الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ بِمَكَّةَ حِينَ ذَكَرَ الْحَرَمَ: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ»، يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ»، لَا يُفْسَدُ وَلَا يُقْطَعُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ، وَأَصْلُهُ مِنْ: عَضْدِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، إِذَا أَصَابَ عَضُدَهُ بِسُوءٍ، يُقَالُ فِي ذَلِكَ: عَضَدَ فُلَانٌ فُلَانًا فَهُوَ يَعْضِدُهُ عَضْدًا، وَلِلْعَضْدِ مَعْنًى غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ عَضُدًا وَعَوْنًا، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَضَدْتُ فُلَانًا عَلَى أَمْرِهِ فَأَنَا أَعْضُدُهُ عَضْدًا، إِذَا أَعَنْتُهُ
[ ١ / ٤٤ ]
، فَأَمَّا الْعَضَدُ بِتَحْرِيكِ الضَّادِ، فَإِنَّهُ مَعْنًى غَيْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْضَادِهَا فَتُبَطُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ:
[البحر البسيط]
شَكَّ الْفَرِيصَةَ بِالْمِدْرَى فَأَنْفَذَهَا شَكَّ الْمُبَيْطِرِ إِذْ يَشْفِي مِنَ الْعَضَدِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ، وَلَا يُقْطَعُ خَلَاهَا، «وَالْخَلَى» مَقْصُورًا: كُلُّ كَلَأٍ رَطْبٍ، فَإِذَا يَبِسَ كَانَ حَشِيشًا، وَلِذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: أَلْقَتِ النَّاقَةُ وَلَدَهَا حَشِيشًا، إِذَا أَلْقَتْهُ يَابِسًا. وَمِنْهُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَهَا عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَنْهُ، عَنْ أَمَرِ الْمَرْأَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِوَلَدٍ عِنْدَ زَوْجٍ تَزَوَّجَتْهُ: إِنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ كَانَتْ حَمَلَتْ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ تَرَكَهَا، فَحَشَّ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا. فَلَمَّا وَطِئَهَا الْآنَ الْآخَرُ، تُحَرِّكَ فِي بَطْنِهَا، تَعْنِي بِقَوْلِهَا: فَحَشَّ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا: يَبِسَ. وَمِنَ الْخَلَى قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر المتقارب]
وحَوْلِي بَكْرٌ وَأَشْيَاعُهَا فَلَسْتُ خَلَاةً لِمَنْ أَوْعَدَنْ
يَقُولُ: فَلَسْتُ فِي الضَّعْفِ وَالذِّلَّةِ، كَالْخَلَاةِ الَّتِي يَتَوَطَّؤُهَا النَّاسُ بِالْأَرْجُلِ. «وَالْخَلَاةُ»، وَاحِدَةُ الْخَلَى "
[ ١ / ٤٥ ]
وَأَمَا قَوْلُهُ: «وَلَا تُعْضَدُ شَجْرَاؤُهَا»، فَإِنَّ «الشَّجْرَاءَ» فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ الشَّجَرِ، كَالْغِيضَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا. أَخْرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَرْضِ ذَاتِ الشَّجَرِ، وَالْمُرَادُ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ «الشَّجْرَاءَ» مَا قُلْتُ، قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ:
[البحر الرمل]
وَتَرَى الشَّجْرَاءَ مِنْ رِيقِهَا كَرُءُوسٍ قُطِّعَتْ فِيهَا خُمُرْ
يَعْنِي بِالشَّجْرَاءِ، الْأَرْضَ ذَاتَ الشَّجَرِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: «وَلَا تُعْضَدُ شَجْرَاؤُهَا»، أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ: وَلَا يُقْطَعُ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ، وَذَلِكَ عَضْدٌ وَإِصَابَةٌ بِالْإِفْسَادِ، لِأَنَّ قَطْعَ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ إِفْسَادٌ لَهَا، فَنُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ فَعْلِ ذَلِكَ بِهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَلَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا»، فَإِنَّ الْعِضَاهَ عِنْدَ الْعَرَبِ: كُلُّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ، إِلَّا الْقَتَادَ وَالسِّدْرَ، وَإِيَّاهَا عَنَى الْأَخْطَلُ بِقَوْلِهِ:
[البحر الكامل]
وَلَقَدْ عَلِمْتِ إِذَا الْعِشَاءُ تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرِّئَالِ تَكُبُّهُنَّ شِمَالَا
[ ١ / ٤٦ ]
