ومن ما لا ينقض الوضوء
قوله في صدد عد ما لا ينقضه: "أكل لحم الإبل وهو رأي الخلفاء الأربعة وكثير من الصحابة والتابعين إلا أنه صح الحديث بالأمر بالوضوء منه". ثم ذكره من حديث جابر بن سمرة والبراء بن عازب ثم قال:
"وقال ابن خزيمة: لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه وقال النووي: هذا المذهب أقوى دليلا وإن كان الجمهور على خلافه انتهى. إلا أنه يقال: كيف خفي حديث جابر والبراء على الخلفاء الراشدين والجمهور الأعظم من الصحابة والتابعين"!
قلت: هذا الاستفهام لا طائل تحته بعد أن صح الحديث عنه ﷺ باعتراف المؤلف فلا يجوز تركه مهما كان المخالفون له في العدد والمنزلة فإن حديث رسول الله ﷺ إنما "يثبت بنفسه لا بعمل غيره من بعده" كما قال الإمام الشافعي على ما سبق في "المقدمة: القاعدة ١٤".
وإني لأستغرب جدا من المؤلف هذا القول لأنه لا يتفق في شيء مع الغرض الذي من أجله وضع كتابه هذا وهو "جمع المسلمين على الكتاب والسنة والقضاء على الخلاف وبدعة التعصب للمذاهب" كما نص هو عليه في "المقدمة" بل إن قوله هذا تأييد عملي للمقلدة الذين يردون أحاديث الرسول ﷺ بمثل هذه الدعوى في أئمتهم١.
_________________
(١) ١ ثم رأيت المؤلف - جزاه الله خيرا - قد حذف من طبعته الجديدة للكتاب ١ / ٥٥ هذا الاستفهام تجاوبا منه مع إنكارنا إياه. أثابه الله.
[ ١٠٤ ]
أقول: هذا على افتراض أن ما ذكره المؤلف عن الخلفاء الراشدين من مخالفة الحديث ثابت عنهم وإلا فإني أقول: أين السند الصحيح بذلك عنهم؟ وهذا أقل ما يجب على من يريد أن يرد حديث رسول الله ﷺ بمخالفة غيره له؟!
وليس للمؤلف أي دليل أو سند في إثبات ذلك إلا اعتماده على ما ذكره النووي في "شرح مسلم" أنه: "ذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء يعني أكل لحم الجزور وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون ".
وهذه الدعوى خطأ من النووي ﵀ قد نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال في "القواعد النورانية" ص ٩:
"وأما من نقل عن الخلفاء الراشدين أو جمهور الصحابة أنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل فقد غلط عليهم إنما توهم ذلك لما نقل عنهم أنهم لم يكونوا يتوضؤون مما مست النار وإنما المراد أن كل ما مست النار ليس سببا عندهم لوجوب الوضوء والذي أمر به النبي ﷺ من الوضؤ من لحوم الإبل ليس سببه مس النار كما يقال: كان فلان لا يتوضأ من مس الذكر وإن كان يتوضأ منه إذا خرج منه مذي".
قلت: ويؤيد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الطحاوي ١ / ٤١ والبيهقي ١ / ١٥٧ رويا عن جابر بن عبد الله ﵁ أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب أكلا خبزا ولحما فصليا ولم يتوضيا. ثم أخرجا نحوه عن عثمان والبيهقي عن علي.
فأنت ترى أنه ليس في هذه الآثار ذكر للحم الإبل البتة وإنما ذكر فيها.
[ ١٠٥ ]
اللحم مطلقا وهذا لو كان عن رسول الله ﷺ لوجب حمله على غير لحم الإبل دفعا للتعارض فكيف وهو عن غيره ﷺ فحمله على غير لحم الإبل واجب من باب أولى حملا لأعمالهم على موافقة الشريعة لا على مخالفتها ولذلك أورد الطحاوي والبيهقي هذه الآثار في باب "الوضوء مما مست النار" ولم يوردها البيهقي في "باب التوضؤ من لحوم الإبل" وإنما قال فيه:
"وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: الوضوء مما خرج وليس مما دخل وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار".
ثم روى البيهقي فيه بسنده عن ابن مسعود أنه أكل لحم جزور ولم يتوضأ ثم قال: "وهذا منقطع وموقوف وبمثل هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله ﷺ".
قلت: وبخاصة أنه ثبت عن الصحابة خلافه فقال جابر بن سمرة ﵁: كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١ / ٤٦ بسند صحيح عنه
[ ١٠٦ ]