قوله في التعليق: "أحاديث الأمر بختان المرأة ضعيفة لم يصح منها شيء".
أقول: ليس هذا على إطلاقه فقد صح قوله ﷺ لبعض الختانات في المدينة:
"اخفضي ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى للزوج".
رواه أبو داود والبزار والطبراني وغيرهم وله طرق وشواهد عن جمع من الصحابة خرجتها في "الصحيحة" ٢ / ٣٥٣ - ٣٥٨ ببسط قد لا تراه في مكان آخر وبينت فيه أن ختن النساء كان معروفا عند السلف خلافا لبعض من لا علم بالآثار عنده.
وإن مما يؤكد ذلك كله الحديث المشهور:
"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" وهو مخرج في "الإرواء" رقم ٨٠.
قال الإمام أحمد ﵀:
"وفي هذا دليل على أن النساء كن يختن".
انظر "تحفة المودود في أحكام المولود" لابن القيم ص ٦٤ – هندية.
ثم قال في الختان: "ولم يرد تحديد وقت ولا ما يفيد وجوبه".
قلت: أما التحديد فورد فيه حديثان:
الأول: عن جابر أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام
رواه الطبراني في "المعجم الصغير" ص ١٨٥ بسند رجاله ثقات لكن فيه محمد بن أبي السري العسقلاني وفيه كلام من قبل حفظه والوليد بن
[ ٦٧ ]
مسلم يدلس تدليس التسوية١ وقد عنعنه.
والحديث عزاه الحافظ في "الفتح" ١٠ / ٢٨٢ لأبي الشيخ والبيهقي وسكت عليه الحافظ فلعله عندهما من طريق أخرى.
الثاني: عن ابن عباس قال: سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى ويختن الحديث.
رواه الطبراني في "الأوسط" ١ / ٣٣٤ / ٥٦٢ وقال الهيثمي في "المجمع" ٤ / ٥٩:
"رجاله ثقات" وأما الحافظ فقال في "الفتح" ٩ / ٤٨٣:
"أخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده ضعف"
قلت: وهو الصواب لأن في سنده رواد بن الجراح وفيه ضعف كما في الكاشف للذهبي لكن أحد الحديثين يقوي الآخر إذ مخرجهما مختلف وليس فيهما متهم وقد أخذ به الشافعية فاستحبوا الختان يوم السابع من الولادة كما في "المجموع" ١ / ٣٠٧ وغيره
_________________
(١) ١ هو شر أنواع التدليس وصورته أن يجئ المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة فيعمد المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط منه شيخ شيخه الضعيف ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعة ونحوها فيصير الإسناد كله ثقات ويصرح هر بالاتصال بينه وبين شيخه لأنه قد سمعه منه فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل. كذا في "شرح علوم الحديث" للعراقي ص ٧٨. وقد يسقط المدلس شيخ الشيح لا لضعفه بل لصغر سنه يفعل ذلك تحسينا للحديث بزعمه.
[ ٦٨ ]
وأما الحد الأعلى للختان فهو قبل البلوغ قال ابن القيم:
"لا يجوز للولي أن يترك ختن الصبي حتى يجاوز البلوغ".
انظر "تحفة المودود في أحكام المولود" له ص ٦٠ – ٦١.
وأما حكم الختان فالراجح عندنا وجوبه وهو مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد واختاره ابن القيم وساق في التدليل على ذلك خمسة عشر وجها وهي وإن كانت مفرداتها لا تنهض على ذلك فلا شك أن مجموعها ينهض به ولا يتسع المجال لسوقها جميعا ههنا فأكتفي منها بوجهين:
الأول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ والختان من ملته كما في حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب وهذا الوجه أحسن الحجج كما قال البيهقى ونقله الحافظ ١٠ / ٢٨١.
الثاني: أن الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني حتى إن المسلمين لا يكادون يعدون الأقلف منهم.
ومن شاء الاطلاع على بقية الوجوه المشار إليها فليراجع كتاب "التحفة" ص ٥٣ – ٦٠.
ثم ذكر تحت رقم ٧ - حديث عطاء بن يسار قال: أتى رجل النبي ﷺ ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله ﷺ كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته رواه مالك.
قلت: عطاء هذا تابعي معروف فالحديث مرسل ضعيف وقد جاء موصولا من حديث جابر بلفظ آخر أتم منه وليس فيه ذكر اللحية. رواه أبو داود وغيره. وهو مخرج في "الصحيحة" ٤٩٣.
