قوله في عدد ركعاته: "وصح أن الناس كانوا يصلون على عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة".
قلت: أما عن عثمان فلا أعلم أحدا روى ذلك عنه ولو بسند ضعيف وأما عمر وعلي فقد روي ذلك عنهما بأسانيد كلها معلولة كما فصلت القول في ذلك تفصيلا لا أعلم أني سبقت إليه في كتابي "صلاة التراويح" وبينت فيه أن الروايات الواردة في ذلك هي من النوع الذي لا يقوي بعضه بعضا وأنه لو صح شيء منها فإنما كان ذلك لعلة وقد زالت لأنه لم يبق في الأئمة من يطيل في القراءة تلك التي كان عليها السلف حتى يعدلوا عنها إلى تقصير القراءة وتكثير الركعات بدل التطويل وأنه لا إجماع على العشرين وأن الذي صح عن عمر ﵁ بأصح إسناد مطابق لسنته ﷺ التي روتها عائشة في حديثها المذكور في الكتاب فقد روى مالك في "الموطأ" عن السائب بن يزيد ﵁ قال:
"أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر".
وأثبت فيه أن التزامه ﷺ بإحدى عشرة ركعة طيلة حياته المباركة دليل قاطع على أن الصلاة في الليل ليس نفلا مطلقا كما يدعي الكثيرون وأنه لا فرق بين صلاة الليل من حيث إثبات كونها صلاة مقيدة وبين السنن الرواتب وصلاة الكسوف
[ ٢٥٢ ]
ونحوها فإن هذه إنما ثبت كونها صلاة مقيدة بملازمته ﷺ لها وليس بنهيه عن الزيادة عليها وأن التمسك بالأحاديث المطلقة أو العامة في الحض على الإكثار من الصلاة لا يجوز الزيادة على العدد الذي لم يجر عليه عمله ﷺ كما حققته في "صلاة التراويح" في بحث هام دعمته ببعض النقول عن بعض الأئمة الفحول مؤداها أنه لا يجوز التمسك بالمطلقات التي جاءت مقيدة بعمله ﷺ وقلت هناك:
"وما مثل من يفعل ذلك إلا كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النبي ﷺ كما وكيفا محتجا بتلك المطلقات كمن يصلي مثلا سنة الظهر خمسا١ وسنة الفجر أربعا وكمن يصلى بركوعين وسجدات وفساد هذا لا يخفى على عاقل"
ونقلت قبل هذا الكلام عن الفقيه الهيتمى أنه لا يجوز الزيادة والنقص في الوتر وسنة الظهر فراجع هذا وما لخصته لك في الكتاب المذكور فإنه مهم جدا.
وبهذه المناسبة أقول:
لقد ألف الشيخ إسماعيل الأنصاري رسالة في الرد على الكتاب المشار إليه لم يكن فيها مع الأسف عند حسن الظن به إنصافا وعلما فإنه مع تكلفه في الرد واحتجاجه بما يعلم هو أنه غير ثابت ومكابرته في رد الأدلة الكثيرة التي احتججت بها في عدم الزيادة على الإحدى عشرة ركعة ولم يتعرض لها بجواب مطلقا تسليكا منه لواقع الناس في صلاة التراويح وإرضاء منه للجمهور وغيرهم! فإنه زاد على ذلك أنه افترى علي ما لم أقل تماما كما يفعل أهل الأهواء والبدع
_________________
(١) ١ سقطت من الطابع لفظة: "سنة" ففسره بعض المغرضين بأن المقصود فرض الظهر وبنى عليه ما أوحى إليه هواه من التهويل والتشهير وعطف سنة الفجر يؤكد السقط ولا سيما وسنة الظهر قد ذكرت قبل ذلك فيما نقلته عن الهيتمي كما ذكرت أعلاه.
[ ٢٥٣ ]
مع أهل السنة! فلا بأس من ذكرها تنبيها وتحذيرا:
أولا: ذكر ص ٥ أنني أنكرت الزيادة المذكورة تقليدا للمباركفوري وهذه الفرية يغني حكايتها عن تكلف الرد عليها وإبطالها لأن القراء جميعا من الموافقين والمخالفين والمحبين والمبغضين يعلمون جميعا أنني لا أقلد أحدا في منهجي العلمي بل هو السبب في ثوران بعض الناس علي وفيهم بعض أهل العلم مع الأسف حسدا وبغيا.
