قوله فيما جاء في فضله من السنة: ٢ وقال سلمان الفارسي: قال رسول الله ﷺ: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد".
قلت: يؤخذ عليه أمران:
عدم تخريجه إياه وسكوته عن بيان ضعفه وهو من رواية الطبراني عن عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجوف عن الأعمش عن أبي العلاء النوري عن سلمان.
وعبد الرحمن هذا قال أبو حاتم:
[ ٢٤٤ ]
"لا يحتج به". وقال ابن عدي: "عامة أحاديثه مستقيمة وفي بعضها إنكار".
ثم ساق له هذا الحديث مشيرا إلى أن فيه نكارة قال الذهبي:
"وأبو العلاء لا أعرفه".
والحديث أخرجه الترمذي من طريق أخرى من حديث بلال وقال:
"ولا يصح من قبل إسناده".
قلت: وعلته أنه من رواية محمد بن سعيد وهو المصلوب وهو كذاب قال أحمد بن صالح:
"وضع أربعة آلاف حديث".
نعم الحديث دون الجملة الأخيرة منه: "ومطردة للداء عن الجسد" حسن أو صحيح فقد أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما من حديث أبي أمامة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه البغوي والحافظ العراقي فلو أن المؤلف آثره لكان أصاب وهو مخرج في "الإرواء" ٤٥٢ و"المشكاة" ١٢٢٧.
قال: ٣ وقال سهل بن سعد: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت واعلم أن شرف المرء من قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس".
قلت: القول في هذا كالذي قبله وقد رواه الطبراني وفي سنده زافر بن سليمان وهو صدوق كثير الأوهام كما في "التقريب" وقد قال العقيلي في هذا الحديث:
[ ٢٤٥ ]
"ليس له أصل مسند".
لكن روي من حديث جابر أيضا وعلي بن أبي طالب فهو بهما حسن كما بينته في "الصحيحة" ٨٣١.
قوله في آدابه تحت رقم ٢: ثم يدعو يعني عند الاستيقاظ بما جاء عن رسول الله ﷺ فيقول: "لا إله إلا أنت سبحانك وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب".
قلت: فيه ما في الحديثين قبله وكأن المؤلف اغتر بقول النووي في "الأذكار ":
"رويناه في "سنن أبي داود" بإسناد لم يضعفه عن عائشة".
قلت: وقد بينا في المقدمة أنه لا يجوز أن يغتر بسكوت أبي داود على الحديث فراجعها وهذا الحديث من الشواهد على ذلك فإن فيه عبد الله بن الوليد وهو لين الحديث كما قال الحافظ في "التقريب" وعمدته في ذلك الدارقطني. فإنه قال: "لا يعتبر بحديثه" وضعفه وأما ابن حبان فوثقه فتوسط الحافظ بينهما فلينه فالعجب منه كيف حسنه في "النتائج" ق ٢٤ / ١!
وقوله: "ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ".
قلت: هذا من أدعية الاستفتاح في صلاة الليل وقد صرحت بذلك رواية أبي عوانة في "صحيحه" وأبي داود لهذا الدعاء وهو من حديث ابن عباس. وقد جاء مطلقا في "الصحيحين" فأخذ به المصنف ههنا وأخذ برواية أبي داود المقيدة في "التوجه" ١ / ٢٧٠ وهو الصواب لأن المقيد يقضي على المطلق كما تقرر
[ ٢٤٦ ]
في علم الأصول فالأخذ به ههنا غير صواب فلعله ظن أنه حديث آخر!
قوله في عدد ركعاته:" ١ فعن سمرة بن جندب قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي من الليل ما قل أو كثر. ونجعل آخر ذلك وترا. رواه الطبراني والبزار".
قلت: نقله المؤلف عن "مجمع الزوائد" ٢ / ٢٥٢ وإن لم يشر إلى ذلك ولا أدري لم لم ينقل تمام كلامه عليه المبين لحاله وهو قوله: "وإسناده ضعيف "؟ أو نقله من "الترغيب" ١ / ٢١٧ وقد صدره بقوله: "روي" مشعرا بضعفه كما نص عليه في المقدمة وفي إسناد البزار والطبراني متهم بالوضع وضعفه البزار نفسه عقب الحديث.
لكني وجدت له متابعا وطريقا أخرى لا يتقوى الحديث بها لوهائها وقد بينت ذلك في "الضعيفة" ٥٢٨٤.
قوله:" ٢ وروي عن أنس ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة وأكثر من ذلك كله الركعتان يصليهما العبد في جوف الليل". رواه أبو الشيخ ابن حيان في "كتاب الثواب" وسكت عليه المنذري في الترغيب والترهيب ".
قلت: كلا بل ضعفه بتصديره إياه بقوله: "روي" كما قد نص عليه في المقدمة ونقلت كلامه في ذلك في "المقدمة" فراجعه.
وفي الحديث نفسه ما يدل على ضعفه فإن فيه أن الصلاة في مسجده ﷺ بعشرة آلاف والثابت في الأحاديث الصحيحة أنها بألف صلاة. ولذلك فالحديث منكر.
[ ٢٤٧ ]
قوله:" ٣ وعن إياس بن معاوية المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل". رواه الطبراني ورواته ثقات إلا محمد بن إسحاق".
قلت: نقله المؤلف من "الترغيب" وفي كلامه إشارة إلى إعلال الحديث لأن ابن إسحاق مدلس فالظاهر أنه قد عنعنه فإن كان صرح بالتحديث فليس بعلة.
لكن في الحديث علة أخرى وهي الإرسال فإن إياس بن معاوية ليس صحابيا بل هو من صغار التابعين توفي سنة ١٢٢ س فالحديث ضعيف بهذا اللفظ وهو بظاهره يفيد وجوب ما قل من صلاة الليل!