[ ٦٩ ]
ثم قال: وعن أبي قتادة: أنه كان له جمة ضخمة فسأل النبي ﷺ؟ فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم رواه النسائي ورواه مالك في" الموطأ" بلفظ: قلت: إن لي جمة فأرجلها؟ قال: "نعم وأكرمها". فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله ﷺ: "وأكرمها".
فأقول: هذا الحديث لا يصح عن أبي قتادة لانقطاع إسناده واضطراب متنه.
أما الانقطاع فهو أن النسائي رواه في "سننه" ٢ / ٢٩٢ من طريق عمر بن علي بن مقدم قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة
وهذا إسناد ظاهره الصحة فإن رجاله ثقات رجال الشيخين لكن له علة خفية وهي أن ابن مقدم هذا مع كونه ثقة فقد كان يدلس تدليسا غريبا بينه ابن سعد بقوله:
"كان ثقة وكان يدلس تدليسا شديدا يقول: "سمعت" و"حدثنا" ثم يسكت فيقول: هشام بن عروة والأعمش "
ولذلك قال الحافظ في "مقدمة الفتح" ص ٤٣١:
"وعابوه بكثرة التدليس ولم أر له في "الصحيح" إلا ما توبع عليه".
ولم يوثقه في "التقريب" فإنه اقتصر على قوله فيه:
"وكان يدلس شديدا".
فمثله لا يحتج به ولو صرح بالتحديث إلا إذا توبع فكيف إذا خولف؟ فقد قال مالك في روايته ٣ / ٦٢٤:
[ ٧٠ ]
" عن يحيى بن سعيد أن أبا قتادة الأنصاري قال " فذكره.
فأسقط بين يحيى وأبي قتادة محمد بن المنكدر فصار منقطعا لأن يحيى ابن سعيد - وهو ابن قيس الأنصاري المدني - لم يدرك أبا قتادة ولهذا قال السيوطي في "تنوير الحوالك ":
"هو منقطع وقد أخرجه البزار من طريق عمر بن علي المقدمي عن يحيى ابن سعيد عن محمد بن المنكدر عن جابر".
قلت: وهذه خلاف رواية النسائي فإنها عن أبي قتادة وهذه عن جابر فهذا اختلاف آخر في إسناده.
وقد وجدت له طريقا أخرى عن كل من أبي قتادة وجابر.
أما الطريق عن أبي قتادة فقال الطبراني في "الأوسط" رقم ٤٠٩٠: حدثنا علي بن سعيد الرازي قال: نا سليمان بن عمر بن خالد الرقي قال: ثنا يحيى ابن سعيد الأموي عن ابن جريج عن عطاء عن أبي قتادة عن النبي ﷺ قال:
"من اتخذ شعرا فليحسن إليه أو ليحلقه" وكان أبو قتادة يرجل شعره غبا.
وقال الطبراني: "لم يروه عن ابن جريج إلا يحيى بن سعيد الأموي".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين وكذا من فوقه وإنما النظر فيمن دونهم وقد قال الهيثمي في "المجمع" ٥ / ١٦٤:
" رواه الطبراني في "الأوسط" عن شيخه علي بن سعيد الرازي قال الدارقطني: ليس بالقوي وبقية رجاله رجال الصحيح".
كذا قال! وسليمان بن عمر وأبوه ليسا من رجال "الصحيح" بل ولا من رجال
[ ٧١ ]
" السنن الأربعة" والأول له ترجمة في "الجرح والتعديل" ٢ / ١ / ١٣١ بكتابة أبي حاتم عنه
وفي "ثقات ابن حبان" ٨ / ٢٨٠ وقال:
"حدثنا عنه شيخنا الخضر بن أحمد بن قيدهوز بـ "حران" - وغيره مات سنة تسع وأربعين ومائتين".
وأما أبو عمر بن خالد الرقي فلم أر له ترجمة إلا عند ابن حبان ترجمة موجزة جدا لا طائل تحتها فقد قال ٨ / ٤٤٤:
" يروي عن موسى بن أعين. روى عنه ابنه سليمان بن عمر بن خالد".
قلت: فهو في عداد المجهولين. والله أعلم.
بقي الكلام على الطريق الأخرى عن جابر وهي في الحقيقة تعود إلى الطريق الأولى التي رواها النسائي فقال الطبراني في "الأوسط" أيضا ١ / ٣٨٧ / ٦٧٥ - المطبوعة: حدثنا أحمد قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال:
كان لأبي قتادة جمة فسأل النبي ﷺ فيها؟ فقال: "أكرمها وادهنها".