تَرْمِي الْعِضَاهَ بِحَاصِبٍ مِنْ ثَلْجِهَا حَتَّى يَبِيتَ عَلَى الْعِضَاهِ جُفَالَا
وَأَمَّا قَوْلُ الْعَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا وَقُيُونِنَا»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْقُيُونِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الصْاغَةَ وَالشَّعَّابِينَ وَأَشْبَاهَهُمْ. وَالْقَيْنُ عِنْدَ الْعَرَبِ: كُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ يُعَالِجُهَا بِنَفْسِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
وَعَهْدُ الْغَانِيَاتِ كَعَهْدِ قَيْنٍ وَنَتْ عَنْهُ الْجَعَائِلُ مُسْتَذَاقِ
وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ لِلْفَرَزْدَقِ، وَرَآهُ رَاكِبَ فَرَسٍ:
[البحر الرجز]
يَا عَجَبًا هَلْ يَرْكَبُ الْقَيْنُ الْفَرَسْ وعَرَقُ الْقَيْنِ عَلَى الْخَيْلِ نَجَسْ
[ ١ / ٤٧ ]
وَالْقَيْنُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا مَا جَلَسْ بِالْكَلْبَتَيْنِ وَالْعَلَاةِ وَالْقَبَسْ
وأَمَا قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ بِذَحْلِ الْجَاهِلِيَّةِ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي ﷺ بِقَوْلِهِ: «بِذَحْلِ الْجَاهِلِيَّةِ»: بِوَغْمٍ كَانَ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ، وَأَصْلُ «الذَّحْلِ»: إَسَاءَةُ الرَّجُلِ إِلَى آخَرَ فِي الْأَمْرِ، فَيُؤْخَذُ بِهَا الْمُسِيءُ، يُقَالُ لِلْمُسَاءِ إِلَيْهِ: «لَهُ عِنْدَ فُلَانٍ تَبْلٌ، وَذَحْلٌ، وَوَغْمٌ، وَطَائِلَةٌ، وَوِتْرٌ، وَتِرَةٌ، وَدِعْثٌ» وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ طَلِبَةٌ بِإِسَاءَتِهِ إِلَيْهِ، وَأَمَا إِذَا كَانَ الَّذِي لَهُ قِبَلَهُ طَلِبَةٌ بِدَمٍ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: «لَهُ قِبَلَهُ ثَأْرٌ، وَثُؤْرَةٌ»، «وَالثُّؤْرَةُ»: الْمَصْدَرُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
قَتَلْتُ بِهِ ثَأْرِي، وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي وَكُنْتُ إِلَى الْأَوْثَانِ أَوَّلُ رَاجِعِ
وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلَ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِأَخْذِ الْعَقْلِ، أَخْذَ الدِّيَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: «عَقَلَ عَنْ فُلَانٍ عَشِيرَتُهُ»، إِذَا أَعْطَوْا عَنْهُ دِيَةَ قَتِيلِهِ، وَعَقَلَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ: إِذَا غَرِمَ عَنْهُ دِيَةَ جِنَايَتِهِ. وَيُقَالَ: «بَنُو فُلَانٍ عَلَى مَعَاقِلِهِمْ»، يَعْنِي بِذَلِكَ عَلَى دِيَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَوَاحِدَةُ الْمَعَاقِلِ مَعْقَلَةٌ وَيُقَالُ: «صَارَ دَمُ فُلَانٍ مَعْقَلَةٌ عَلَى قَوْمِهِ»، أَيْ صَارُوا يَدُونَهُ فِي الْقَتْلِ، فَصَارُوا غُرَمَاءً وَيُقَالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ تُقْسَمُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ لِيُؤَدُّوهَا مِنْ
[ ١ / ٤٨ ]
أَمْوَالِهِمْ: عَاقِلَةٌ، وَمِنَ الْعَقْلِ بِهَذَا الْمَعْنَى، أَعِنِّي بِمَعْنَى الدِّيَةِ، قَوْلَ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ:
لَمَّا رَأَى وَاشِقٌ إِقْعَاصَ صَاحِبِهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى عَقْلٍ وَلَا قَوَدِ
يَعْنِي بِالْعَقْلِ: الدِّيَةَ. وَالْعَقْلُ أَيْضًا، بِسُكُونِ الْقَافِ: ضَرْبٌ مِنَ الْوَشْيُ، وَالْعَقْلُ أَيْضًا بِسُكُونِ الْقَافِ: أَنْ يَسْتَمْسِكَ بَطْنُ الرَّجُلِ، يُقَالُ مِنْهُ: «عَقَلَ الطَّعَامُ بَطْنَهُ، فَهُوَ يَعْقِلُهُ عَقْلًا»، وَيُقَالُ: «أَعْطِنِي عَقُوَلًا أَشْرَبُهُ»، فَيُعْطَى دَوَاءً يُمْسِكُ بَطْنَهُ، وَالْعَقْلُ أَيْضًا: الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْحُمْقِ، وَالْعَقْلُ أَيْضًا: أَنْ تَعْقِلَ يَدَ الْبَعِيرِ، وَهُوَ أَنْ يُشَدَّ وَظِيفُهُ إِلَى ذِرَاعِهِ، وَالْعَقَلُ بِحَرَكَةِ الْعَيْنِ وَالْقَافِ: غَيْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِطَ الرُّوحُ فِي الرِّجْلَيْنِ حَتَّى يَصْطَكَّ الْعُرْقُوبَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ.
