك على مشروعيتها ولا سيما ولا يعرف لهم مخالف. والله أعلم.
قوله فيما يشترط له: "وأما ما رواه البيهقي عنه يعني ابن عمر بإسناد قال في "الفتح ": إنه صحيح
أنه قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر فيجمع ".
قلت: في سنده عند البيهقي ٢ / ٣٢٥ أبو سهل بشر بن أحمد: ثنا داود ابن الحسين البيهقي ولم أجد لداود ترجمة فيما وقفت عليه من كتب التراجم فلعله في بعض الكتب التي لم تصل إلينا.
نعم قد جاء ذكره في إسنادين ساقهما الجرجاني في "تاريخ جرجان" ص ٣٥٥ و٥٠٣ - طبع بيروت
ثم طبع "سير أعلام النبلاء" للذهبي فوجدته قد أورده فيه ١٣ / ٥٧٩ وقال فيه:
"المحدث الإمام الثقة مسند نيسابور توفي سنة ٢٧٣".
وهذا الأثر لم يصححه الذهبي في "المهذب" مختصر سنن البيهقي وإنما سكت عليه فالله أعلم.
[ ٢٧٠ ]
قوله في السجود في الصلاة: "وروى الحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة".
قلت: هذا الحديث غير صحيح وإن صححه الحاكم ووافقه الذهبي وتبعه الحافظ في "الفتح" والقسطلاني والزرقاني والسبب في هذا أنهم نظروا إلى ظاهر إسناده فصححوه فقد رواه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان التيمي عن أبي مجلز - عن ابن عمر.
فهذا إسناد صحيح في الظاهر لكنه منقطع بين ذلك غير يحيى بن سعيد فقال يزيد بن هارون: أنبأ سليمان التيمي عن أبي مجلز - قال: ولم أسمعه من أبي مجلز - عن ابن عمر.
أخرجه البيهقي وأحمد وأبو داود والطحاوي.
وقد بين معتمر بن سليمان أن الواسطة بين سليمان التيمي وأبي مجلز رجل مجهول فقال معتمر: عن أبيه عن رجل يقال له: أمية عن ابن عمر.
أخرجه البيهقي وأبو داود.
وأمية هذا مجهول اتفاقا فعاد الحديث إلى أنه عن مجهول ولا حجة في رواية المجهول عند المحدثين.
وقد تنبه الحافظ لهذه العلة في كتابه "التلخيص" فقال بعد أن ذكر الحديث من طريق أمية:
"لكنه عند الحاكم بإسقاطه ودلت رواية الطحاوي على أنه يعني سليمان التيمي مدلس".
قلت: ولهذا لم يأخذ الإمام أحمد بالحديث فقال أبو داود في "مسائله"
[ ٢٧١ ]
ص ٣٨:
"سمعت أحمد وسئل عن الإمام يقرأ في الظهر السجدة؟ فقال: لا فذكر له حديث ابن عمر فقال: لم يشمعه سليمان عن أبي مجلز وقال: بعضهم لا يقول فيه عن ابن عمر".
وهذه علة ثانية قد أشار إليها الإمام أحمد ﵀ وهي الإرسال.
وجملة القول أن الحديث غير صحيح فلا يجوز الاستدلال به على جواز السجود في السرية. فالحق ما ذهب إليه أبو حنيفة من الكراهة وهو ظاهر كلام الإمام أحمد المذكور آنفا.
[ ٢٧٢ ]