وقال الطبراني:
"لم يروه عن يحيى إلا إسماعيل".
قلت: إسماعيل ثقة ولكنه في روايته عن الحجازيين ضعيف وهذه منها. ولكنه قد تابعه ابن مقدم كما تقدم إلا أنه مدلس فمن الممكن أن يكون تلقاه عن إسماعيل ثم دلسه فلا قيمة حينئذ لهذه المتابعة ولعله لذلك جزم الطبراني بأنه لم يروه عن يحيى إلا إسماعيل. والله أعلم.
[ ٧٢ ]
وأما اضطراب المتن فذلك ظاهر من الروايات المتقدمة ويمكن تلخيصها بالوجوه الآتية:
الأول: رواية النسائي المرفوعة: وأن يترجل كل يوم.
الثاني: رواية مالك: فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين.
الثالث: رواية عطاء: وكان أبو قتادة يرجل شعره غبا.
الرابع: رواية إسماعيل المرفوعة: أكرمها وادهنها.
فهذا - كما ترى - اضطراب شديد لا يمكن التوفيق بين هذه الوجوه إلا بترجيح وجه منها ولا سبيل إلى ذلك لضعف أسانيدها كما رأيت فلا بد من تلمس المرجح من خارجها. وقد وجدنا حديثين:
الأول: نهى عن الترجل إلا غبا.
والآخر: كان ينهانا عن الإرفاه: الترجل كل يوم.
وهما مخرجان في "الصحيحة" ٥٠١ و٥٠٢.
ومن الواضح أن الأول يبطل الوجه الأول ويرجح عليه الوجه الثالث.
وأن الحديث الآخر يؤكد بطلان الوجه الأول وأرجحية الوجه الثالث.
والخلاصة أن الروايتين اللتين ذكرهما المؤلف عن أبي قتادة وجابر منكرتان سندا ومتنا فلا يعتمد عليهما ولا يجوز الأخذ بما فيهما مما يخالف الحديثين الصحيحين المذكورين آنفا.
أما الأمر بإكرام الشعر فهو ثابت في عدة أحاديث وقد خرجت بعضها في المصدر السابق "الصحيحة" ٥٠٠ و٥٠١ هو مقيد بالحديثين المشار إليهما كما هو ظاهر. وبالله التوفيق.
[ ٧٣ ]
قوله في تغيير الشيب بالحناء:
"قلت: وقد ورد ما يفيد كراهية الخضاب".
قلت: لم أجد للمؤلف في هذه الدعوى سلفا ولا علمت لها أصلا ولعله يعني ورود ذلك عن الصحابة والذي نقله الشوكاني عنهم في "النيل" ١ / ١٠٣ إنما هو الاختلاف في الأفضل وليس الكراهة وعلى افتراض أنه روي ذلك عن أحد منهم فلا حجة فيه لأمرين:
الأول: أن الصحابة لم يتفقوا على ذلك بل منهم من خضب كالشيخين ﵄ وهو في "صحيح مسلم" وغيره ومنهم من ترك والترك لا يدل على كراهة الخضاب بل على جواز تركه.
الثاني: أنه مخالف للثابت عنه ﷺ في قولا وفعلا.
أما القول فقد ذكر المصنف فيه حديثين.
وأما الفعل ففي "صحيح البخاري" وغيره من حديث أم سلمة ﵂ أنها أخرجت من شعر النبي ﷺ مخضوبا. وفي معناه أحاديث أخرى بوب لها الترمذي في "الشمائل المحمدية ": "باب ما جاء في خضاب رسول الله ﷺ" فراجعها إن شئت في كتابي "مختصر الشمائل" ٤١ / ٣٧ – ٤١.
وإن كان يعني ورود ذلك عن النبي ﷺ كما هو المتبادر فنقول: إن كان يريد مطلق الورود - أعني سواء كان صحيحا أو ضعيفا فمسلم. وإن كان يريد الصحيح كما هو المتبادر من عبارته فمردود لأن غاية ما روي في ذلك حديثان: أحدهما ضعيف والآخر لا أصل له.
أما الأول فحديث عبد الرحمن بن حرملة أن ابن مسود كان يقول:
"كان نبي الله ﷺ يكره عشر خلال: الصفرة يعني الخلوق وتغيير الشيب
[ ٧٤ ]
..الحديث"
رواه أبو داود ٢ / ١٩٧ وأحمد رقم ٣٦٠٥ ٣٧٧٤ ٤١٧٩ وعبد الرحمن هذا قال ابن المديني فيه: "لا نعرفه من أصحاب ابن مسعود". وقال البخاري:
"لا يصح حديثه". يعني هذا فقد ساقه الذهبي عقب عبارة البخاري هذه ثم قال الذهبي:
"وهذا منكر". ثم سها الذهبي عن هذا فوافق في "التلخيص" الحاكم على تصحيحه للحديث في "المستدرك"!