[البحر البسيط]
. . . . . . . . . . . . . . . . . مَفْرُوشَةِ الرِّجْلِ فَرْشًا لَمْ يَكُنْ عَقَلَا
[ ١ / ٤٩ ]
يُقَالُ: نَاقَةٌ عَقَلَاءُ، وَبَعِيرٌ أَعْقَلُ بَيِّنُ الْعَقْلِ، إِذَا كَانَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «بَخَبْلٍ»: بِجُرْحٍ إِمَّا قَطْعُ يَدٍ أَوْ رِجِلٍ. وَأَصْلُهُ فَسَادٌ يَكُونُ فِي أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ، يُقَالُ مِنْهُ: بَنُو فُلَانٍ يُطَالِبُونَ بَنِي فُلَانٍ بِدِمَاءٍ أَوْ خَبْلٍ، أَيْ: بِقَطْعِ أَيْدٍ وَأَرْجُلٍ، وَمِنَ الْخَبْلِ بِسُكُونِ الْبَاءِ قَوْلُ جَرِيرٍ: وَمَا مَارَسَتْ مِنْ ذِي ذُبَابٍ شَكِيمَتِي فَيُفْلِتَ فَوْتَ الْمَوْتِ إِلَّا عَلَى خَبْلٍ وَأَمَّا الْخَبَلُ بِحَرَكَةِ الْخَاءِ وَالْبَاءِ: فَإِنَّهُ الْجُنُونُ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر البسيط]
وَعُلِّقَتْنِي أُخَيْرَى مَا تُلَائِمُنِي فَاجْتَمْعَ الْحَبُّ حُبًّا كُلُّهُ خَبَلُ
يَعْنِي: جُنُونٌ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵁: ثُمَّ ارْتَجَلَ قَوْلًا، فَإِنَّهُ - يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ
[ ١ / ٥٠ ]
ابْتَدَأَهُ - عَنْ غَيْرِ تَرْوِيَةٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ فِيهِ وَلَا تَدَبُّرٍ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِرَأْيهِ: «فُلَانٌ مُرْتَجِلٌ بِرَأْيهِ» . وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ: لَا بَأْسَ بِالرَّعْيِ فِي الْحَرَمِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَخْبِطُ، فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ: غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَخْبِطُ: غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ فَيَضْرِبُهَا بِعَصَاهُ حَتَّى يَنْتَثِرَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَرَقِ، وَذَلِكَ هُوَ الْخَبْطُ، وَقَدْ يُقَالُ لِلسَّائِلِ الَّذِي يَسْأَلُ غَيْرَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ: اخْتَبَطَهُ وَخَبَطَهُ، تَشْبِيهًا لَهُ فِي مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَا قَرَابَةٍ، مُسْتَخْرِجًا بِذَلِكَ مِنْهُ مَالَهُ، بِالَّذِي يَخْتَبِطُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَرَقَهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:
[البحر البسيط]
مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عَلَّاتِهِ هَرِمًا يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا
وَلَيْسَ مَانِعَ ذِي قُرْبَى وَلَا نَسَبٍ يَوْمًا، وَلَا مُعْدِمًا مِنْ خَابِطٍ وَرَقًا
وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَتُلَّتْ فِي يَدِي»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «فَتُلَّتْ فِي يَدَيْ»: رُمِيَ بِهَا فِي يَدِي وَوُضِعَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، يَقُولُ: صَرَعَهُ لِلْجَبِينِ. يُقَالُ مِنْهُ: «تَلَّ فُلَانٌ فُلَانًا لِوَجْهِهِ، فَهُوَ يَتُلُّهُ تَلًّا، وَهُوَ تَلِيلٌ لِوَجْهِهِ»، - يَعْنِي مَرْمِيٌّ بِهِ كَذَلِكَ مَصْرُوعٌ -
[ ١ / ٥١ ]
وَأَمَا قَوْلُ عَطَاءٍ: فِي الدَّوْحَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ بَقَرَةٌ، فَإِنَّ «الدَّوْحَةَ»: كُلُّ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ، تَجْمَعُ دَوْحًا، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ:
[البحر الطويل]
فَأَضَحَى يَسُحُّ الْمَاءَ عَنْ كُلِّ فِيقَةٍ يُكَبَّ عَلَى الْأَذْقَانِ دَوْحُ الْكَنَهْبَلِ