ثانيا: نسب إلي ص ١٥ أنني ضعفت يزيد بن خصيفة راوي عدد العشرين عن عمر وبناء عليه سود عدة صفحات من رسالته ليثبت لي - زعم - بأقوال الأئمة أنه ثقة وهو يعلم أنني غير مخالف لهم في ذلك فقد قلت في كتابي المذكور في صدد بيان وجوه ضعف العدد الذي رواه عن ابن عمر:
"الأول: أن ابن خصيفة وإن كان ثقة فقد قال فيه الإمام أحمد في رواية عنه: منكر الحديث ".
ثم أكدت كونه ثقة عندي في تمام كلامي المشار إليه فلا داعي لنقله فمن شاء رجع إليه ليتأكد من افتراء الشيخ علي.
ثالثا: نسب إلي أيضا ص ٢٢ أنني احتججت برواية عيسى بن جارية عن جابر مثل حديث عائشة في عدد ركعات التراويح والواقع في كتابي يكذبه فإني قلت فيه بالحرف الواحد:
"وسنده حسن بما قبله"!
ولقد حاولت في نفسي أن أبرئ الشيخ من هذه الفرية بأنه لا يفهم قيد "بما قبله" ولكني استعظمت أن اجزم بذلك خشية أن أقع أنا فيما وقع هو فيه!
[ ٢٥٤ ]
فاعتبروا يا أولي الأبصار!
رابعا: نسبني أيضا ص ٤١ إلى تجهيل السلف الصالح.
وهذا في الواقع أعظم فرياته علي لأن سابقاتها تتعلق بعلمي ومن الممكن أن أخطئ في بعض جوانبه ويكون هو مصيبا فيما نسب إلي وإن كنت أثبت كذبه فيه وأما هذه الفرية فتتعلق بعقيدتي وديني وفهمي إياه على منهج السلف الصالح فأنا - والحمد لله - معروف بين الناس جميعا أنني سلفي أدعو إلى اتباع السلف الصالح لسانا وقلما ومن ذلك قولي في هذا الكتاب: "صلاة التراويح ":
"لو ثبتت الزيادة على الإحدى عشرة ركعة عن أحد الخلفاء الراشدين أو غيرهم من فقهاء الصحابة لما وسعنا إلا القول بجوازها لعلمنا بفضلهم وفقههم وبعدهم عن الابتداع في الدين ".
فإذا لم تثبت الزيادة بها عنهم عندي فتمسكت فقط بما ثبت عن نبيي ﷺ أفيكون جزائي أن أتهم بتجهيل السلف؟! تالله إنها لإحدى الكبر: والله تعالى هو المستعان.
فائدة: قال الإمام ابن خزيمة في "صحيحه" ٢ / ١٩٤ بعد أن ذكر الأحاديث الصحيحة في عدد ركعاته ﷺ في الليل من تسع إلى ثلاث عشرة ركعة:
"وهذا الاختلاف من جنس المباح فجائز للمرء أن يصلي أي عدد أحب من الصلاة مما روي عن النبي ﷺ أنه صلاهن وعلى الصفة التي رويت عن النبي ﷺ أنه صلاها لا حظر على أحد في شيء منها".
فقوله: "مما روي عن النبي ﷺ " واضح أنه لا يجيز الزيادة التي لم ترو
[ ٢٥٥ ]
عن النبي ﷺ ومما يؤيد ذلك من صنيعه أنه في أبواب قيام رمضان قال في أحدها ٣ / ٣٤١:
"باب ذكر عدد صلاة النبي ﷺ بالليل في رمضان والدليل على أنه لم يكن يزيد في رمضان على عدد الركعات التي كان يصليها في غير رمضان".
ثم ساق حديث عائشة بلفظين أحدهما:
"كانت صلاته ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر".
[ ٢٥٦ ]