وأما توثيق ابن حبان لعبد الرحمن هذا فلا يعتد به لما ذكرته في "المقدمة" ولذلك لم يلتفت إلى توثيقه لهذا الرجل الذهبي في "الميزان" والحافظ في "التقريب" حيث أفاد أنه لين الحديث وعليه فلا يغتر بتصحيح الشيخ أحمد محمد شاكر لهذا الحديث لأنه بناه على توثيق ابن حبان للمذكور وكثيرا ما يفعل ذلك ويصحح أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها وقد كنت ناقشته في هذه المسألة في المدينة المنورة وهو في "الفندق" سنة ٦٩ هـ بعد موسم الحج ولكني لم أصل معه إلى نتيجة مع الأسف والله يرحمنا وإياه.
والحديث الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ:
"من شاب شيبة فهي نور إلا أن ينتفها أو يخضبها".
هكذا أورده بعضهم وهو في "سنن أبي داود" والترمذي وحسنه وابن ماجه من هذا الوجه لكن دون قوله: "إلا أن ينتفها أو يخضبها" وكذلك هو في "المسند" ٦٦٧٢ ٦٦٧٥ ٦٩٣٧ ٦٩٦٢ ٦٩٨٩.
[ ٧٥ ]
وفي رواية له: نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب وقال: "هو نور".
فهذا يدل على أن ذكر الخضاب في الحديث لا أصل له وتد قال الحافظ في "الفتح" بعد أن ساق الحديث باللفظ الأول:
"أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور".
قلت: ويستدرك عليه برواية أحمد التي فيها ذكر النتف.
وثمة حديث ثالث ممكن أن يؤخذ حكم الخضاب من لفظه المطلق وهو: عن أم سليم مرفوعا:
"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا ما لم يغيرها".
رواه الحاكم في "الكنى" كما في "الجامع الصغير" ورمز لحسنه كما قال المناوي في شرحه ولكن النفس لا تطمئن لتحسين السيوطي له لما عرف من تساهله فراجع "المقدمة: القاعدة الثامنة".
ثم وقفت على سند الحديث وتبين لي أنني كنت على صواب في عدم الاعتماد على تحسينه وقد كشفت عن علته في "الصحيحة" تحت الحديث ١٢٤٤ وحكمت بوضعه فأوردته في "ضعيف الجامع الصغير" ٥٦٥١ وهو كتاب حافل بالأحاديث الضعيفة والموضوعة لا مثيل له. والله الموفق.
وخلاصة القول أنه لا يجوز معارضة الأحاديث الصحيحة المتضمنة لجواز الخضاب واستحبابه بهذه الأحاديث الضعيفة ولو صح شيء منها لوجب التوفيق بينها بوجه من وجوه الجمع بين الأحاديث وما أكثرها والوجه هنا أن يقال: إن التغيير المذكور في الحديث الأول والثالث هو النتف وهو منهي عنه صراحة في رواية أحمد للحديث الثاني. أو هو الخضب بالسواد فإنه منهي عنه. وبهذا شرح
[ ٧٦ ]
الحديثان انظر الخطابي في "المعالم" والمناوي في "الفيض" وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" ٦ / ١٠٣: "والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه فإن الذي نهى عنه الرسول ﷺ من تغيير الشيب أمران: أحدهما: نتفه. والثاني: خضابه بالسواد كما تقدم. والذي أذن فيه هو صبغه وتغييره بغير السواد كالحناء والصفرة وهو الذي عمله الصحابة ﵃".
قال: "وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم وهو الصواب بلا ريب لما تقدم وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله.
ورخص فيه آخرون ومنهم أصحاب أبي حنيفة وروي ذلك عن الحسن والحسين وفي ثبوته عنهم نظر ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ وسنته أحق بالاتباع ولو خالفها من خالفها".
قلت: وللأحاديث المتقدمة في الحض على الخضاب كثر اشتغال السلف بهذه السنة فترى المؤرخين في التراجم لهم يقولون: "وكان يخضب" و"كان لا يخضب" ولا تزال هذه السنة معمولا بها في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما التي لم تتأثر كثيرا بالمدنية الغربية وعاداتها السيئة.