- يَعْنِي بِدَوْحِ الْكَنَهْبُلِ عِظَامَهَا -، وَالْكَنَهْبُلِ: الْعِضَاهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ لِعُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " مَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ مَعِيَ نِضْوًا لِي، - يَعْنِي بِالنِّضْوِ: بَعِيرًا مُسِنًّا هَزِيلًا -. وَأَصْلُ «النِّضْوِ»: كُلُّ شَيْءٍ يَخْلُقُ، فَشَبَّهَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ بَعِيرَهُ فِي هُزَالِهِ وَمُرُورِ الْأَزْمِنَةِ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ الْخَلَقِ، يَجُرُّهُ مَعَهُ، وَمِنَ النِّضْوِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ فِي صِفَةِ حَيَّةٍ يُشَبِّهُهَا بِحَبْلِ الْقِرْبَةِ الْخَلَقِ:
[البحر الطويل]
وَمِنْ حَنَشٍ ذَعْفِ اللُّعَابِ كَأَنَّهُ عَلَى الشَّرَكِ الْعَادِيِّ نِضْوُ عِصَامِ
[ ١ / ٥٢ ]
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ: «أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِرُمَّتِهِ، ثُمَّ يُخْرَجُ مِنَ الْحَرَمِ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «بِرُمَّتِهِ» بِالْقِطْعَةِ مِنَ الْحَبْلِ الَّذِي هُوَ بِهِ مُوثَقٌ، وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّي غَيْلَانُ بْنُ عُقْبَةَ: ذَا الرُّمَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ كَانَ خُشِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَبِيٌّ الْمَسُّ، فَأُتِيَ بِهِ بَعْضُ الْحَيِّ، فَكَتَبَ لَهُ مُعَاذَةً فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ أَوْ عَضُدِهِ، وَشُدَّتْ بِخَيْطٍ. وَقِيلَ: بَلْ سُمَيَّ بِذَلِكَ لَبَيْتٍ قَالَهُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ يَصِفُ وَتَدًا:
[البحر الرجز]
أَشْعَثَ بَاقِي رُمَّةِ التَّقْلِيدِ نَعَمْ فَأَنْتَ الْيَوْمَ كَالْمَعْمُودِ
وَالرُّمَّةُ: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْحَبْلِ، وَأَمَّا «الرِّمَّةُ»، بِكَسْرِ الرَّاءِ: فَإِنَّهُ الشَّيْءُ الْخَلَقُ الْبَالِي، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَظْمِ الْبَالِي: «رِمَّةٌ»، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، يُجْمَعُ «رِمَامًا، وَأَرْمَامًا»، كَمَا قَالَ: خِدَاشُ بْنُ بِشْرٍ الْبَعِيثُ:
[البحر الكامل]
فَلَقَدْ أَنَى لَكَ أَنْ تُودِّعَ خُلَّةً رَثَّتْ، وَعَادَ حِبَالُهَا أَرْمَامَا
[ ١ / ٥٣ ]
وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَمَا عَفَا لِلسِّوَاكِ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَا عَفَا: مَا فَضَلَ عَنْهَا مِنْ أَغْصَانِهَا وَفُرُوعِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ عَفَا مَالُ فُلَانٍ، إِذَا كَثُرَ وَصَارَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]: حَتَّى كَثُرُوا وَأَمَّا قَوْلُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ يَقُودُهُ رَجُلٌ بِنِسْعَةٍ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالنِّسْعَةِ السَّيْرَ الْمَضْفُورَ مِنَ الْجُلُودِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمَقُودِ بِالنِّسْعَةِ: «فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ»، فَإِنَّهُ يَعْنِي الْقَرْنَ: قَرْنَ الرَّأْسِ، وَللرَّأْسِ قَرْنَانِ، وَهُمَا حَرْفَا الْهَامَةِ الْمُشْرِفَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، وَالْهَامَةُ بَيْنَهُمَا، فَهِيَ أَعْلَى الرَّأْسِ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ
[ ١ / ٥٤ ]