قوله تحت رقم ١ -: وعن علي كرم الله وجهه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويكل معنا اللحم ولم يكن يحجزه عن القران شيء ليس الجنابة. رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن السكن.
قلت: الترمذي معروف عند العلماء بتساهله في التصحيح حتى قال الذهبي في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف من "الميزان ":
"ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه".
وكذلك ابن السكن ليس تصحيحه مما إليه يركن ولذلك لا بد من النظر في سند الحديث إذا صححه أحد هذين أو من كان مثلهما في التساهل كابن خزيمة وابن حبان حتى يكون المسلم على بصيرة من صحة حديث نبيه ﷺ وقد وجدنا في الأئمة ممن ضعف الحديث من هم أعلى كعبا في هذا العلم وأكثر عددا من الترمذي وابن السكن فقال النووي:
"خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا الحديث".
وقال المنذري في "مختصر السنن" ١ / ١٥٦:
"وذكر أبو بكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة وحكى البخاري عن عمرو بن مرة: كان عبد الله - يعني: ابن
[ ١٠٨ ]
سلمة - يحدثنا فنعرف وننكر وكان قد كبر لا يتابع على حديثه. وذكر الإمام الشافعي هذا الحديث وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه. قال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكر وإنما روى هذا الحديث بعدما كبر
قال شعبة: وذكر الخطابي أن الإمام أحمد كان يوهن حديث علي ويضعف أمر عبد الله بن سلمة".
فهذا الإمام الشافعي وأحمد والبيهقي والخطابي قد ضعفوا الحديث فقولهم مقدم لوجوه:
الأول: أنهم أعلم وأكثر.
الثاني: أنهم قد بينوا علة الحديث وهي كون راويه قد تغير عقله وحدث به في حالة التغير فهذا جرح مفسر لا يجوز أن يصرف عنه النظر.
الثالث: أنه قد عارضه حديث عائشة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
رواه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" فهو بعمومه يشمل حالة الجنابة وغيرها كما أن الذكر يشمل القرآن وغيره.
وقد كنت قديما اعترضت على المؤلف لاحتجاجه بهذا الحديث واحتججت عليه بنحو ما ذكرت هنا ثم رد عل بأن الحافظ حسنه فتعجبت وقتئذ كيف قدم تحسين الحافظ على تضيف هؤلاء الأئمة مع كون هذا التضعيف موافقا لقواعد علم الحديث من رد حديث المختلط والمتغير كما تقدم بيانه في المقدمة.
[ ١٠٩ ]
والآن أعود فأذكر الأستاذ الفاضل بهذه الحقيقة ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقد زدت هذا البحت بيانا في "الإرواء" ٤٨٥ فمن شاء رجع إليه
قوله تحت رقم ٦ -: وروي عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
قلت: هذا يوهم أن الترمذي - الذي من عادته أن يتكلم على الحديث تصحيحا أو تضعيفا - قد سكت على هذا الحديث وليس كذلك بل صرح عقب تخريجه بأن إسناده ضعيف. وقد يعتذر عن المؤلف بأنه استغنى عن ذكره اختصارا مكتفيا بالإشارة إلى ضعف الحديث بتصديره إياه بقوله: "روي". فأقول: هذا لا يكفي فإنا مأمورون بمخاطبة الناس على قدر ما يفهمون والتصدير المذكور أمر اصطلاحي عند المحدثين قليل من قراء هذا الكتاب من يعلم المقصود منه أو يتنبه له حتى المؤلف نفسه قد ذهل عن هذه الحقيقة حين نقل بعض الأحاديث عن الترغيب للمنذري مصدرة بهذه اللفظة: "روي" وعقب ذلك بقوله: "سكت عنه المنذري" مع أن المنذري ضعفه بهذا التصدير فإذا خفي هذا على المؤلف نفسه فلأن يخفى على قراء كتابه أولى ولا سيما أنه لم ينص في "المقدمة" على أن له هذا الاصطلاح كما فعل المنذري في مقدمة كتابه وقد نقلت كلامه في مقدمة هذه التعليقات "القاعدة: ١٣" فراجعها بل أنا في شك من أن يكون المؤلف قد عنى تضعيف الحديث بهذا التصدير الذي تبع فيه المنذري لما ذكرته.
_________________
(١) ١ راجع الصفحة الأولى من هذه التعليقات وانظر ما سيأتي من التعليق على ما يحرم على الجنب.
[ ١١٠ ]
آنفا ولما سيأتي في "الغسل من غسل الميت".
ثم إن الحديث متفق على تضعيفه عند المحدثين وقد ذكرت نصوصهم في ذلك في كتابي "ضعيف سنن أبي داود" رقم ٩ ومنهم المنذري حيث صدره بصيغة روي وعنه نقله المؤلف بالحرف الواحد!
هذا وتتميما للفائدة أذكر مواضع أخرى يستحب لها الوضوء لم يذكرها المؤلف وقد أوردتها في "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" ومنه نقلت الخلاصة الآتية:
١ - الوضوء عند كل حدث لحديث بريدة بن الحصيب قال:
أصبح رسول الله ﷺ يوما فدعا بلالا فقال: "يا بلال بما سبقتني إلى الجنة؟ إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي؟ " فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده فقال رسول الله "ﷺ: "لهذا".
رواه الترمذي والحاكم وابن خزيمة في "صحيحه" وإسناده صحيح على شرط مسلم واقتصر المنذزي على عزوه لابن خزيمة وحده وهو قصور!
٢ - الوضوء من القئ لحديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صببت له وضوءه.
أخرجه الترمذي ١ / ١٤٢ - ١٤٣ وغيره بإسناد صحيح والاضطراب الذي وقع في سنده لا يعله لأن حسينا المعلم قد جوده كما قال الترمذي وأحمد راجع "نيل الأوطار" ١ / ١٦٤ وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر على الترمذي.
[ ١١١ ]
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموعة الرسائل الكبرى" على استحباب الوضوء من القئ لهذا الحديث ٢ / ٢٣٤.
٣ - الوضوء من حمل الميت لقوله ﷺ:
"من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ".
وهو حديث صحيح جاء من طرق بعضها صحيح وبعضها حسن كما ذكرته في "إرواء الغليل" رقم ١٤٤ وقواه ابن القيم وابن القطان وابن حزم والحافظ راجع "التلخيص الحبير" ٢ / ١٣٤.
ثم رأيت المؤلف قد احتج بالحديث على استحباب الغسل من غسل الميت فيما يأتي من كتابه فكأنه ذهل عن الاستدلال به لما ذكرته هنا.
[ ١١٢ ]