والحق أنها سنة ثابتة مستمرة وقد جرى عمل السلف عليها - كما تقدم - وتواردت الأحاديث في الحض على العمل بها فلا يجوز للمسلمين أن يحدثوا عرفا مخالفا لها ولاسيما مع بقاء علة الخضاب المنصوص عليها في حديث الجماعة: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم". وهو مخرج في "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" ١٠٤.
ولذلك فإنا نقطع بأن ما ذهب إليه المؤلف من رجوع أمر الخضاب إلى
[ ٧٧ ]
العرف والعادة خطأ واضح لا يجوز الاغترار به. والله الموفق.
وأعتقد أن المؤلف - عفا الله عني وعنه - قد فتح بمذهبه هذا بابا واسعا من الشر لا يمكن غلقه إلا بإعطاء أوامر النبي ﷺ وسنته التعبدية من التقدير والاعتبار ما تستحق فإنه إذا كان هو يرى ترك الخضاب مع ثبوته عنه ﷺ فعلا وأمرا لمجرد مخالفة ذلك لعادة المسلمين اليوم فما الذي يمنع غير المؤلف - ممن ليس عنده من العلم بالسنة وقدرها ما عند المؤلف - أن يتجاوز هذه المسألة إلى غيرها ومنها إلى أخرى ويجيز تركها كلها على الرغم من أمره ﷺ بها وحضه عليها كل ذلك لمخالفتها لعادة المسلمين وأذواقهم؟! وأي مسلمين؟ مسلمو القرن العشرين؟!
لقد كنا ولا نزال نشكو من إعراض أكثر المسلمين عن العمل بالحديث تعصبا منهم لأئمتهم ونشكو من مخالفة بعض الصوفية للأوامر الشرعية لأنها - بزعمهم - لا تتفق مع أذواقهم وإذا بنا اليوم - ونحن ندعي الغيرة على الإسلام والعمل بالسنة - أمام تعصب جديد وصوفية حديثة نقدم أذواقنا وعاداتنا ونتعصب لها على هديه ﷺ وأمره دون أن يكون لنافي ذلك قدوة فيمن سلف من إمام يوثق بعلمه وذوقه!
قرأت منذ بضعة أيام كتاب "الإسلام المصفى"١ لأحد الكتاب الغيورين
_________________
(١) ١ تأليف محمد عبد الله السمان وهو - والحق يقال كتاب قيم قد عالج فيه كثيرا من المسائل والقواعد التي تهم المسلم في العصر الحاضر ولكنه عفا الله عنه قد اشتط كثيرا في بعض ما تحدث عنه ولم يكن الصواب فيه حليفه مثل مسالة إعفاء اللحية الآتية ومثل إنكاره شفاعته ﷺ لأهل الذنوب وإنكاره نزول عيسى وخروج الدجال والمهدي. قد أنكر كل ذلك وزعم أنها "ضلالات مصنوعة" وأن الأحاديث التي وردت فيها أحاديث آحاد لم تبلغ حد التواتر. ونحن نقول للأستاذ كلمتين مختصرتين: =
[ ٧٨ ]
على الإسلام - كما يبدو ذلك من كتابه - والحريصين على بقائه نقيا سليما كما كان في عهده ﷺ فإذا به يقول - بعد أن ساق أحاديث صحيحة في الأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمشركين - ما نصه:
"والأمر بإعفائها لم يكن إلا من قبل الندب وشأنها شأن كل المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام ولا يفرضها على أتباعه بل يتركها لأذواقهم وما تتطلبه بيئاتهم وعصورهم"!
فانظر لهذا الغيور على أحكام الإسلام كيف مهد لنسف الأمر بإعفاء اللحية بأن حمل الأمر بها على الندب أولا ثم زعم أن الإسلام ترك هذا الأمر المندوب لأذواق المسلمين وبيئاتهم فإذا استذوقوه فعلوه لا لأنه أمر به ﷺ بل لأنه موافق
_________________
(١) = ١ - دعواك أن الأحاديث المشار إليها غير متواترة غير مقبولة منك ولا ممن سبقك إليها مثل الشيخ شلتوت وغيره لأنها لم تصدر من ذوي الاختصاص في علم الحديث ولا سيما وقد خالفت شهادة المتخصصين فيه كالحافط ابن كثير وابن حجر والشوكاني وغيرهم حيث صرحوا بأن حديث النزول متواتر وذلك يتضمن تواتر حديث خروج الدجال من باب أولى لأن طرقه أكثر؟ كما لا يخفى على المشتغلين بهذا العلم الشريف. وقد كنت جمعت في بعض المناسبات الطرق الصحيحة فقط لحديث النزول فجازوت العشرين طريقا عن تسعة عشر صحابيا فهل التواتر غير هذا؟
(٢) تقسيمك أنت وغيرك - أيا كان - الأحاديث الصحيحة إلى قسمين قسم يجب على المسلم قبولها ويلزمه العمل بها وهى أحاديث الأحكام ونحوها. وقسم لا يجب عليه قبولها والاعتقاد بها وهي أحاديث العقائد وما يتعلق منها بالأمور الغيبية. أقول: إن هذا تقسيم مبتدع لا أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا يعرفه السلف الصالح بل عموم الأدلة الموجبة للعمل بالحديث تقتضي وجوب العمل بالقسمين كليهما ولا فرق فمن ادعى التخصيص فليتفضل بالبين مشكورا وهيهات هيهات!! ثم ألفت رسالتين هامتين جدا في بيان بطلان التقسيم المذكور الأولى: "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" والأخرى: "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام".
