[ ١ / ١٦ ]
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً بَعْدَ ذَلِكَ مِرَارًا: يَعْنِي بَعْدَ مَا قَالَ: فِيمَنْ قَطَعَ شَجَرَةً مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ: الدَّوْحَةِ وَنَحْوِهَا عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ وَلَا يَعُودُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ»
[ ١ / ١٦ ]
٢٤ - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَذَكَرَ الَّذِي ذَكَرَ فِي قَطْعِ الشَّجَرِ فِي الْحَرَمِ، وَمَا ذِكْرُهُ أَهْلُ مَكَّةَ: فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ غُصْنٍ شَاةٌ، فَقَالَ: «لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي قَطْعِ الشَّجَرِ شَيْئًا مَعْلُومًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُحْرِمٍ وَلَا حَلَالٍ أَنْ يَعْقِرَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، وَلَا يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْهُ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوجِبُ فِيهِ شَيْئًا، وَذَلِكَ مَا:
[ ١ / ١٦ ]
٢٥ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَأَى رَجُلًا يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، وَيَعْلِفُهُ بَعِيرًا لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: «عَلَيَّ بِالرَّجُلِ» ⦗١٧⦘ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، " أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ؟ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ مَعِيَ نِضْوًا لِي، فَخَشِيتُ أَلَا يُبَلِّغَنِي أَهْلِي، وَمَا مَعِي مِنْ زَادٍ وَلَا نَفَقَةٍ قَالَ: فَرَقَّ لَهُ بَعْدَ مَا هَمَّ بِهِ، قَالَ: وَأَمَرَ لَهُ بِبَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ مُوقَرٍ طَحِينًا، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ: لَا تَعُودَنَّ أَنْ تَقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ شَيْئًا "، فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا تَقَدَّمَ إِلَى الَّذِي رَآهُ يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَيَعْلِفَهُ بَعِيرًا لَهُ، بِالنَّهْيِ عَنِ الْعُودِ لِمِثْلِ مَا فَعَلَ مِنْ قَطْعِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِجَزَاءٍ وَلَا كَفَّارَةٍ لَمَّا قَطَعَ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا عَلَى مَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَطَعِهِ أَنْ يُقَالَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَطَعَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْ قَطْعِهِ، نَظِيرَ صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفَهِمْ عَلَى أَنَّ عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ جَزَاءٌ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَطْعِهِ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، نَظِيرَ مَا عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ، فَلَنْ يَقُولَ: فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ، فَإِنِ اعْتَلَّ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصَّيْدِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الشَّجَرِ ⦗١٨⦘ قِيلَ: فَرَدَّ حُكْمَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ قَطْعِ الشَّجَرِ، عَلَى مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِيهِ، إِذْ كِلَاهُمَا إِتْلَافُ مَا قَدْ نُهِيَ عَنْ إِتْلَافِهِ، وَفِعْلُ مَا قَدْ حُظِرَ فِعْلُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا صَيْدٌ وَالْآخَرُ شَجَرٌ، وَإِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا، مِنْ إِيجَابِ قِيمَةِ مَا قُطِعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ عَلَى مَنْ قَطَعَهُ بَالِغًا ذَلِكَ مَا بَلَغَ، فَبَيِّنٌ أَنَّ عَلَى مَنْ قَطَعَ مِنْ فُرُوعِ شَجَرَةٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَرَعًا، أَوْ مِنْ أَغْصَانِهَا غُصْنًا، قِيمَةُ ذَلِكَ الْغُصْنِ، كَمَا عَلَى مَنْ جَرَحَ صَيْدًا مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَمْ يُتْلِفْهُ ذَلِكَ الْجُرْحُ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ الصَّيْدَ، إِذْ كَانَ عَلَيْهِ غُرْمُ جَزَائِهِ إِذَا أَتْلَفَ جَمِيعَهُ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ قَاطِعِ بَعْضِ فُرُوعِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَأَغْصَانِهَا، عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ مِنْهَا بِالْقَطْعِ، يَحْكُمُ بِذَلِكَ ذَوَا عَدْلٍ، كَمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ جَمِيعَهَا إِذَا قَطَعَ جَمِيعَهَا، وَفِيهِ أَيْضًا الْبَيَانُ الْبَيِّنُ عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ حَرَامٌ اصْطِيَادُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ، إِذْ كَانَ صَحِيحًا عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، فَاصْطِيَادُهُ أَوْكَدُ فِي التَّحْرِيمِ مِنْ تَنْفِيرِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَنَا قَائِلٌ: فَإِنَّكَ اعْتَلَلْتَ فِي إِيجَابِكَ الْجَزَاءَ عَلَى مَنْ قَطَعَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الَّذِي لَا يُنْبِتُهُ بَنُو آدَمَ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَطَعِهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ مُجْمَعًا عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ أَنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ، كَانَ نَظِيرًا لَهُ قَاطِعُ بَعْضِ أَشْجَارِهِ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جَزَائِهِ بِقَطْعِهِ؟ وَقَدْ صَحَّحْتَ نَهْيَهُ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، أَفَتَقُولُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى مُنَفِّرِهِ مِنَ الْجَزَاءِ، مِثْلُ مَا عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ وَقَاتِلِ صَيْدِهِ؟ قِيلَ: أَوْجَبَ ذَلِكَ إِنْ أَدَّاهُ تَنْفِيرُهُ إِيَّاهُ إِلَى هَلَاكِهِ، وَكَانَ تَنْفِيرُهُ ذَلِكَ سَبَبَ عَطَبِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِي قَطْعِهِ شَجَرَهُ الْجَزَاءَ، إِذْ كَانَ قَطْعُهُ إِيَّاهُ سَبَبًا لِمَوْتِهِ ⦗١٩⦘ وَهَلَاكِهِ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ تَنْفِيرِهِ إِيَّاهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ وَعَطَبِهِ، أَوْ هَلَاكًا لِشَيْءٍ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ بِتَنْفِيرِهِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُطْعِمُ شَيْئًا
[ ١ / ١٦ ]
٢٦ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَطَاءٍ، فِيمَنْ أَخَذَ طَائِرًا فِي الْحَرَمِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ، قَالَ: «يُطْعِمُ شَيْئًا لِمَا نَفَّرَهُ» فَإِنْ فَعَلَ فَاعِلٌ مَا ذَكَرْتُ مَا قَالَهُ: عَطَاءٌ، فَمُحْسِنٌ مُجْمِلٌ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ نَحْوَ الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَاهُ
[ ١ / ١٩ ]
٢٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ شَيْخٍ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: أَنَّ حَمَامًا، كَانَ عَلَى الْبَيْتِ فَخَرِيَ عَلَى يَدِ عُمَرَ ﵁ فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَطَارَ، فَوَقَعَ عَلَى بَعْضِ بُيُوتِ مَكَّةَ، فَجَاءَتْ حَيَّةٌ فَأَكَلَتْهُ، «فَحَكَمَ عُمَرُ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِشَاةٍ»، فَلَمْ يَرَ عُمَرُ ﵀ لَمَّا نَفَّرَ الْحَمَامَةَ الْوَاقِعَةَ عَلَى الْبَيْتِ بِتَنْفِيرِهِ إِيَّاهَا عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى تَلِفَتْ، فَلَمَّا تَلِفَتْ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّ سَبَبَ تَلَفِهَا كَانَ مِنْ تَنْفِيرِهِ إِيَّاهَا، أَلْزَمُ نَفْسَهُ جَزَاءَهَا فَجَزَاهَا " وَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا اسْتَجَازَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَنْفِيرَهُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ وَاقِعًا عَلَيْهِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ تَنْفِيرَ صَيْدِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ الطَّائِرَ الَّذِي نُفِّرَ ذَرَقَ عَلَى يَدِهِ فَكَانَ لَهُ طَرْدُهُ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَلْحَقُهُ أَذَاهُ فِي كَوْنِهِ فِيهِ ⦗٢٠⦘، وَكَذَلِكَ كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: فِي نَحْوِ مَعْنَى ذَلِكَ
[ ١ / ١٩ ]
٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ: لِعَطَاءٍ: كَمْ فِي بَيْضَةٍ مِنْ بِيضِ حَمَامِ الْحَرَمِ؟ قَالَ: " فِي بَيْضَةٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ دِرْهَمٌ، وَيُحْكُمُ فِيهِ، قَالَ: وَقَالَ إِنْسَانٌ لِعَطَاءٍ: بَيْضَةٌ وَجَدْتُهَا عَلَى فِرَاشِي، أُمِيطُهَا عَنْ فِرَاشِي؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: لِعَطَاءٍ: بَيْضَةٌ وَجَدْتُهَا فِي سَهْوَةٍ أَوْ فِي مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «فَلَا تُمِطْهَا» فَرَأَى عَطَاءٌ أَنَّ الْمُمِيطَ عَنْ فِرَاشِهِ بَيْضَةً مِنْ بَيْضِ حَمَامِ الْحَرَمِ فِي الْحَرَمِ غَيْرِ حَرَجٍ، وَلَا لَازِمُهُ فِي إِمَاطَتِهِ إِيَّاهَا شَيْءٌ، لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إِيَّاهَا عَلَى فِرَاشِهِ عَلَيْهِ أَذًى، وَلَمْ يَرَ جَائِزَةَ إِمَاطَتِهَا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا أَذًى عَلَيْهِ فِي كَوْنِهَا فِيهِ، فَكَذَلِكَ كَانَ مِمَّا كَانَ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ ﵁ فِي إِطَارَتِهِ الْحَمَامَةَ الَّتِي طَيَّرَهَا إِذْ ذَرَفَتْ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ وَاقِعَةً عَلَيْهِ، وَأَمَا قَوْلُهُ: «وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْقَائِلُ فِيهِ: وَهَلْ لِمُلْتَقِطٍ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ الْتِقَاطُ لُقَطَةً لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ، فَيُخَصُّ الْحَرَمُ بِأَنَّ لُقَطَتَهَا لَا تَحِلُّ إِلَّا لِمُعَرِّفٍ؟ فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَنْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا يَحِلُّ الْتِقَاطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِلتَّعْرِيفِ خَاصَّةً، دُونَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللُّقَطَةَ فِي غَيْرِهَا، لِوَاجِدِهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا حَوْلًا، عَلَى أَنَّهُ ضَامِنُهَا لِصَاحِبِهَا إِذَا حَضَرَ ⦗٢١⦘، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمُلْتَقِطِهَا فِي الْحَرَمِ، إِنَّمَا لَهُ إِذَا الْتَقَطَهَا فِيهِ تَعْرِيفُهَا أَبَدًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ صَاحِبُهَا، وَقَدْ حُكِيَ شَبِيهٌ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ
[ ١ / ٢٠ ]
٢٩ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنْ قَوْلِهِ: لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَلْبَتَّةَ»، فَقِيلَ لَهُ: إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَقَالَ: «إِلَّا لِمُنْشِدٍ»، وَهُوَ يُرِيدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ "، قَالَ: أَحْمَدُ: قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ: وَمُذْهَبُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ كَالرَّجُلِ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ لُقِّنَ شَيْئًا فَلَقِنَهُ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَحِلُّ لِلْمُلْتَقِطِ مِنْهَا إِلَّا إِنْشَادُهَا، فَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِهَا فَلَا وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي فَسَّرَهُ كَمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ، فَلَمْ يُصِبْ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ لُقِّنَ قَوْلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَقِنَهُ، فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَهُ وَقَوْلَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ قَاصِدًا الِاسْتِثْنَاءَ، مُرِيدًا بِهِ الثُّنْيَا عَنْ يَمِينِهِ، لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلِمَةِ ⦗٢٢⦘ تَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ لِعَادَةٍ جَرَتْ بِلِسَانِهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنَى فِي الْكَلَامِ، وَكَانَ لَغْوًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، بَلِ لِاسْتِثْنَاءِ الْمُعَرَّفِ مِنْ مُلْتَقِطِي لُقَطِ الْحَرَمِ، بِإِبَاحَتِهِ لَهُ الْتِقَاطَهُ دُونَ غَيْرِهِ، مَعْنًى مَفْهُومٍ، وَفَائِدَةٌ لَيْسَتْ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا «عَظِيمَةٌ أُدْرِكَتْ بِقَوْلِهِ» إِلَّا لِمُعَرِّفٍ "، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ لَوْ كَانَ قَالَ: «لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا»، وَلَمْ يَقُلْ: «إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ الْتِقَاطُ لُقَطَةَ مَكَّةَ، لَا لِلتَّعْرِيفِ وَلَا لِغَيْرِهِ، فَلَمَّا قَالَ: «إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، أَبَانَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ لِوَاجِدِهَا الْتِقَاطَهَا لِلتَّعْرِيفِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ سُنَّتِهِ ﵇ فِي اللُّقَطَةِ يَلْتَقِطُهَا الْمُلْتَقِطُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، أَنَّ لِمُلْتَقِطِهَا الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا حَوْلًا، وَكَانَ الْحَرَمُ مَخْصُوصًا بِمَا خَصَّ بِهِ بِتَحْرِيمِ مَا أَطْلَقَ فِي غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ غَيْرُهُ، كَتَحْرِيمِهِ عَضُدَ شَوْكِهِ وَشَجَرِهِ وَعِضَاهِهِ، وَتَنْفِيرَ صَيْدِهِ، كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ لُقَطَتِهَا أَنْ يَلْتَقِطَهَا إِلَّا الْمُعَرِّفُ، أَنَّهُ قَدْ خَصَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَعُمَّ سَائِرَ الْبِلَادِ غَيْرَهُ، كَمَا خَصَّهُ فِي صَيْدِهِ وَشَجَرِهِ وَشَوْكِهِ بِمَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ يَصِحُّ مَعْنَاهُ غَيْرَ الَّذِي قُلْنَاهُ، مِنْ أَنَّهُ ﷺ إِذْ أَبَاحَ لِلْمُعَرِّفِ الْتِقَاطَ لُقَطَتَهُ، وَلَمْ يُطْلِقْ لَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إِيَّاهَا مُدَّةً مُؤَقَّتَةً، كَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ فِي لُقَطِ سَائِرِ الْبِلَادِ غَيْرِهِ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْتِقَاطِهَا إِلَّا التَّعْرِيفَ، وَأَنَّهُ إِنْ أَخَذَهَا لِيَسْلُكَ بِهَا سَبِيلَ لُقَطِ سَائِرِ الْبِلَادِ وَغَيْرِهَا، فِي أَنَّهُ إِذَا عَرَفْهَا سَنَةً أَوْ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ⦗٢٣⦘ ذَلِكَ، اسْتَمْتَعَ بِهَا إِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا، كَانَ آثِمًا مُتَقَدِّمًا عَلَى نَهْيِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ لَهَا بِأَخْذِهِ إِيَّاهَا كَذَلِكَ ضَامِنًا، إِنْ هَلَكَتْ فِي يَدِهِ كَانَ عَلَيْهِ غُرْمُهَا لِصَاحِبِهَا مَتَى جَاءَ، عَرَّفَهَا بَعْدَ أَخْذِهِ إِيَّاهَا كَذَلِكَ أَوْ لَمْ يُعَرِّفْهَا، لِأَنَّ أَخَذَهُ إِيَّاهَا مُرِيدًا بِهَا الِاسْتِمْتَاعَ بَعْدَ مُدَّةٍ تَأْتِي مِنْ تَعْرِيفِهِ إِيَّاهَا، أُخِذَ مِنْهُ لَهَا بِخِلَافِ مَا أَذِنَ لَهُ بِأَخْذِهَا، فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ أَخْذِ لُقَطَةٍ فِي غَيْرِهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، لَا لِتَعْرِيفِهَا الْمُدَّةَ الَّتِي أُمِرَ بِتَعْرِيفِهَا إِلَيْهَا، وَحُكِيَ عَنْ آخَرَ غَيْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: يَعْنِي ﷺ بِقَوْلِهِ: «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»، إِلَّا لِلطَّالِبِ الَّذِي يَطْلُبُهَا، وَهُوَ رَبُّهَا "، وَقَالَ: يَقُولُ: فَلَيْسَتْ تَحِلُّ إِلَّا لِرَبِّهَا، ثُمَّ قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا حَسَنٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ لِلطَّالِبِ: «مُنْشِدٌ»، إِنَّمَا الْمُنْشِدُ الْمُعَرِّفُ، وَالطَّالِبُ النَّاشِدُ، يُقَالُ مِنْهُ: نَشَدْتُ الضَّالَّةَ أَنْشُدُهَا نَشْدًا، إِذَا طَلَبْتُهَا، فَأَنَا لَهَا نَاشِدٌ، وَمِنَ التَّعْرِيفِ: «أَنْشَدْتُهَا إِنْشَادًا فَأَنَا مُنْشِدٌ» قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ «النَّاشِدَ هُوَ الطَّالِبُ»، حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاشِدُ، غَيْرُكَ الْوَاجِدُ»، قَالَ: وَمَعْنَاهُ: لَا وَجَدْتَ كَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَمَا قَوْلُ أَبِي دِوَادٍ وَهُوَ يَصِفُ الثَّوْرَ، فَقَالَ: ويَصِيخُ أَحْيَانًا كَمَا اسْتَمَعَ الْمُضِلُّ لَصَوْتِ نَاشِدْ ⦗٢٤⦘ فَإِنَّ الْأَصْمَعِيَّ أَخْبَرَنِي عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: أَنَّهُ كَانَ يُعْجَبُ مِنْ هَذَا قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: هُوَ أَوْ غَيْرُهُ: أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّاشِدِ أَيْضًا رَجُلًا قَدْ ضَلَّتْ دَابَّتُهُ فَهُوَ يَنْشُدُهَا، يَطْلُبُهَا، لِيَتَعَزَّى بِذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مِنْ وَجَّهَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «إِلَّا لِمُنْشِدٍ» إِلَّا لِطَالِبٍ "، عِلَّةٌ لِفَسَادِهِ مُوَضِّحَةٌ، لَوِ لَمْ يَكُنْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ رِوَايَةٌ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، أَنَّهُ قَالَ: «وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا مُعَرِّفٍ»، أَوْ «لِمُعَرِّفٍ» أَوْ «لِمَنْ عَرَّفَهَا»، فَفِي ذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِلَّا لِمُنْشِدٍ»، «إِلَّا لِطَالِبٍ»، لِأَنَّ الطَّالِبَ لَا يُقَالُ لَهُ فِي لُغَةٍ مِنَ اللغاتِ «مُعَرِّفٌ» وَقَدْ أَبَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمُلْتَقِطَ الْمُعَرَّفَ دُونَ الطَّالِبِ، وَأَنْ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ الْقَائِلِ: عُنِيَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِلَّا لِمُنْشِدٍ»، الطَّالِبُ، يُعْقَلُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ زِيَادَةُ مَعْنًى لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ وَلِيَّ قَتِيلِ الْعَمْدِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقَوَدِ مِنْ ⦗٢٥⦘ قَاتَلِ وَلِيِّهِ، وَأَخَذَ الدِّيَةَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُودَى، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ "، وَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇، تَحْقِيقُ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِإِيجَابِ الْخِيَارِ لِوَلِيِّ قَتِيلِ الْعَمْدِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، أَحَبَّ ذَلِكَ الْقَاتِلُ أَوْ كَرِهَهُ، وَبِطُولِ قَوْلِ الْمُنْكَرِ الْخِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ إِلَّا عَنِ اصْطِلَاحٍ مِنَ الْقَاتِلِ وَوَلِيِّ الْقَتِيلِ عَلَيْهِ، الزَّاعِمَيْنِ أَنْ لَا شَيْءَ لِوَلِيِّ قَتِيلِ الْعَمْدِ غَيْرِ الْقَوَدِ، إِذَا لَمْ يَرْضَ الْقَاتِلُ بِإِعْطَائِهِ دِيَةَ قَتِيلِهِ، فَإِنْ سَأَلْنَا سَائِلٌ فَقَالَ: إِنَّ الْخَبَرَ بِتَخْيِيرِ وَلِيِّ قَتِيلِ الْعَمْدِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ، إِنَّمَا رَوَيْتَهُ لَنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ رُوِّيتُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَغَيْرِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، مِنْ وجُوهٍ شَتَّى، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي شُرَيْحٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي رَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ ⦗٢٦⦘ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِيهِ، فَذَكَرَ تَخْيِيرَهُ فِيهَا وَلِيَّ الْقَتِيلِ عَمْدًا، فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ذَلِكَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَهَلْ مِنْ خَبَرٍ تَأْثُرُهُ لَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَوْ حُجَّةٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا سِوَاهُ؟ قِيلَ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ أَمِينٌ عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ، مِنْ رِوَايَةِ خَبَرِ ثِقَةٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ عَلَى مَا نَقْلَ مِنْ أَثَرٍ، وَفِيهِ فِيمَا رَوَى مِنْ ذَلِكَ كِفَايَةٌ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي رَوَى مِنْ مَعْنَى ذَلِكَ، لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ دُونَ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ رَوَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى مَا رَوَى مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْ لَنَا بَعْضَ ذَلِكَ لِنَعْرِفَهُ قِيلَ:
[ ١ / ٢١ ]
٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، أَنَّ عَلْقَمَةَ، حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ، رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ يَقُودُهُ رَجُلٌ بِنِسْعَةٍ، حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟»، قَالَ: كُنَّا نَحْطِبُ مِنْ شَجَرَةٍ فَسَبَّنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَتَلْتُهُ، قَالَ: «عِنْدَكَ مَالٌ تَدِيهِ عَنْ نَفْسِكِ؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ إِلَّا فَأْسِي وَكِسَائِي، قَالَ: «أَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟»، قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ ⦗٢٧⦘: «دُونَكَ صَاحِبَكَ»، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ»، فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: وَيْلَكَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا بِأَمْرِكَ، قَالَ: «أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّهُ كَذَلِكَ» قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ
[ ١ / ٢٦ ]
٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ أَبُو عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ جِيءَ بِالْقَاتِلِ يَقُودُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فِي نِسْعَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ: «تَعْفُو؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «تَأْخُذُ الدِّيَةَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَتَقْتُلُهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ»، فَلَمَّا ذَهَبَ فَوَلَّى مِنْ عِنْدِهِ دَعَاهُ، فَقَالَ: أَتَعْفُو؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: «تَأْخُذُ الدِّيَةَ؟»، قَالَ: لَا، فَقَالَ: «تَقْتُلُهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " اذْهَبْ بِهِ، فَلَمَّا ذَهَبَ فَوَلَّى مِنْ عِنْدِهِ دَعَاهُ، فَقَالَ: «أَتَعْفُو؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «تَأْخُذُ الدِّيَةَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَتَقْتُلُهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ» فَعَفَا عَنْهُ وَتَرَكَهُ، قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ
[ ١ / ٢٧ ]
٣٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ الْحَبَطِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ، وَقَالَ يَحْيَى: وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ، وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفٌ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ حَمْزَةَ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُتِيَ بِالْقَاتِلِ يُقَادُ فِي نِسْعَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْمَقْتُولِ: «أَتَعْفُو؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَفَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَتَقْتُلُهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مِثْلَ الْقَوْلِ ⦗٢٨⦘ الْأَوَّلِ، قَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ»، قَالَ: فَخَلَّى عَنْهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ قَدْ خَلَّى عَنْهُ، قَالَ: عَوْفٌ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ: «إِنَّكَ إِنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ»
[ ١ / ٢٧ ]
٣٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّكُمْ، يَا خُزَاعَةَ، قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ، وَأَنَا، وَاللَّهِ عَاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَهُ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنَّ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ "
[ ١ / ٢٩ ]
٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مِنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ "
[ ١ / ٣٠ ]
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: " مَنْ قُتِلَ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِنْ أَحَبَّ فَدَمُ قَاتِلِهُ، وَإِنْ أَحَبَّ فَعَقْلُهُ "
[ ١ / ٣٠ ]
٣٦ - حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يَقْتَصَّ أَوْ يَقْبَلَ الْعَقْلَ، فَمَنْ قَبِلَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا»
[ ١ / ٣٠ ]
٣٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ، مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مِنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ بِخَبْلٍ فَهُوَ ⦗٣١⦘ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ، وَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ: أَنْ يَقْتَصَّ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ النَّارَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا "
[ ١ / ٣٠ ]
٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ بِخَبْلٍ» قَالَ: " وَالْخَبْلُ الْجِرَاحُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ: بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ عَادَ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا "
٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ
[ ١ / ٣١ ]
٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مِنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ "
[ ١ / ٣١ ]
٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَذَلِكَ عَقْلُ الْعَمْدِ، مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ، فَهُوَ لَهُمْ»
[ ١ / ٣١ ]
