قوله في تخريج حديث: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن وفي رواية: بفاتحة الكتاب فهي خداج هي خداج هي خداج غير تمام": "رواه أحمد والشيخان".
قلت: فيه مؤاخذتان:
الأولى: أطلق العزو للشيخين فأوهم أنه عند البخاري في "الصحيح" وهو خطأ فإنه مما تفرد به مسلم دون البخاري ولعل سبب الوهم أن البخاري أخرجه في "جزء القراءة" وفي "أفعال العباد" فعزاه إليه هو أو من نقله عنه عزوا مطلقا غير مقيد ب "الجزء" و"الأفعال" فحصل الخطأ لأن العزو إليهما لا يعنى الصحة بخلاف العزول "صحيح البخاري" وهو المراد عند إطلاق العزو للبخاري في اصطلاح العلماء.
[ ١٦٧ ]
والأخرى: أن لفظ: "فهي خداج هي خداج" هو رواية لأحمد ٢ / ٢٨٥ وفي رواية أخرى له: "فهي خداج ثم هي خداج ثم هي خداج". وهى المطابقة لرواية مسلم ٢ / ١٠ بلفظ: "فهي خداج يقولها ثلاثا"
وأخرجه أبو داود وبقية أصحاب "السنن" وغيرهم وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٧٧٩.
قوله: "وأقوى دليل لهذا المذهب يعني الجهر بالبسملة حديث نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ بأم القرآن الحديث. وفي آخره قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان قال الحافظ في "الفتح": وهو أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة".
قلت: ينبغي أن يعلم أن عبارة الحافظ هذه لا تفيد عند المحدثين أن الحديث صحيح وإنما تعطي له صحة نسبية قال النووي ﵀:
"لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم يقولون: "هذا أصح ما جاء في الباب" وإن كان ضعيفا ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفا"
قلت: ولعل الحافظ ﵀ لم يصحح الحديث لأن بعض المحدثين قد أعل ذكر البسملة فيه بالشذوذ ومخالفة جميع الثقات الذين رووا الحديث عن أبي هريرة ولم يذكروها فيه كما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وقد أطال في بيان ذلك الزيلعي في "نصب الراية" فراجعه ١ / ٣٣٥ – ٣٣٧.
وأقول الآن: إنه عند ابن خزيمة وغيره من طريق ابن أبي هلال واسمه سعيد وكان اختلط وبه أعللت الحديث في التعليق على "صحيح ابن خزيمة" رقم ٤٩٩ - طبع المكتب الإسلامي.
[ ١٦٨ ]
ثم إن الحديث لو صح فليس فيه التصريح بالجهر بها ولا برفعها إلى النبي ﷺ وقول أبي هريرة في آخره: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ" لا يلزم منه رفع كل ما فعله أبو هريرة فيه كما فصل ذلك شيخ الإسلام في "الفتاوى" ١ / ٨١ فراجعه.
والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح بل صح عنه ﷺ الإسرار بها من حديث أنس وقد وقفت له على عشرة طرق ذكرتها في تخريج كتابي "صفة صلاة النبي ﷺ" أكثرها صحيحة الأسانيد وفي بعض ألفاظها التصريح بأنه ﷺ لم يكن يجهر بها وسندها صحيح على شرط مسلم وهو مذهب جمهور الفقهاء وأكثر أصحاب الحديث وهو الحق الذي لا ريب فيه ومن شاء التوسع في هذا البحث فليراجع "فتاوى شيخ الإسلام" ففيها مقنع لكل عاقل منصف.
قوله تحت عنوان: من لم يحسن فرض القراءة: "حديث رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ علم رجلا الصلاة فقال: "إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمده وكبره وهلله ثم اركع". رواه أبو داود والترمذي وحسنه".
قلت: هذا طرف من حديث المسيء صلاته من رواية رفاعة ﵁ وروايته لمن ذكرهم المؤلف وتحسين الترمذي إياه دون ما يستحق إسناده فإنه صحيح لا غبار عليه كما كنت نبهت على ذلك في "صحيح أبي داود" ٨٠٧.
ثم هو شاهد قوي لحديث ابن أبي أوفى قال:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني
فقال: قل: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله".
[ ١٦٩ ]
رواه أبو داود وغيره وصححه جمع وإسناده حسن كما هو مبين في "إرواء الغليل" ٣٠٣. وقد احتج الإمام أحمد بحديث رفاعة في هذه المسألة كما رواه عنه ابنه عبد الله في "مسائله" ٨١ / ٢٨٧.
قوله عند ذكره أعضاء السجود: "وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف".
قلت: وهذا هو الحق لقوله ﷺ: "لا صلاة لمن لا يمس أنفه الأرض ما يمس الجبين". وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي وقد ورد من طرق عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا كما بينته في تخريج "صفة الصلاة".
قوله في القعود الأخير وقراءة التشهد فيه: "وأنه قال للمسيء في صلاته: فإذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك".
قلت: لم أجد هذا اللفظ في شيء من طرق حديث المسئ صلاته وقد كنت جمعتها في أول "التخريج" وإنما جاء في بعض طرقه بلفظ: "فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد"
أخرجه أبو داود ١ / ١٣٧ بسند حسن وفيه دليل على وجوب التشهد في الجلوس الأول ولازمه وجوب الجلوس له لأن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب وهذا بخلاف رواية الكتاب فإنها قيدت تمام الصلاة بالقعود قدر التشهد في الجلوس الأخير ومفهومه عدم وجوب قراءة التشهد لكن هذا المفهوم - إن صح الحديث - غير مراد لحديث ابن عباس الذي بعده:
[ ١٧٠ ]
قوله: "قال ابن قدامة: وقد روي عن ابن عباس أنه فقال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ".
قلت: فيه مؤاخذتان:
الأولى: أن الحديث من مسند ابن مسعود لا ابن عباس كذلك أخرجه النسائي والدارقطني والبيهقي وإسناده صحيح على شرط الشيخين وصححه الدارقطني وكذا الحافظ في "الفتح".
الثانية: تصدير الحديث بقوله: "روي" المشعر بإن الحديث ضيف وقد علمت أنه صحيح وهو مخرج في "الإرواء" ٣١٩.
قوله في السلام: "وعن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". قال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": رواه أبو داود بإسناد صحيح".
قلت: هو كما قال الحافظ ﵀ لكن ليس في النسخ التي وقفت عليها من "سنن أبي داود" زيادة: "وبركاته" في التسليمة الثانية وإنما هي في التسليمة الأولى فقط وكذلك أخرجه الطيالسي من حديث ابن مسعود موقوفا بسند رجاله ثقات والطبراني في "الكبير" ١٠١٩١ مرفوعا ولذلك رجحت في "صفة صلاة النبي ﷺ" أن لا تزاد هذه الزيادة في التسليمة الثانية حتى تثبت بطريق تقوم به الحجة.
وقد خرجت الحديث في "الإرواء" ٢ / ٣٠ - ٣٢ و"صحيح أبي داود" ٩١٥
[ ١٧١ ]