[ ٧٩ ]
لذوقهم وعصرهم وإن لم يستذوقوه تركوه غير مبالين بمخالفتهم لأمره ﷺ ولو فرض أنه للندب!
وإني لأخشى أن يكون رأي المؤلف قريبا من هذا وإلا فما باله لم يتعرض لبيان حكم الإعفاء مع كثرة النصوص التي تتعلق به كما يأتي بيانه بينما نراه قد جزم ببيان حكم الختان مع أنه لا نص فيه كما أشار إليه فيما تقدم مع الرد عليه اللهم إلا تعليقه على قوله ﷺ: "وفروا اللحى ":
"حمل الفقهاء هذا الأمر على الوجوب وقالوا بحرمة حلق اللحية " فإنه ليس صريحا في التعبير عن رأيه الشخصي وبخاصة أنه يعلم أن مخالفة الإعفاء أكثر وأظهر من مخالفة الختان فإن كثيرا من خاصة العلماء والشيوخ قد ابتلوا بالوقوع فيها بل وبالتزين والتجمل بها بل إن بعضهم قد يتجرأ على الإفتاء بجواز حلقها ولاسيما في مصر التي يعيش فيها السيد سابق والأستاذ السمان فهذا وحده كان كافيا في أن يحمله على بيان حكم هذه المخالفة ولذلك فإني أهتبل هذه الفرصة لأبين حكم الشرع فيها وأستحسن أن يكون ذلك بالرد على تلك الفقرة التي نقلتها عن كتاب "الإسلام المصفى" لشديد صلتها بالموضوع فأقول:
أولا: ذكر أن الأمر بإعفاء اللحية للندب وقد سمعنا هذا كثيرا من غيره وإبطالا لهذه الدعوى أقول:
هذا خلاف ما تقرر في "علم الأصول": أن الأصل في أوامره ﷺ الوجوب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وغيره من الأدلة التي لا مجال لذكرها الآن والخروج عن هذا الأصل لا يجوز إلا بدليل صحيح تقوم به الحجة وحضرة الكاتب لم يأت بأي دليل يسوغ
[ ٨٠ ]
له خروجه عن هذا الأصل في هذه المسألة اللهم إلا ادعاؤه أن الإسلام لا يهتم بكل المظاهر الشكلية ومع أنها دعوى عارية عن الدليل فإنها منقوضة أيضا بأحاديث كثيرة وهو في قولنا:
ثانيا: زعم أن كل المظاهر الشكلية لا يهتم بها الإسلام وأن اللحية منها. أقول: هذا الزعم باطل قطعا لا يشك فيه ذلك أي منصف متجرد عن اتباع الهوى بعد أن يقف على الأحاديث الآتية وكلها صحيحة:
١ - عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
٢ - عن عائشة أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط شعرها فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي ﷺ فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".
٣ - عن ابن مسعود مرفوعا: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله".
٤ - عن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما".
أخرج هذه الأحاديث الشيخان في "صحيحيهما ": إلا الأخير منها فتفرد به مسلم وهي مخرجة في "آداب الزفاف" و"حجاب المرأة المسلمة".
وفي الباب أحاديث كثيرة جدا وهى مادة كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية فليراجعه من شاء.
فهذه نصوص صريحة تبين أن الإسلام قد اهتم بالمظاهر الشكلية اهتماما
[ ٨١ ]
بالغا إلى درجة أنه لعن المخالف فيها فكيف يسوغ مع هذا أن يقال: إن كل المظاهر لا يهتم بها الإسلام ؟!
إن كان حضرة الكاتب لم يطلع عليها فهو في منتهى الغرابة إذ يجرؤ على الكتابة في هذه المسألة التي لها ما وراءها من الفروع الكثيرة لون أن يراجع ولو مصدرا واحدا من مصادر الإسلام الأساسية! وإن كان اطلع عليها فإني أخشى أن يكون جوابه عنها أنها لا توافق الذوق! أو يقول: لا يقرها المنطق! كما قال ذلك في مسألة نزول عيسى ﵇ ص ٧٥ وحينئذ أعترف بأنه لا جواب إلا الشكوى إلى الله تعالى
مما سبق من النصوص يمكن للمسلم الذي لم تفسد فطرته أن يأخذ منها أدلة كثيرة قاطعة على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها:
أولا: أمر الشارع بإعفائها والأصل في الأمر الوجوب فثبت المدعى.
ثانيا: حرم تشبه الرجال بالنساء وحلق الرجل لحيته فيه تشبه بالنساء فيما هو من أظهر مظاهر أنوثتهن فثبت حرمة حلقها ولزم وجوب إعفائها.
ثالثا: لعن النامصة - وهي التي تنتف شعر حاجبيها أو غير بقصد التجميل - وعلل ذلك بأنه تغيير لخلق الله تعالى والذي يحلق لحيته إنما يفعل ذلك للحسن - زعم - وهو في ذلك يغير خلقة الله تعالى فهو في حكم النامصة تماما ولا فرق إلا في اللفظ ولا أعتقد أنه يوجد اليوم على وجه الأرض ظاهري يجمد على ظاهر اللفظ ولا يمعن النظر في المعنى المقصود منه ولاسيما إذا كان مقرونا بعلة يقتضي عدم الجمود عليه كقوله ﵇ ههنا: " للحسن المغيرات خلق الله".
وثمة دليل رابع وهو أنه ﷺ جعل إعفاء اللحية من الفطرة كما جعل منها
[ ٨٢ ]
قص الأظفار وحلق العانة وغير ذلك مما رواه مسلم في "صحيحه" ففيه رد صريح على الكاتب ومن ذهب مذهبه أن اللحية من أمور العادات التي يختلف الحكم فيها باختلاف الأزمان والعصور ذلك لأن الفطرة من الأمور التي لا تقبل شرعا التبدل مهما تبدلت الأعراف والعادات: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
فإن خولفنا في هذا أيضا فإني لا أستبعد أن يأتي يوم يوجد فيه من الشيوخ والكتاب المتأثرين بالجو الفاسد الذي يعيشون فيه وقد سرت فيه عادة إعفاء شعر العانة مكان حلقه وإعفاء اللحية وإطالة الأظافر كالوحوش لا أستبعد أن يأتي يوم يقول فيه بعض أولئك بجواز هذه الأمور المخالفة للفطرة بدعوى أن العصر الذي هم فيه يستذوقها ويستحسنها وأنها من المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام بل يتركها لأذواقهم يقولون هذا ولو كان من وراء ذلك ضياع الشخصية الإسلامية التي هي من مظاهر قوة الأمة فاللهم هداك.
قوله: "وكان بعضهم - يعني الصحابة - يخضب بالصفرة وبعضهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران وخضب جماعة منهم بالسواد".
قلت: أما الصبغ بغير السواد فهو ثابت عنهم وهو الموافق لفعله ﷺ وقوله.
وأما قوله: "وخضب جماعة منهم بالسواد".
قلت: إن ثبت هذا عنهم فلا حجة في ذلك لأنه خلاف السنة الثابتة عنه ﷺ فعلا وقولا وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . ..الآية٢. ومن الثابت عن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر الصبغ
_________________
(١) ١ سورة الروم: ٣٠. ٢ سورة النساء: ٥٩.
[ ٨٣ ]
بالحناء والكتم كما تقدم فالأخذ به هو الواجب لموافقته للسنة دون فعل من خالفهما من الصحابة الذين أشار إليهم المؤلف ولا سيما وفي ثبوت ذلك عن بعضهم نظر كما تقدم عن ابن القيم رحمه الله تعالى ولذلك قال النووي في "المجموع" ١ / ٢٩٤:
"اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسواد وظاهر عبارات أصحابنا أنه مكروه كراهة تنزيه والصحيح بل الصواب أنه حرام وممن صرح بتحريمه صاحب "الحاوي" قال النووي: ودليل تحريمه حديث جابر ".
ثم ذكر حديثه الآتي في الكتاب بلفظ: "وجنبوه السواد".