٤٢ - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَوْمَ الْفَتْحِ: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْفَعُوا أَيْدِيكُمْ، إِنَّ خِرَاشًا قَتَّالٌ، إِنَّ خِرَاشًا قَتَّالٌ، مَنْ قَتَلَ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» فَقَتَلَ خِرَاشٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَمِنْ هُذَيْلٍ، فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ خِرَاشًا قَتَلَ رَجُلًا مِنَّا، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمُ الْقَوَدَ أَوِ الدِّيَةَ»، فَاخْتَارُوا الْعَقْلَ، فَقَالَ: «قُومُوا يَا بَنِي كَعْبٍ، فَأَتَوْا بِمِائَةِ نَاقَةٍ»، فَخَرَجُوا إِلَى مَرٍّ فَأَتَوْهُ بِهَا
[ ١ / ٣٢ ]
٤٣ - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الطُّلَيْقِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نُجَيْدِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ، " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقَتْلِ، فَقَتَلْنَا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ، بِرَجُلٍ مِنَّا مِنْ خُزَاعَةَ قُتِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَبْعَدَ النَّهْيِ أَمْ قَبْلُ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ النَّهْيِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْنَاهُ، قَالَ: عِمْرَانُ: فَهُوَ أَوَّلُ مَعْقُولٍ عُقِلَ فِي الْإِسْلَامِ ⦗٣٤⦘ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَالَ ذَلِكَ مِنَ السَّلَفِ، فَتَذْكُرُهُ لَنَا لِنَعْرِفَهُ قِيلَ: ذَلِكَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
[ ١ / ٣٣ ]
٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ ﵎ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحَرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
⦗٣٥⦘، فَالْعَفْو أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبُّكُمْ، خَفَّفَ عَنْكُمْ مَا كَانَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: أَنْ يُطْلَبَ هَذَا بِمَعْرُوفٍ، وَيُؤَدَّى هَذَا بِإِحْسَانٍ "
[ ١ / ٣٤ ]
٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، قَالَ: «إِنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ»
[ ١ / ٣٥ ]
٤٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قَالَ: «هُوَ الْعَمْدُ، يَرْضَى أَهْلُهُ بِالدِّيَةِ»
[ ١ / ٣٥ ]
٤٧ - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ، عَنْ مَالِكٍ، فِي الرَّجُلِ يُقْتَلُ عَمْدًا، فَيَقُولُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ: نَحْنُ نَعْفُو، أَوْ نَأْخُذُ الدِّيَةَ، فَقَالَ الْقَاتِلُ: لَا أُعْطِيكُمُ شَيْئًا أَبَدًا، وَقَالَ: اقْتُلُونِي، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ، وَلَا تَكُونُ لَهُمُ الدِّيَةُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قَالَ: يُونُسُ: قَالَ: لَنَا أَشْهَبُ: هَذَا الَّذِي لَمْ أَزَلْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ: «الْخِيَارُ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَتَلَ، وَإِنْ أَحَبَّ اسْتَحْيَا عَلَى الدِّيَةِ، وَلَزِمَ الْقَاتِلَ ذَلِكَ»
[ ١ / ٣٥ ]
٤٨ - وَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، فِي الرَّجُلِ يُقْتَلُ عَمْدًا، قَالَ: «الْخِيَارُ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَتَلَ، وَإِنَّ أَحَبَّ أَخَذَ الدِّيَةَ» فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلَ، غَيْرَ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ، فَتَحْتَجَّ بِهَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؟ قِيلَ: نَعَمْ فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْ لَنَا بَعْضَ ذَلِكَ. قِيلَ: قَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَدِرَ عَلَى دَفْعِ الْمُرِيدِ إِتْلَافَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ إِمْكَانُهُ مِنْ إِتْلَافِهَا، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ مُرِيدَ إِتْلَافِهَا بِحَقٍّ، فَقَدِرَ عَلَى دَفْعِهِ عَمَّا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ بِحَقٍّ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إِمْكَانُهُ مِنْ إِتْلَافِهَا، كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ، إِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَدِرَ عَلَى دَفْعِهِ بِحَقٍّ، إِمْكَانُ مُرِيدِ ذَلِكَ مِنْهُ مِمَّا يُرِيدُ مِنْهُ، وَتَرْكُ دَفْعِهِ عَنْهُ بِحَقٍّ وَهُوَ عَلَى دَفْعِهِ عَنْهُ قَادِرٌ، فَالْقَاتِلُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، إِذَا رَضِيَ مِنْهُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ بِالدِّيَةِ، قَادِرٌ عَلَى دَفْعِ الْقَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ بِبَذْلِ مَا رَضُوا بِهِ مِنْهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إِتْلَافُهَا، وَهُوَ عَلَى إِحْيَائِهَا بِحَقٍّ قَادِرٌ، كَمَا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لَهُ إِمْكَانُ مَنْ أَرَادَ قَتَلَهُ ⦗٣٧⦘ بِغَيْرِ حَقٍّ، إِمْكَانُهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى دَفْعِهِ عَنْهُ قَادِرٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، سُئِلَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَصْلٍ أَوْ قِيَاسٍ، فَلَنْ يَقُولَ: فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ. فَإِنْ زَعَمَ مِنْهُمْ زَاعِمٌ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ إِتْلَافُ نَفْسِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، إِذَا دَفَعَ مُرِيدُ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْهُ، مَانِعُهُ مِنْ رُكُوبِ مَعْصِيَةٍ يَحْلُو لَهُ رُكُوبُهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ تَرْكُهُ وَرُكُوبُ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ قَادِرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُرِيدُ إِتْلَافَ نَفْسِهِ قَوَدًا. . . . . . الْمَقْتُولُ، أَنَّا لَمْ نُمَثِّلْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ مَا فَرِقْتُ بَيْنَهُ، مِنْ أَنَّ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ مَعْصِيَةٌ، وَالْآخَرُ طَاعَةٌ، وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا بَيْنَ ذَلِكَ: مِنْ أَنِّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرَادِ إِتْلَافُ نَفْسِهِ، لَهُ السَّبِيلُ إِلَى إِحْيَائِهَا، وَجَعَلْنَا حُكْمَ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إِتْلَافُهَا وَهُوَ عَلَى إِحْيَائِهَا قَادِرٌ، فَإِنِ اخْتَلَفَ أَحْكَامُهُمَا فِي مَعَانِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ أَحْوَالُ الشَّخْصَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُ أَمْرَهُمَا مُتَّفِقَةٌ فِي كُلِّ الْمَعَانِي، وَمِنْ كُلِّ الْوجُوهِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا قِيَاسًا لِلْآخَرِ فِيمَا قِسْنَاهُ بِهِ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ الْمُجْمَعُ عَلَى حُكْمَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ حُكَمًا لِأَحَدِهِمَا بِمِثْلِ حُكْمِ الْآخَرِ مِنْهُمَا، لِاتِّفَاقِهِمَا فِيمَا وَفَّقْنَا بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي ⦗٣٨⦘. فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ خَالَفَ مَا ذَكَرْتُ مِنَ السَّلَفِ أَحَدٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْ لَنَا بَعْضَهُمْ. قِيلَ:
[ ١ / ٣٦ ]
٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «الدِّيَةُ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ خَطَأٌ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا شَيْءٌ»
[ ١ / ٣٨ ]
٥٠ - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا، فَرَضِيَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَنْ يُصَالِحُوهَ صَالَحُوهُ عَلَى مَا شَاءُوا، وَإِنْ شَاءُوا خَمْسِينَ أَلْفًا، وَكَانَتْ فِي مَالِ الرَّجُلِ، لَيْسَ عَلَى عَاقِلَتِهِ شَيْءٌ»
[ ١ / ٣٨ ]
٥١ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْعَمْدِ الْقِصَاصِ، إِلَّا أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى شَيْءٍ بَيْنَهُمْ، فَهُمْ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، وَالْخَطَأُ عَلَى الْعَاقِلَةِ»
[ ١ / ٣٨ ]
٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، وَمُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُمَا قَالَا: " فِي الْخَطَأِ: فِيهِ الدِّيَةُ، وَالْعَمْدُ فِيهِ الْقَوَدُ، إِلَّا أَنْ يَصْطَلِحُوا بَيْنَهُمْ عَلَى شَيْءٍ "
[ ١ / ٣٨ ]
٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀، إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: «لَا ⦗٣٩⦘ يَمْنَعُ سُلْطَانٌ وَلِيَّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ إِنَّ شَاءَ، وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ إِنْ شَاءَ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَقْتُلَ إِنْ أَبَى إِلَاّ أَنْ يَقْتُلَ فِي الْعَمْدِ»
[ ١ / ٣٨ ]
٥٤ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ: قَالَ: سُفْيَانُ: «لَيْسَ فِي الْعَمْدِ لِلْوَلِيِّ إِلَّا الْقِصَاصُ أَوِ الْعَفْوُ، وَلَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ» فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ مِنْ عِلَّةٍ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ، يُعْذَرُ بِالْقَوْلِ بِهِ؟ قِيلَ: أَمَّا مَنْ كَانَ دَائِنًا بِالْقَوْلِ بِحُجَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي الدِّينِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ لِلدَّيْنُونَةِ بِهِ مُنْكِرًا، فَبَلَى. فَإِنْ قَالَ: وَمَا عِلَّتُهُ الَّتِي يَجْعَلَهَا سَبَبًا لِتَصْحِيحِ الْقَوْلِ بِهِ؟ قِيلَ: عِلَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ قَتْلَ الْخَطَأِ فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فَجَعَلَ عَزَّ ذِكْرُهُ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَأَلْزَمَ ذَلِكَ أَهْلَهُ، وَكَانَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ أَنْ يَجْعَلَ مَا خَصَّ بِهِ قَتْلَ الْخَطَأِ مِنَ الْحُكْمِ فِي الْعَمْدِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْخَطَأِ، كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ، عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ سَلَفِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهِمْ، أَنْ يُجْعَلَ مَا خُصَّ بِهِ قَتْلُ الْعَمْدِ مِنَ الْحُكْمِ فِي الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْعَمْدِ، وَجَعَلُوا إِجْمَاعَ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، مِنْ وجُوبِ الْقِصَاصِ لِأَهْلِهِ ⦗٤٠⦘ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، غَيْرَ جَائِزٍ الْحُكْمُ بِهِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ دَلِيلًا لَهُمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، مِثْلُهُ، فِي أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ الْحُكْمُ بِمَا حُكِمَ بِهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَقَالُوا: لَوْ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِالدِّيَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، فِي الْعَمْدِ، جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِالْقِصَاصِ، الَّذِي جَعَلَهُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، فِي قَتْلِ الْخَطَأِ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، كَانَ كَذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ الْحُكْمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيهِ الْقِصَاصَ، بِالدِّيَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ قَالُوا: وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّفَ الْبُرْهَانَ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ زِيَادَةُ مَعْنًى لَيْسَ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ غَيْرُهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ ⦗٤١⦘ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُبْهُ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، وَذَلِكَ خِطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِمَا خَطَبَ، فَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ أَبُو شَاهٍ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ، الْبَيَانُ الْبَيِّنُ عَنْ إِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَقْيِيدِ كَلَامِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ علومِ الدِّينِ بِالْكِتَابِ، وَبِطُولِ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ كِتَابَ الْعِلْمِ وَأَخْبَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ، الَّذِي رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ، وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ زِيَادَةُ ⦗٤٢⦘ مَعْنًى لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ لِخُزَاعَةَ: «وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَدِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ»، وَالْمَقْتُولُ كَانَ مُشْرِكًا قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ أَبُو شُرَيْحٍ فِي خَبَرِهِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ لَحِقَهُ الْأَمَانُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَنْ وَضَعَ سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»، وَكَانَ قَتْلُ قَاتِلِهِ مِنْ خُزَاعَةَ، بَعْدَ أَمَرِ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهَا ⦗٤٣⦘ بِرَفْعِ السِّلَاحِ عَمَّنْ كَانَ أَذِنَ لَهَا بِوَضْعِهِ فِيهِمْ، فَأَوْجَبَ ﷺ دِيَتَهُ لِأَهْلِهِ، لَمَّا كَانَ تَقَدَّمَ لَهُ مِنْهُ مِنَ الْأَمَانِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ قَتِيلٍ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، مِمَّنْ دَخَلَهَا بِأَمَانٍ أَنَّ لَهُ دِيَةً مُسَلَّمَةً إِلَى أَهْلِهِ، عَمْدًا كَانَ قَتْلَهُ أَوْ خَطَأً، وَأَنْ لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقِدْ أَوْلِيَاءَ الْهُذَلِيِّ الْمَقْتُولِ، مِنَ الْخُزَاعِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ، وَلَكِنَّهُ أَمَرَ بِأَدَاءِ الْعَقْلِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ، أَوْ يَحْمِلُ ذَلِكَ لَهُمْ عَنْهُ، إِذْ كَانَ الْخُزَاعِيُّ الْقَاتِلُ كَانَ مُسْلِمًا، وَالْهُذَلِيُّ الْمَقْتُولُ ذُو أَمَانٍ، كَافِرًا غَيْرَ دَاخِلٍ فِي صِبْغَةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، الْبَيَانُ الْبَيِّنُ، لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ، عَنْ صِحَّةِ مَا نَقُولُ بِهِ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الَّذِينَ شَهِدُوا خُطْبَتَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يُبَلِّغَهَا الشَّاهِدُ مِنْهُمُ الْغَائِبَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، قَدْ لَزِمَهُ مِنْ ⦗٤٤⦘ فَرْضِ الْإِبْلَاغِ عَنْهُ عَلَى الِانْفِرَادِ، مَا لَزِمَهُمْ عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِبْلَاغِ الْغَائِبِ عَنْهُمْ ذَلِكَ، إِلَّا وَالْمُبَلِّغُ ذَلِكَ عَنْهُ لَازِمُهُ مِنْ فَرْضِ الْعَمَلِ بِمَا أَبْلَغَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَازِمَ السَّامِعِ لَوْلَا ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِإِبْلَاغِهِ إِيَّاهُ، إِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمَهِ بِهِ مِنْ فَرَضِ الْعَمَلِ، مِثْلُ الَّذِي لَزِمَ الْمُبَلِّغَ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَجْهٌ مَعْقُولٌ، لِأَنَّ الْمُبَلِّغَ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، إِنْ كَانَ بِهَيْئَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُبَلِّغَهُ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ فَرْضِ الْعَمَلِ بِمَا أَبْلَغَ مَا لَزِمَ السَّامِعَ، فَإِنَّمَا كُلِّفَ السَّامِعُ أَنْ يَهْذِيَ فِي وَجْهِ الْغَائِبِ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ سَمَاعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ مِنْ قَائِلِهِ، إِنْ قَالَهُ وَصْفٌ مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا يَجِلُّ عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِهِ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ﷺ
[ ١ / ٣٩ ]