ويغني عنه في الحض عليها حديث ابن عباس الذي يتلوه في الكتاب فقد قواه المنذري والهيثمي.
ثم تأكدت مما استظهرته حين رأيت الحديث في "معجم الطبراني الكبير" ١ / ٢٧١ / ٧٨٧ من طريق محمد بن إسحاق معنعنا. والله ولي التوفيق.
وقد طبع هذا المجلد بهمة وتحقيق الأخ الشيخ حمدي السلفي جزاه الله ﷾ خيرا.
وأما حديثه الآخر رقم ٥ فقد ضعفاه.
وقد رواه أحمد أيضا في "الزهد" ص ١٦ بسند ضعيف كما بينته في "الضعيفة" ٣٩١٢ وخرجت تحته حديث ابن عباس القوي من رواية أبي يعلى
[ ٢٤٨ ]
قوله تحت رقم ٥ -: "والأفضل المواظبة على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وهو مخير بين أن يصلها وبين أن يقطعها قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن رواه البخاري ومسلم. ورويا أيضا عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة".
قلت: وتمام حديث القاسم عنها عندهما: "ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة". فيؤخذ على المؤلف أمور:
الأول: أنه خير بين الوصل والفصل وهو يفيد أن لا تفاضل بين الأمرين مع أنه فضل فيما سبق الفصل على الوصل في الصلاة النهارية بدليل: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" فهذا يلزمه نفس التفضيل فتأمل. مع أن ذكر النهار في الحديث شاذ لولا الطرق والشواهد التي سبق بيانها.
الثاني: أنه لم يذكر الدليل على الثلاث عشرة ركعة وهو من حديث عائشة أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين. رواه البخاري ٣ / ٣٥ بشرح الفتح من طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عنها.
وكذلك أخرجه أحمد ٦ / ١٧٨ وفي رواية له ٦ / ٢٣٠:
"ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منها إلا في آخرها".
وإسنادها على شرط الشيخين.
[ ٢٤٩ ]
لكني أرى أن قوله: "ثلاث عشرة" خطأ من هشام لأنه قد خالفه الزهري عند مالك ١ / ١٤١ ومن طريقه مسلم ٢ / ١٦٥ وأبو عوانة ٢ / ٣٢٦ فقال: عن عروة "إحدى عشرة".
وكذلك أخرجه البخاري ٣ / ٦ ومسلم وأبو عوانة من طرق أخرى عن الزهري به. وقد تابعه عمران بن ما لك ويأتي لفظه ومحمد بن جعفر بن الزبير عن عروة به. بل هو رواية عن هشام نفسه فقال محمد بن إسحاق: حدثني هشام ابن عروة بن الزبير ومحمد بن جعفر بن الزبير كلاهما حدثني عن عروة بن الزبير عن عاثشة زوج النبي ﷺ قالت:
كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة بركعتين بعد الفجر قبل الصبح إحدى عشرة ركعة من الليل ست مثنى مثنى ويوتر بخمس لا يقعد فيهن. أخرجه أحمد ٦ / ٢٧٦ وسنده جيد.
فهذه الرواية تدل على أن هشاما كان يضطرب في رواية الحديث فتارة يجعل ركعتي سنة الفجر زيادة على "الثلاث عشرة" وتارة يجعلهما منها وهذا هو الصواب لأمرين:
الأول: أنه موافق لرواية الثقات الآخرين عن عروة.
الثاني: أنه موافق للطرق الأخرى عن عائشة مثل رواية القاسم عنها فإنها صريحة بأنها ثلاث عشرة بركعتي الفجر وقد تقدمت ومثلها رواية أبي سلمة عنها بلفظ:
"كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر".
أخرجه مسلم ٢ / ١٦٧.ونحوه رواية عمران عن عروة بلفظ:
"كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر".
[ ٢٥٠ ]
أخرجه مسلم ٢ / ١٦٦ وأحمد ٦ / ٢٢٢.
نعم قد يعارض هذا ما روى عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث وعشر وثلاث ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ركعة ولا أنقص من سبع".
أخرجه أحمد ٦ / ١٤٩ وأبو داود ١ / ٢١٤ وسنده صحيح كما قال العراقي في "تخريج الإحياء".
وجمع بين هذه الرواية والروايات المتقدمة عنها بأنها أخبرت فيها عن حالته ﷺ المعتادة الغالبة وفي هذه الرواية أخبرت عن زيادة وقعت في بعض الأوقات أو ضمت فيها ما كان يفتتح به صلاته من ركعتين خفيفتين قبل الإحدى عشرة.
قلت: ويؤيد هذا حديث زيد بن خالد الجهني قال: لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة فتوسدت عتبته أو فسطاطه فصلى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة.
أخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" وابن نصر في "قيام الليل" ص ٤٨ وما بين القوسين ساقط من أبي عوانة والسياق له.
قلت: ويحتمل أن تكون الضميمة ركعتي سنة العشاء البعدية أحيانا فإني لا أذكر حديثا صريحا ذكر فيه صلاته ﵇ للعشاء ثم سنتها ثم الوتر بإحدى عشرة ركعة بله ثلاث عشرة ركعة بل وقفت على ما يؤيد هذا الاحتمال وهو ما روى شرحبيل بن سعد أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من الحديبية حتى إذا كنا بالسقيا قام رسول الله ﷺ وجابر إلى جنبه فصلى العتمة ثم صلى ثلاث عشرة سجدة. رواه ابن نصر ورجاله ثقات إلا أن شرحبيل بن سعد كان اختلط بآخره. والله أعلم.
[ ٢٥١ ]