ولكن المؤلف - عفا الله عنا وعنه - تأوله تأويلا أبطل به دلالته ويأتي الرد عليه قريبا بإذنه ﷿.
قوله: "ذكر الحافظ في "الفتح" عن ابن شهاب الزهري أنه قال: كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه حديدا فلما نفض الوجه والأسنان تركناه".
فأقول: هذا إن ثبت إسناده إلى الزهري فلا حجة فيه لأنه مقطوع موقوف عليه ولو أنه رفعه لم يحتج به أيضا لأنه يكون مرسلا فالعجب من المؤلف كيف يتعلق بمثله ليرد دلالة حديث جابر الآتي بعد هذا إن شاء الله تعالى مع الرد عليه.
ولقد أفصح الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه "الحلال والحرام" عن الغرض من ذكره لهذا الأثر في كتابه فإنه استشهد به على أن الأمر في قوله ﷺ: "وجنبوه السواد" خاص بالشيخ الكبير الذي عم الشيب رأسه ولحيته وقد رددت عليه في "غاية المرام" ص ٨٣ - ٨٤ فليراجعه من شاء.
[ ٨٤ ]
قوله: وأما حديث جابر فقال: جئ بأبي قحافة والد أبى بكر يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ وكأن رأسه ثغامة فقال رسول الله ﷺ: "اذهبوا به إلى بعض نسائه فلتغيره بشيء وجنبوه السواد". رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي فإنه واقعة عين ووقائع الأعيان لا عموم لها.
قلت: لا أرى أن الحديث من "وقائع الأعيان التي لا عموم لها" بل هو من باب "الأمر للواحد أمر لجميع الأمة أم لا؟ " " والحق الأول كما سبق بيانه في "المقدمة: القاعدة ١٥". ولذلك لما حكى الشوكاني في "النيل" ١ / ١٠٥ تفصي بعضهم من الحديث بأنه ليس في حق كل أحد تعقبه بقوله: "بأنه مبني على أن حكمه على الواحد ليس حكما على الجماعة وفيه خلاف معروف في الأصول" واختار في مكان آخر ما رجحناه وقد نقلت كلامه في ذلك هناك ولذلك جرى العلماء على الاحتجاج بهذا الحديث على أنه ليس خاصا بأبي قحافة وتقدم كلام النووي في ذلك قريبا. ونحوه كلام الحافظ في "الفتح" ٦ / ٤٩٩ و١٠ / ٣٥٤.فليراجعه من شاء.
ويؤيد ما سبق أحاديث:
١ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة".
أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والطبراني في "الكبير" بسند صحيح وقال الحافظ في "الفتح":
"وصححه ابن حبان وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع ولهذا اختار النووي أن
[ ٨٥ ]
الصبغ بالسواد يكره كراهة تحريم".
والحديث أورده الهيثمي في "المجمع" ٥ / ١٦١ بلفظ:
"يسودون أشعارهم لا ينظر الله إليهم" والباقي مثله ثم قال:
"رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد".
وله شاهد من حديث ابن عمر مرفوعا رواه أبو الحسن الإخميمي في "حديثه" ٢ / ١١ / ١.
٢ - عن أبي الدرداء مرفوعا: "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه الوضين بن عطاء وثقه أحمد وابن معين وابن حبان وضعفه من هو دونهم في المنزلة وبقية رجاله ثقات". وقال الحافظ ١٠ / ٢٩٢ بعد أن عزاه للطبراني وابن أبى عاصم:
"وسنده لين".
٣ - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا يوما عند النبي ﷺ فدخلت عليهم اليهود فرآهم بيض اللحى فقال: "ما لكم لا تغيرون؟ " فقيل: إنهم يكرهون فقال في ﷺ: "ولكنكم غيروا وإياي والسواد" قال الهيثمى:
"رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات وهو حديث حسن".
[ ٨٦ ]
٤ - عن عبد الله بن عمر رفعه: "الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم والسواد خضاب الكافر" قال الهيثمي:
"رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه".
قلت: فهذه الأحاديث من وقف عليها لا يتردد في القطع بحرمة الخضاب بالسواد على كل أحد وهو قول جماعة من أهل العلم كما تقدم عن ابن القيم وقال:
"إنه هو الصواب بلا ريب".
وأما حديث: "إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد أرغب لنسائكم فيكم وأهيب لكم في صدور عدوكم".
رواه ابن ماجه ٢ / ٣٨٢ فإنه ضعيف السند فيه راويان ضعيفان وبيان ذلك في "الأحاديث الضعيفة" ٢٩٧٢.
[ ٨٧ ]